Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 10 يوليو 2009

إيران بين الإمامة والرئاسة!!

فرج بوالعَـشّة

كتبتُ عن الشأن الإيراني منذ منتصف التسعينات.وعلى الخصوص في فترة حركة الاحتجاج الطلابي،التي كانت وراء فوز محمد خاتمي في انتخابات الرئاسة العام 1997 بنسبة 70 % من الناخبين.أي أكثر من عشرين مليون صوت.وقد رأيت في تلك الحركة الطلابية الاحتجاجية بداية نهاية الأصولوية البطريركية المتزمتة.أي بداية نهاية الدولة الدينية ونشوء الدولة المدنية التي يتردد مطلبها في شعارات الطلبة ضمن حركية رفض تتعمق في بنى مجتمع مدني يتخلق بصعوبة في بيئة تغلب ديني استبدادي.ورأيت،وقتها،أن الاحتجاجات الطلابية تذهب في مطلبها أبعد من مجرد مطلبية إصلاح "حاكمية الفقيه" من داخلها،إلى الرغبة في الانقلاب على الفكرة من أساسها.أي أنها،في العمق، مطالبة برأس "الإمامة" ودفن الفكرة الميتة مع صاحبها،الذي لم يدفن بعد سياسيا،فما زال يحكم من قبره،حيث يهيمن شبحه العقائدي على الحياة العامة والخاصة أيضا،بواسطة سلطة ولاية الفقيه الاحتكارية.!!

إن احتجاجات الطلاب الإيرانيين،التي تواترت في السنوات:1997 ـ 1999 ـ 2003،كانت تعبيرا اجتماعيا عن تصادم المفاهيم والمؤسسات في بنية النظام الإيراني ما بين الدين والسياسة،الدولة والثورة،سلطة الإمامة وسلطة الرئاسة.أي بين رئيس الجمهورية،وقتها،المثقف الإصلاحي محمد خاتمي،وولي الفقيه،المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.وإن كان الاثنان بعمامتين سوداوين إلا أنهما متصادمتان سياسيا.فعمامة المرشد الأعلى تمثل سلطة ولاية الفقيه الدينية المحافظة،وعمامة رئيس الجمهورية المدنية تمثل تيار الإصلاحيين وشعارهم المطالب بالتغيير.لكنه لم يكن تياراً واسع الشعبية والنفوذ،كما هو عليه اليوم.لذلك كان الرئيس محمد خاتمي يخاتل ويداور لتمرير مشروعه الإصلاحي بحذر وبرغماتية تقووية تجاه سلطة ولي الفقيه القابضة على الحياة السياسية،بقوة الهيبة الدينية المستمدة من روح الخميني،والمحروسة بالحرس الثوري والباسيج،والمدعومة من قطاعات واسعة من الشعب الإيراني المتمسك بالثورة الخمينية...!

والحال أن بنية السلطة،في الجمهورية الإسلامية،منقسمة على نفسها.ففي الظاهر(الواجهة) نجد جمهورية دنيوية برلمانية،هي بمثابة غطاء ديموقراطي ناعم للسلطة الدينية الحقيقية الخفية التي خيوطها بيد "الإمام القائد" بحيث تظهر سلطة رئيس الجمهورية مجرد مقاولة سياسية بالباطن وواجهة مدنية للسلطة الملالية.والحاصل،نظام شمولي،يعرض نفسه شكليا في صورة نظام جمهوري برلماني ديموقراطي،بينما هو،في بنيته الجوهرية،نظام ثيوقراطي يعبر عن تصور ديني باطني موجه (من) ومشخصن (في) المرشد الأعلى:الفقيه المتعالي فوق التاريخ و السياسة،بحجة الإنابة عن"الإمام الغائب" التي تبيح له أن يتسيد ويسيطر بواسطة نظام حاكمية التغلب الأحادية الغيبية!

