Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الإثنين 11 يناير 2010

إلى القبليين والجهويين..!

فرج بوالعَـشّة

تؤكد المعلومات المُسرَّبة من الداخل أن حالة القذافي الصحية، عضويا ونفسانيا، تزداد تدهوراً. لا سيما بعد عودنه من رحلة نيويرك. فهو اليوم أكثر احباطا وخيبةً. فَقَدَ هوسه بأوهامه الأفريقية. وليس واثقا من مستقبل مشروع توريثه لابنه. وأن كان واثقا، بفعل النهج الأمني الذي يتحكم فيه، من استمراه في حكم الليبيين إلى أن يموت في لحظة ما يختارها، عزرائيل. فأغلب الظن أنه لا بد وأن يُقِر،في نهاية الأمر، أنه سيموت مثله مثل بقية الخلق، لكنه واثق ـ على ما يبدو ـ أن الليبيين لن يتمكنوا من الوصول إليه حياً وتنفيذ قصاصهم العادل فيه.

إن طاغية نيروني كهذا، لا يكتفي بقمع الليبيين واحتقارهم ونهب ثرواتهم، إنما يكن لهم حقدا انتقاميا ترضية لعقده السايكوباتية،وبطريقة ممنهجة. وزاخر هو سجله الإجرامي بحق الليبيين طوال أربعة عقود حكمه. فهو لم يتورع عن إعطاء الأمر المباشر بارتكاب مذبحة بوسليم وتفجير طائرة الركاب المدنية في أجواء طرابلس وقصف الجبل الأخضر بالغازات السامة و"جريمة أطفال الإيدز".. وغيرها كثير من الجرائم الشنيعة. علاوة على تدمير مقدرات ليبيا وتفقير أهلها وتبديد ثرواتهم.

ربما قد يشكر الليبيون بوش الصغير، الذي أجبر القذافي على تفكيك مشروعه النووي والكيمائي والجرثومي. {ومن يعرف! ربما لا يزال يحتفظ بببعض الأسلحة الكيماوية والجرثومية من وراء ظهر الأمريكيين، ليستخدمها ضد الليبيين في لحظة تصعيد "شمشونية" يشعر فيها أن لا مستقبل لنظامه.} لكن الأخطر من ذلك على ليبيا والليبيين، في ظني، ما عمل القذافي عليه طوال سنوات حكمه ويعمل عليه اليوم بإصرار أكبر، وهو الإمعان في مسخ الهوية الوطنية وتفتيت وحدة الاجتماع الليبي لصالح شعارات قومجية لا مصداق واقعي لها. فقبل تطليق العروبة ومعانقة " مسعود بصناناته" اعتمد في ترسيخ حكمه وتدعيم نظامه على قبيلته وتحالفاتها السلطوية مع قبائل أخرى، مثل تحالف القذاذفة مع رفلة ـ حتى حركة أكتوبر المُجهضة العام 1993. ومع المقراحة ـ حتى انسحاب الرائد عبد السلام من السلطة. وتحالفاته في الجنوب مع المجابرة والزوية. واليوم بعدما قلت حاجة القذافي الأمنية للتحالفات القبيلية، وقد تسيد على ذهنية الليبيين وعي قطيعي مكين،نراه يركّز جهوده على مستقبل توريث نظامه إلى ولي عهده. ومن هنا حاجته إلى الإمعان أمضى فأمضى في تفسيد ما تبقى من وعي وطني جامع، وتثبيت سيطرة أبنائه على مفاصل السلطة العسكرية والأمنية في دولته المهلهلة، وهيمنة العائلة على المظاهر الشكلية الزائفة لفكرة المجتمع المدني، مثل مؤسسات سيف "المدنية" والإعلامية وجمعيات عائشة "الخيرية"....

وعلى الرغم من ارتجالية واعتباطية مخطّطات القذافي التي يحيكها ضد الليبيين نجده،للأسف الشديد،يفلح في تمريرها عليهم ببركة لا مبالاتهم مع أنها مخططات لا تخدم مصلحتهم ومصلحة وطنهم.

