Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 11 فبراير 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (12)

فرج بوالعَـشّة

لبث محمد أسد، ومرافقوه في دغل كثيف بوادي الثعبان، في عتمة الليل، لساعات، في انتظار مجيء سِيدي عمر . سمعوا ما يشبه عواء ابن آوى قريب. وضع أحدهم يده حول فمه وقلد العواء نفسه. ثم ما لبث أن ظهر من وراء الأجمة رجلان مسلحان، حافيا القدمين وملتحفين بجردين باليين. ألقى أحدهما بكلمة السر: "في سبيل الله" فجاوبه أحد مرافقي محمد أسد: " لا حول ولا قوة إلا بالله". وعندها تصافحوا بحرارة.
كان المجاهدان، حافيا القدمين، يستطلعان الطريق أمام سِيدي عمر. و" بعد حوالي عشر دقائق سمعنا حفيف الأغصان مرة ثانية بين أدغال العرعر وبرز ثلاثة رجال، كل منهم من جهة، وأخذوا يقتربون منا وبنادقهم في أيديهم مصوبة إلينا. وبعدما اقتنعوا بأننا كنا فعلا من كانوا يتوقعون رؤيتهم، عادوا فاختفوا ثانية في الأجمة وفي جهات مختلفة أيضا، فقد كان واضحا أنهم كانوا ينوون حراسة زعيمهم والأشراف على زعامته. وما لبث عمر أن جاء على جواد صغير لُفت حوافره بالقماش. وكان يحيط به رجلان من كل جانب، ويتبعه عدد آخر. وعندما وصل إلى الصخور التي كنا ننتظر عندها، ساعده أحد رجاله على النزول، ورأيت أنه يمشي بصعوبة ـ عرفت بعدئذ أنه قد جُرح إبان إحدى المناوشات قبل ذلك بعشرة أيام تقريباً ـ. وعلى ضوء القمر المشرق استطعت الآن أن أراه بوضوح: كان رجلاً معتدل القامة قوي البنية ذا لحية قصيرة بيضاء كالثلج تحيط بوجهه الكئيب ذي الخطوط العميقة. وكانت عيناه عميقتين، ومن الغضون المحيطة بهما كان باستطاعة المرء أن يعرف أنهما كانتا ضاحكتين براقتين في غير هذه الظروف، إلا أنهما لم يكن فيهما الآن شيء غير الظلمة والألم والشجاعة."
حدّث محمد أسد سِيدي عمر عن الخطة التي أعدها السيد أحمد الشريف بشأن جعل الكفرة قاعدة لإمداد حركة الجهاد بالسلاح والرجال والمؤن، وبشكل مستمر ودائم. و"لم أر في حياتي ابتسامة تدل على ذلك القدر من المرارة واليأس كتلك الابتسامة التي رافقت جواب سيدي عمر. وقد قال: لقد خسرنا الكفرة. فالإيطاليون قد احتلوها منذ أسبوعين تقريبا." وهكذا ما عاد لجهود السيد الشريف ومحمد أسد من جدوى عمليا. ويقول محمد أسد: إن سِيدي عمر قرّبه إليه وقال: إنك تستطيع أن ترى، يا ابني، إننا قد اقتربنا فعلا من أجلنا المقدر لنا. ثم أضاف كأنما يجيب عن السؤال الذي كانت تنطق به عيناي: إننا نقاتل لأن علينا أن نقاتل في سبيل ديننا وحريتنا حتى نطرد الغزاة أو نموت نحن. وليس لنا أن نختار غير ذلك...."

فاقترح عليه محمد أسد أن ينسحب ومجاهدوه إلى مصر ما دام لا يزال التسلل ممكنا عبر الحدود. ومن هناك، في مصر، يستطيع أن يجند أعدادا كبيرة من المهاجرين الليبيين، ويعد منهم قوة تحرير ذات قدرات قتالية فعّالة، ليعود بهم لمجاهدة الطليان من جديد. ورأى محمد أسد أن الإنجليز قد يغضون الطرف إذا ما أقنعهم سِيدي عمر أنهم لا يعتبرون أعداء لليبيين، وأن إيطاليا هي العدو المشترك. فرد عليه سِيدي عمر بتحليل سياسي دقيق للوضع العام، مبني على موقفه الوطني الأخلاقي، الذي يرفض التخلي عن شعبه في المرحلة العصيبة:
ـ كلا يا ابني، لم يعد هذا يجدي الآن. إن ما تقوله كان ممكنا منذ 15 سنة أو 16 سنة، قبل أن يقوم السيد أحمد الشريف ، أطال الله عمره، بمهاجمة البريطانيين كي يساعد الأتراك ـ الذين لم يساعدونا. أما الآن فلم يعد في الأمر ما يجدي. إن البريطانيين لن يحركوا أصبعاً كي يسهلوا علينا أمرنا، والإيطاليون مصممون على أن يقاتلونا حتى النهاية، وعلى سحق كل إمكانية للمقاومة في المستقبل. فإذا ذهبتُ وأتباعي الآن إلى مصر، فإننا لن نتمكن مطلقا من العودة ثانية، وكيف نستطيع أن نتخلى عن قومنا ونتركهم ولا زعيم لهم، لأعداء الله يفترسونهم..
فيسأله محمد أسد
ـ وما قول السيد إدريس؟! هل يشاركك الرأي يا سيدي عمر؟!
يقول سِيدي عمر:
ـ إن السيد إدريس رجل طيب. إنه ولد طيب لوالد عظيم، ولكن الله لم يعطه قلبا يمكنه من تحمل مثل هذا الصراع..."

