Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Sunday, 11 June, 2006

ومع ذلك الأرض تدور!!(*)

فرج أبوالعـشة

في عام 1195 نُفي ابن رشد، بسبب تهمة اشتغاله بالفلسفة، إلى "اليسانة" القرية الأندلسية المعزولة، المخصصة لنفي من لا تطمئن الدولة إلى عقائدهم وأفكارهم. حُرقت كتبه وكل كتب الفلسفة، بناء على مرسوم، صادر عن السلطان "المنصور أبي يوسف يعقوب"، يحُرم التفكير والاشتغال بالفلسفة وسائر العلوم العقلية، ما عدا الطب والفلك والحساب. وقد جاء استثناء الطب لضرورته في معالجة السلطان إذا مرض، وعلم الفلك لضرورته في تحديد شهور السنة القمرية ومواقيتها. وكذلك قراءة طالع السلطان. والحساب لضرورته في جرد حسابات ثروات السلطان وأملاكه، وضرائب دولة المخزن!

وبالمثل، غربا، أصدر البابا غريغورريوس التاسع، العام 1231، مرسوما كنسياً بتحريم تدريس فلسفة العرب، لا سيما فلسفة ابن رشد. كانت أوروبا غارقة في ظلام أكثر دامسة بكثير من الشرق الإسلامي. فمحنة ابن رشد لم تستمر. إذ ما لبث أن عفا السلطان عنه. وعادت له حظوته عنده، ومكانته الفسلفية في البلاد، إلى أن توفى في 11 ديسمبر 1198 لكن ذلك لم يكن ليمنع من تدهور الأفكار الفلسفية والعلمية. أو بتعبير ابن خلدون: "كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقض العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم"، في الوقت الذي أخذت، فيه، أوروبا إنشاء الجامعات التعليمية، المستندة في مناهجها إلى ما وصل إليها العرب في الأندلس من فكر عقلاني وعلمي.

وأتوقف هنا عند غاليلو غاليلي (1564ـ1642) الذي أجبره قضاة الظلام على الاعتراف قسرا بأن الأرض لا تدور مع أنها تدور منذ انبثاقها. كانت الأرض، حسب التصور المسيحي الإنجيلي قرصا مسطحا، هو مركز الكون.وتدور حوله الشمس وبقية النجوم. لكن كوبرنيكوس (1473ـ 1543) أثبت علميا أن الشمس هي مركز الكون، وليست الأرض إلا كوكبا من عدة كواكب تدور حولها. ثارت ثائرة الكنيسة. خاف كوبرنيكوس من الحرق. فأرسل إلى بابا الفاتيكان كتابا يتنصل فيه مما أكتشفه عقله من حقائق علمية. بعد حوالي نصف قرن على وفاة كوبرنيكوس، أصدر غاليلو، في 1604، كتابا علميا يؤكد فيه على صواب ما توصل إليه كوبرنيكوس، الذي لم تكن لديه أدوات تلسكوبية كافية لرؤية الأجسام البعيدة. عكس غاليلو الذي تمكن من صنع تلسكوب متقدم مكنه من فحص القمر وعدد من كواكب المجموعة الشمسية. صادر بوليس الكنيسة كتابه، واقتيد إلى المحاكمة أمام مجمع الكرادلة، الذين خيروه بين حرقه ومؤلفاته، أو سجنه في ديوان التفتيش طول عمره، مقابل اعترافه بـ"خطيئتـه"، والتراجع عن أفكاره علنا أمام الجمهور. فقبل بالحل الثاني، مدركا حماقة قضاته، نافذا بجلده، محافظا على حياته، من أجل كسب مزيد من الوقت لصالح مواصلة طرح الأسئلة ولو بينه وبين نفسه، في سجنه.أعلن أمام القضاة وفي حضور ممثلين عن جمهور العامة: أن الأرض ثابتة لا تدور. محتفظا لعقله بالحق في الترديد، بعد خروجه من المحكمة: ومع ذلك فهي تدور!

بمعنى أن حقيقة دوران الأرض ناموس طبيعي سابق على أوهام النواميس الكنسية. أي أن كما هي الأرض تدور حول الشمس، فإن الأسئلة تدور حول العقل.