وها هواليوم، يشتغل بأساليب مخادعة، مفضوحة، على تهيئة الظروف والمعطيات السياسية والأمنية والاجتماعية لانتقال حكمه إلى ابنه عندما يحين الآوان. ومن هذه الأساليب المخادعة اللجوء إلى اللعبة القبلية والجهوية. وهو ما تظهر أجندته في كتابات أقلام النظام المخابراتية، التي تتقاطع مع أقلام محسوبة على المعارضة في الخارج. حيث تجمع على المغالطات نفسها في الترويج لمفاهيم التقوقع والتعصب الجهوي والقبلي. لتصل في النهاية إلى النتيجة نفسها: طمس المسألة الوطنية في جوهرها الموضوعي، الماثل في معادلة المواجهة المصيرية بين الشعب الليبيي، كل الليبيين، وبين الطاغية القذافي ونظامه، وإماتة الحس الوطني ومبدئية الولاء للوطن، لصالح تسييد النعرات الجهوية والقبلية والتعصب لها، واختزال المطالب الوطنية في التحرر والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، في مطالب جهوية ـ مناطقية ـ وقبليّة لتلبية حاجات خدمية ومصلحية قبلية وجهوية. وذلك ما كان ولا يزال هدف القذافي الدائم، الذي اعتمد، في حكمه، على مبدأ عدم استقرار المجتمع وتجانسه مدنيا و وطنيا. فعلى وجه أول حرّم تحت طائلة الإعدام كل شكل من أشكال التنظم السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي المستقل عن إيديولوجيته وسيطرة نظامه مباشرة. وعلى وجه ثان فرّغ التنظيمات القبلية من قوتها الاجتماعية ونفوذها السياسي الذي كانت عليه في العهد الملكي، وحوّلها إلى كائنات اجتماعية مهلهلة تليق بدولته المهلهلة، ولا تكف عن مبايعته والتذلل له، فيما هو يلعب بها كما يحلو له ويضرب بعضها ببعضها.