لم تكن نظرة سِيدي عمر اليائسة تعني أنه غير قادر على فعل شيء، فقد ناقش مع محمد أسد سبيل تدبير وصول الذخائر والمؤن إلى المجاهدين بكميات أكبر وبصورة أكثر انتظاماً. وكان يدرك بالتحليل الموضوعي الملموس لوقائع الأمور أن قضاء القوة الاستعمارية على حركة المقاومة، التي يقودها، أصبح محتوما. وكان ومن تبقى معه من رجال عارفين بأن "الشهادة" مقبلة. وهو، كما يقول المفكر الإسلامي محمد أسد، الذي نظر في عيني أسد الجبل مليا،" لم يكن يخشى الموت، ولم يسع إليه، ولكنه كذلك لم يحاول أن يتجنبه...."
تناول محمد أسد مع سِيدي عمر ورجاله وجبة طعام من تمر ملفوف بقطعة من قماش. ثم نهض الأسد الجليل قائلا:
ـ آن لنا أن نتحرك من هنا. إننا على مقربة من المركز الإيطالي في "بوصفية"، ولذا لا نستطيع أن نتأخر حتى الفجر. وفيما هم يركبون جيادهم، وبعض رجال سِيدي عمر يسيرون على الأقدام، مغادرين الوادي، لاحظ محمد أسد خروج المزيد من المجاهدين كظلال سوداء من وراء الصخور والأشجار، يتحركون بصمت كأنهم كشافة الهنود الحمر. وعند الفجر وصلوا إلى مركز الدور ـ المعسكر في مضيق داخل واد عميق، يضم حوالي مئتي مجاهد مسلح. يتوزعون في العراء، حيث بعض النيران مشتعلة هنا وهناك. بعضهم القليل نائمون على الأرض، وغيرهم إما قائمون على الحراسة أو مشغولون بتنظيف أسلحتهم أو يعدون الطعام. أسمالهم بالية، وبعضهم جرحى مضمدون. وقد اندهش إذ رأى امرأتين بين كل هؤلاء الرجال " إحداهما مسنة والأخرى شابة.. كانتا جالستين بالقرب من إحدى النيران، مستغرقتين في إصلاح سرج ممزق بمخرز غليظ. وعندما لاحظ سيدي عمر دهشتي قال: إن أختينا هاتين تذهبان معنا حيثما نذهب. لقد رفضتا أن تسعيا إلى أمن مصر مع سائر نسائنا وأولادنا. إنهما أم وابنتها، وقد قُتل جميع رجالهما في الحرب."

وبعد التجربة القصيرة الفذة، التي عاشها محمد أسد، خلال يومين وليلتين، عاد إلى الأراضي المقدسة، عبر طريق المخاطر الشاقة نفسها، تاركا وراءه شيخ الجهاد ولم يعد له سوى أقل من ثمانية أشهر في ملحمته الجهادية الأسطورية. وفي المدينة المنورة وقف كما يقول: " أمام إمام السنوسية ونظرت إلى وجهه ـ هذا المحارب القديم المرهق. ومرة أخرى قبلت اليد التي حملت السيف طويلا جدا حتى أنها لم تعد تستطيع بعد أن تحمله.."
قال السيد أحمد الشريف:
ـ لو أننا استطعنا فقط أن ننقذ عمر المختار. لو أننا تمكنا من إقناعه بالهرب إلى مصر بينما كان هناك متسع من الوقت..
فأجابه محمد أسد:
ـ لم يكن باستطاعة أحد أن ينقذ سيدي عمر. إنه لم يرد أن يُنقذ. لقد فضل أن يموت إذا لم يستطع أن ينتصر. لقد عرفتُ ذلك عندما فارقته، يا سيدي أحمد.
فأطرق السيد الشريف برأسه:
ـ نعم، لقد عرفت ذلك أنا أيضا. أنا أيضاً عرفتُ ذلك. ولكن عرفته بعد فوات الأوان. يُخيل لي أحيانا أنني أخطأت عندما باليت بنداء استانبول ذاك، منذ سبع عشرة سنة. ألم يكن ذلك، ربما، بداية النهاية، لا بالنسبة إلى عمر فحسب، بل بالنسبة إلى السنوسيين جمعيا؟!. ولكن كيف يتسنى لي أن أفعل خلاف ذلك عندما سألني خليفة المسلمين المعونة؟! هل كنتُ محقاً أو كنت مجنوناً؟! ولكن، من غير الله يستطيع أن يقول عن الإنسان إنه محق أو مجنون إذا لبى نداء ضميره؟!".

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 11 فبراير 2010م .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home