لقد وصل خاتمي إلى السلطة الرئاسية مرغوبا ومقبولا من جهتين. مرغوبا من جهة الذين انتخبوه على وعد إطلاق عملية الإصلاح بوتيرة شاملة في نواحي الحياة كافة،اقتصادا وسياسة واجتماعا،نحو "نحت مجتمع مدني"،بتعبير خاتمي،يغيّب شيئا فشيئا تدخل حاكمية ولاية الفقيه في تسيير الشؤون السياسية العامة.وكان مقبولا،وإن على مضض،من جهة اليمين المحافظ،لأنه مطلوب لامتصاص احتقانات الشارع من خلال إجراء إصلاحات مرشّدة بحسبان.لكن حساب البيدر لم يطابق حساب الحقل تماما.إذ تفجّر الوضع سيما في انتفاضة طلاب جامعة طهران صيف 1999،التي كادت تؤدي بالحرس الثوري إلى القيام بانقلاب عسكري على رئاسة خاتمي،الذي وجد نفسه مضغوطا بين شاطر المحافظين ومشطور الإصلاحيين،متهما من جهة الطلبة والطالبات المنتفضين والمثقّفين الليبراليين المساندين بالتخلي عنهم وعدم إيفائه بتعهداته التي أطلقها في حملته الانتخابية الأولى،ومدانا من جهة المحافظين بالتساهل والتهاون والتعاطف مع احتجاجات الطلبة المدفوعة بـ"يد خارجية" على ما كانوا يتهمون.فأسقط في يده،فأدان الاحتجاجات،وأعلن على الملأ طاعته للمرشد وحاجته إلى دعمه،وكأنه يُسلم بعجزه عن إحداث إصلاحات جوهرية في النظام السياسي مع الحفاظ على إيديولوجية النظام ومؤسساته العقائدية في الوقت نفسه.وهو ما عبر عنه بقوله:" أعلن بعد ثلاثة أعوام من وجودي في سدة الرئاسة أنني لا أملك سلطات كافية لتطبيق الدستور الذي هو أكبـر مسؤولياتي.."...!!

ولكن لابد أن يُذكر لخاتمي أنه اجتهد كي يوسّع من مجال حرية التعبير،ويهيئ مقدمات إصلاحية لتجذير عقد اجتماعي ديموقراطي يلبي تطلعات غالبية الشعب الإيراني التي راهنت عليه للخروج من حالة الجمود المحافظ على الموجود الراكد والخانق. لقد حاول،مستقويا بضغوطات حاجة الشارع الإيراني إلى التغيير،أن يمرر برنامج فلسفته السياسية في "التنمية والحرية" من تحت عمائم المحافظين،خلل ذهنيتهم التفتيشية،مستغلا حاجتهم الفئوية الى إصلاح لا يضر بمواقعهم السلطوية المسيطرة،ويمتص احتقانات الشارع كي لا ينقلب عليهم..!

وبالنتيجة أفسحت فترة رئاسته في المجال أمام تنظّم الحركة الإصلاحية في جماعات وجمعيات.وكان أبرزها جماعة طبـرزدي التي تحركت علناً بين أنصارها،وأصدرت بيانا عاما تطالب فيه بتغييـر الدستور بحيث يسمح بانتخاب مرشد الثورة مباشرة ولفترة محدودة،مثله مثل رئيس الدولة.وكانت الطبقة الوسطى تمثل المجال الاجتماعي للحركة الإصلاحية،التي ازدادت الحركة اتساعا وشمولا،في صفوف الطلبة والشباب،لا سيما العاطلين عن العمل،والنساء،والنخب المثقفة:أكاديميين وكتّاب وأدباء وفنانين وسينمائيين..ولكنها أُخترقت من طرف المناوئين للثورة،من بقايا الملكيين وأنصار مجاهدي خلق وعملاء المخابرات الغربية،في محاولة لاستثمار الاحتجاجات لصالح رغبتهم في تغيير النظام.وهو ما ظهر واضحا في موقف بوش المؤيد للتظاهرات الطلابية،وتبني الكونغرس لقرار "حرية إيران" الذي قضى بتقديم دعم مالي كبير للمعارضة يسمح لها أن تبث بالفارسية من لوس أنجلوس عبر أكثر من 10 قنوات إذاعية وتلفزيونية موجهة للشعب الإيـراني،وذلك ضمن سياسة تغيير الأنظمة المعروفة REGIME CHANGE.الأمر الذي جعل رئيس البـرلـمان مهدي كروبي الإصلاحي البارز،يعي خطورة التدخل الأمريكي في الاحتجاجات،فيعلن أمام البـرلـمان أن جميع الخلافات والـمناقشات بين أبناء الثورة تظل اختلافاً في الـمشارب ولكنهم متحدون ضد العدو...!

وهكذا نتيجة لفشل الإصلاحيين في تحقيق برنامجهم،وحساسية الإيرانيين العالية ضد التدخل الأجنبي،و تفاقم الفساد المالي والإداري في العهدة الخاتمية،وسخط الفقراء على أحوالهم،فاز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية العام 2005،وسيطر المحافظون على البرلمان.وبالتالي قامت وضعية انسجام تام بين الرئيس والبرلمان والإمام.

يتبع في المقال القادم قراءة في مستقبل ولاية الفقيه بعد احتجاجات صيف 2009..!!!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 9 يوليو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home