ونجده اليوم، أكثر من أي يوم مضى، يتوجه لضرب الليبيين بعضهم ببعض، قبليا وجهويا. ولأجل ذلك يجري الإكثار من التنظيرات الجهوية الهدّامة، المكتوبة بتوجيه مخابراتي مدروس، كما نقرأ بعضها في مواقع الانترنت، مثل مقال الكاتب المخابراتي المدعو د. صالح إمجاور. ومن البديهي أن النظام لا يعوّل فقط على مثل هذه الكتابات. فالقذافي استخدم منذ تفرده بالحكم اللعب بالنزعات الجهوية والقبلية،على مبدأ فرق تسد، لترسيخ حكمه وإدامة نظامه. فحتى زواجه الثاني مبنيا في تفكيره السلطوي ـ الأمني على التوسل القبلي { كتائب الأمن المتغولة في الجبل الأخضر يقودها والد زوجته صفية}. ومعروف حرص القذافي على تلقي وثائق المبايعات من القبائل، بين وقت وآخر.وجعل وفود القبائل تتوافد على خيمته، متنافسة فيما بينها على بلاغة إبداء الولاء له وتقديم الهدايا، من منسوجات ثمينة وخيل أصيلة ونوق وأراض ومزارع، في مسلسل كريه ممل، يستمتع فيه العقيد السرتاوي بإذلال الليبيين في كرامتهم ككل. ومعروف كيف أوعز للقبائل بأن تتوافد عليه مطالبة بتغيير أسماء مناطقها بأسماء قبائلها. فعلى سبيل المثال سُميت"توكرة" باسم " العقورية" نسبة إلى قبيلة "العواقير" كي يرسخ الروح القبيلة العفنة لخدمة عدائه لمدينة بنغازي، ذات النسيج الوطني المكون من قبائل ليبية مختلفة،يغلب على أصولها قبائل الغرب.وسُميّت طلميثة التاريخية باسم" الدرسية" نسبة إلى قبيلة الدرسة،كونهم غالبية سكانها، بدعوى أن اسمها القديم إغريقي. وكان ذلك مفتتحا لمسلسل دام أسابيع طويلة تهاطلت فيها وفود قبلية على خيمته من كل فج ليبي، تعاهده على الولاء والطاعة، وترجوه أن يسمح لهم بتسمية مناطقهم باسماء قبائلهم إسوة بـ"العقورية" و"الدرسية".فعلى سبيل المثال أرادت "ورفلة" تسمية "بن وليد" بـ "ورفلة". والعبيدات تسمية القبة بـ "العبيدية" والحاسة تسمية "شحات ـ قورينا" بـ "الحاسية".... وإلى ذلك لجأ نظام القذافي، في مرحلة معينة، إلى لعبة دمج " الشعبيات" لخلق حساسيات عدائية بين القبائل، وبين البدو والحضر.وحدِّث ولا حرج عن مهزلة المؤتمرات الشعبية، التي اختلقها القذافي لتلهية الليبيين بمهزلة الديموقراطية المباشرة.وقد نجح في جعل القبائل الليبية، كل القبائل، متمثلة في وجهائها وبعض نخبها التكنوقراطية والكثير من رعاعها، تنخرط في الملهاة الهزلية بعصبية قبلية رثّة. حيث تتكالب على مناصب المؤتمرات والأمانات. ويأخذها الهووس بالكولسة واجتماعات المرابيع للتخطيط لعملية "التصعيد" وتوزيع المناصب داخل القبيلة الواحدة، أو بالتحالف مع قبائل أخرى ضد قبائل أخرى. وقد تجري مفاوضات بين قبائل عدة للوصول على توافق قبلي لتقسيم حصص الأمانات بينها. أو تنشب منازعات تتحول إلى عراك بالأيادي أو بالحجارة. وقد كنتُ شاهدا على معركة "تاريخية" بالحجارة بين الحاسة والبراعصة في مدينة البيضاء، فيما القذافي يقهقه في خيمته، ساخرا من جميع الليبيين بجميع قبائلهم: شراقة وغرابة وفزازنة. أما أحدث مهازل الفتن القبلية التي اشتغل عليها النظام، فهي ما وقع بين قبيلة العبيدات والمنفة في منطقة البطنان، بإشراف ومتابعة رموز النظام الأمنية، مثل المدعو لامين منفور ـ أمين المؤتمر الشعبي لشعبية البطنان والمدعو طيب الشريف منسق الفعاليات بشعبيه االبطنان، الذي كان في الواقع منسقا للفتنة ومُصعدا لها. ثم نجد النظام يتدخل بصورة وقحة من خلال تشكيل لجنة لتقصي حقائق النزاع بين القبيلتين، مكلفة من طرف ما يسمى بـ "القيادة الشعبية الاجتماعية للجماهيرية"، في دليل واضح على المستوى المنحط الذي وصل إليه النظام في العبث بالعلاقة الاجتماعية التاريخية المشرفة بين قبيلتين ليبيتين عريقتين. المنفة التي منها سيدي عمر قائد الحركة الوطنية والعبيدات التي منها المجاهد عوض العبيدي الذي قاد دور العبيدات والحاسة بعد وفاة القائد الأسطوري الفضيل بوعمر الأوجلي.