إن منطق الدوران وتبدل الأحوال، أكان دوران الأرض حول الشمس أو دوران الأسئلة ـ الفكر حول العقل، وما ينتجه من تباين واختلاف، هو بالضرورة فعلا معاديا للثبات الكهنوتي على "الحقائق" المنقوعة في المقدس، التي لا تزال تمثلاتها الخرافية فاعلة في أذهان عوام البشرية، حتى في زمن الجينيوم. إلى درجة أنه، بعد نحو أربعة قرون على ظهور نظرية غاليلو، لايزال غالبية البشر يعتقدون أن الأرض ثابتة لا تدور. بل إن بعض مدارس الغرب (أمريكا تحديدا) لا تزال تحرم تدريس الحقيقة العلمية بشأن دوران الأرض حول الشمس!

وكما أن الأرض كانت تدور بطبيعتها:جمادا ونباتا وحيوانات وبشرا لملايين السنوات دون أن يحس بها احد إلى أن اكتشف غاليلو أمرها. كذلك كانت ثمرات التفاح تتساقط منذ ظهر العقل الإنساني على الأرض دون أن نكتشف قانون سقوطها الحتمي بدل صعودها، حتى اكتشف نيوتن قانون الجاذبية، صائحا: وجدتها وجدتها.

إن مقولة غاليلو الخالدة: ".. مع ذلك فهي تدور" لم يكن يعني بها التدليل على ما اكتشفه من حقيقة علمية بذاتها، وإنما كشف عصره ومستقبله أمام الاعتراف العلمي، لو سرا، بقوانين الطبيعة وقدرة العقل الإنساني على تفسيرها واستخلاصها. وإن نفي الحقيقة العلمية أمام المحاكمة الكنسية لن يبطل عمل الحقيقة العلمية ـ العقلانية. فالاعتراف بأن الأرض لاتدور أمام المحاكمة الكنسية حماية للعقل من أجل المزيد من الوقت لاكتشاف المزيد من الحقائق العلمية.

إن الأرض تدور رغم عن دوراننا حول خرافاتنا.كما تدور، غصبا عن رغباتنا واعتقاداتنا. الالكترونات تدور حول النواة. الطاقة الكهرباء حول السالب والموجب. كما الدورة الحياتية للحشريات والبشر، في دورتها المرسومة وفقا لقانونها الطبيعي. الكون يدور بملايين التفاصيل الجزئية ما أُكتشف منها وما لم يكتشف بعد. إذ أن البشر لازالوا في طور الروضة "الحضارية". إن أرقى روبوت ياباني، خُلّق في هذه اللحظة، سيُذكر، بعد خمسة قرون، على سبيل المثال، كما نذكر اليوم اختراع العجلة. ولنتصور أن معرفتنا الحالية في دوران لعبة التفاعل الانشطاري لليورانيوم وبلوتونيوم، من حيث قدرتنا العبثية التدميرية قادرة على تشطير النواة وتحويل طاقتها المسالمة إلى جنون جحيمي، فماذا عن قدرات شرنا البشري في القرون القادمة، إذا ما قضى للبشر الاستمرار الوجودي حتى ذلك الحين، مع السماح لي بالتساؤل عن موقع العرب والمسلمين وقتها؟! حسب أحد علماء الحشرات المؤمنين، هناك أمل في الحياة. إذ أنه واثق جدا، حتى في حالة تفجير كل ما يمتلكه البشر من قنابل نووية، تطال كل الأرض بدمارها وغازات غبارها القاتلة، ستبقى الصراصير حية!

فالصراصير تعيش على الأرض منذ 280 مليون سنة. ويمكن أن يعيش الصرصور بدون طعام لمدة شهر. ويعيش بلا رأس لمدة أسبوع. ويستطيع إيقاف قلبه لساعة كاملة دون أن يتوقف نشاطه عن العمل.كما يمكنه التوقف عن التنفس لمدة 45 دقيقة متواصلة. فهل كان كافكا في روايته الفذة "الإنمساخ" يعني إمكانية النجاة، وذلك بدون معنى للوجود؟!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية، الأحد 11 يونيو 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home