لقد اجتمعت القبائل الليبية تحت مظلة الحركة الوطنية الجهادية، بقيادة سِيدي عمر كقائد وطني رغم نسبه إلى قبيلة صغيرة، لكنه كان وسيظل سيد روح ليبيا ورمز هويتها الوطنية. فهو قد سمى حركة الجهاد باسم الحركة الوطنية، وكان يوقع على مراسلته باسم "قائد القوات الوطنية". لقد جمع قبائل برقة، وكان على صلة بحركة الجهاد في غرب ليبيا وجنوبها، لمقاتلة عدو مشترك، دفاعا عن هوية وطن مشترك ودين واحد. واليوم لليبيين، أيضاً، عدو مشترك واحد لا غير، وهو الفاشيستي معمر القذافي ونظامه الاستبدادي. إنه لا يختلف عن الفاشيستي موسوليني ونظامه الاحتلالي إلا في الشكل. أي في اختلاف الشكل ما بين الاستعمار الخارجي والاستعمار الدخلي. ومؤسف هو على نحو أليم أن تنجر القبائل الليبية إلى آلاعيب القذافي الدنيئة، مثلما حدث بين قبيلتي المنفة والعبيدات اللتين تحولتا إلى أداتين طيعتين في سيناريو الفتنة القبلية، الذي استهدف منه النظام تأجيج العداء بينهما. وجعلهما يتصارعان على حدود قبلية مفتعلة كأنهما دولتان في نزاع حدودي، ثم تظاهر بالتدخل للمصالحة بينهما، بل وإشغالهما بعملية ترسيم الحدود بينهما. وبدلا من أن ينتبه وجهاء القبيلتين ونخبهما المتعلمة والمثقفة لما يدبره القذافي ونظامه لهما، نجدهما يسدران في تعصبهما القبلي البغيض. ولكن كيف لهما أن ينتبها وهما كغيرهما من قبائل ليبيا المنساقة في تبعية نعجية لمخططات الطاغية الوضيع، كأنها ضفادع يجرفها السيل ومع ذلك تزغرد. والشاهد ليس متوقع، في المنظور القريب، للآسف الشديد، أن تتوقف القبائل عن انجرارها الأعمى وراء المنطق القبلي والجهوي المنحط، الذي يلعب به القذافي على راحته السلطوية المتألهة. وبعيد أن يدرك الليبيين، كمجتمع وطني حي، أن أي خلاف يمكن تصوره بين قبيلة ليبية وأخرى حاصله ليس فقط ضررا للقبليتين إنما لكل لليبيين. فلا معني لأي خلاف فئوي أو قبلي أو جهوي خارج خلاف الشعب الليبي مع نظام الطاغية القذافي، الذي لا يتمنى لليبيين إلاّ الخراب والفوضى . ويبقى من الواضح، لي على الأقل، أن الليبيينن، إذا أرادوا أن يكونوا شعبا واحدا ويحتويهم وطن واحد بهوية وطنية واحدة، عليهم أن يحاربوا على جبهتين متماثلتين. الأولى التمسك، حتى في حالة العجز عن الفعل، برفض شرعية النظام القائم، بالقذافي أو بدونه. والتمسك على وجه آخر بالانتماء لليبيا ـ الوطن الموحد. وعلى الجبهة الثانية فإن على الليبيين، إذا ارادوا أن يحموا وجودهم في مستقبلهم، على الأقل، ألا يمكّنوا القذافي ونظامه من نجاح مخططه في جعل الليبي عدو الليبي: الغرب عدو الشرق وبالعكس. والأثنان ضد الجنوب. والجنوب ضد الأثنين والليبي الأمازيغي ضد الليبي العربي وبالعكس. لذلك فإن من أولويات مهام المعارضة الوطنية الجذرية، نبذها لكل صوت قبلي جهوي، يحسب نفسه عليها. وعلى الليبيين في الشرق ألا ينساقوا وراء الفكرة الجهوية المشاعة، سواء باقلام محسوبة على المعارضة، مفادها أن "برقة" ضحية حكم "الغرب"، بحسبان القذافي يمثل "الغرابة". وتتقاطع معها ما تشيعه أقلام مخابراتية لإظهار سيف الإسلام في صورة الابن المحبوب من أهل برقة، بحسبان خواله "براعصة". وأن "الشراقة" يعتبرون تولية سيف الإسلام:" الحكم هو انصاف من القذافي (الاب) للشرق وطي عثرات التقارب والتصالح مع اقليم (برقة) جاءت منطلقات الترحيب والامتنان وحماس التعاون مع المهندس سيف الاسلام وقبوله في مشهد برقة..." كما جاء في مقال كاتب مخابراتي باسم د. صالح امجاور!

إن كل الشعب الليبي ضحايا القذافي ونظامه العائلي ـ العشائري. إن القذافي ليس طاغية طرابلس بعبارة بعض الجهويين المحسوبين على المعارضة. فالقذافي بلغة وطنية واضحة طاغية يستفرد بنا ويحكمنا ونحن نتحمل جمعينا كليبيين المسؤولية الكاملة عن بقائه متسلطا علينا كل هذه العقود.وإلى أن يحين وقت الخلاص من هذا النظام سنظل نذكر أنه أساء لكل الليبيين والليبيات وأنه حين فقّر وجوّع وقتل فإنما استهدفنا جميعنا وأن سجونه ومعتقلاته ضمت معذبين وشهداء من كل قبائل ليبيا وحين يأتي وقت الخلاص منه لن نحاسبه هو وزبانيته على أنهم من القبيلة الفلانية وإنما كمجرمين أجرموا في حق ليبيا وأبناء ليبيا.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home