Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 10 يوليو 2008

تلاقح الحضارات.. ومع ذلك فهي تدور..! (*)

فرج بوالعَـشّة

بالحداثة ومع الحداثة أنعتق العقل العلمي من عقال العقل الخرافي، وتحولت الطبيعة من وقف ميتافيزيقي إلى معطى فيزيقي لإعادة الإنتاج واستخلاص القوانين العلمية من روح قوانينها الطبيعية فيها لتطويعها أكثر فأكثر إلى حد العبث بها والإخلال بحسابات توازنها البيئوي على ما نعانيه اليوم من كوارث بيئوية نتيجة الإرهاب البيئوي الذي مارسه الإنسان ضد الطبيعة، كما ظهر في ظواهر ثقب الأوزون وعِلله من ارتفاع درجات الحرارة المنعكسة فيضانات وأعاصير هنا وجفاف وعطش هناك وانقراض مخيف في الغابات والحيوانات وتلوث في الهواء وفي الصوت وفي الروح..الخ.

كم من المرات في كم من الأزمان تساقط الثمار من الأشجار دون أن يبالي أحد بمغزى سقوطه حتى تنبه نيوتن وهو مسترخ في فيء شجرة التفاح إلى لغز سقوط تلك الثمرة على قبعة رأسه أو في حجره متسائلا بما معناه: لماذا تسقط ولا تصعد؟!.. فكان قانون الجاذبية...وكثيرة هي القوانين التي كانت بنت المصادفة الموضوعية، مثل قانون الطفو الذي اكتشفه ارخيميديس في حوض الحمّام..!

كانت روح البحث والكشف والابتكار مبذولة ومنثورة في انشغال علمي- عقلاني بالانعتاق من كهف زمن المفاهيم والتقاليد والعادات والطرائق القديمة في الإنتاج ووسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج وأفكار الوعي الثقافي والفلسفي وأنظمة الحكم الاقطاعية.

بالطبع لم يتهدم النظام المعرفي (الابستمولوجي) القديم في لحظة واحدة، وإنما، وكما هي سنّة الحياة، ظل يقاوم انقراضه واندثاره. بل إن عقلاً علميا حداثيا في وزن عقل نيوتن قال بضرورة وجود شخص الملك في نظام ملكي دستوري بالتماثل مع منطقه العلمي الإيماني القائل: ما دامت المادة لا تستطيع تحريك نفسها، فإن الأمر يحتاج إلى إله ثابت الصفات يخلق الكون ويحفظ بقاءه كما هو مركز الملك في رعيته..!

كانت حتمية التقدم وروح الحداثة الخارقة نافذة في إجلاء الأسرار الوجودية الكونية في الطبيعة والنفس البشرية، الأسرار التي سرها من سر إعجاز ابتسامة الموناليزا التي ظهرت في التحليل الأخير، في العمق، ابتسامة الرسام نفسه الذي أوغل ريشته في مجاهل نفسه (النفس البشرية) فلامس تخوم الخنوثوية، والخنوثوية، هنا معطى ومفهوم ما بعد حداثوي على الضد من آفاق عصره التخيلية والفكرية النهضوية في طور ما قبل التنوير والحداثة..!

كان ليونارد دافنشي استشرافي حداثوي في رؤيته الفنية والعلمية، بالتزامن مع معطيات عصره المعرفية (الابستمولوجية) الما قبل حداثوية، كما خطط في رسوماته المأخوذة بالتجاوز والطيران، بتقليص الزمن وتقصير المسافات، كما هو الأمر في ممارسته لهوايته الأثيرة في شراء أقفاص الطيور لإطلاق سراحها، وكثيرة هي تخطيطات وتصميمات دافنشي، التي عُدت في عصره هلوسات وأضغاث أوهام، أصبحت في ما بعد، حقائق علمية راسخة..!

إذ جاء الوقت واستخلص الإنسان قانون رد الفعل واستنبط من ظاهرة الماء المغلي قانون توليد الطاقة البخارية.التي قلصت الزمن والمسافات وزادت من الإنتاج فسُيّرت السفن والقطارات ودُوِّرت المصانع، فيما الأرض، التي اكتشف غاليليو انها تدور على الرغم من سخط الكنيسة، ظلت تدور بما يبتكر الإنسان ويصنع خيرا وشرا..!

الأرض التي تدور منذ انبثاقها، التي تعرض غاليليو، بسبب إعلانه عن بداهة دورانها، لمحاكمة الفاتيكان التفتيشية، فخْيِّر بين إنزال عقوبة الهرطقة به إذا ما أصر على «بدعته» وبين العفو عنه إذا ما اعترف بثبات الأرض، فرأى في موقف تهكمي مذهل، أن يقر بثبات الأرض كي يُنقذ رأسه ويواصل بحوثه وكشوفاته، وفيما كان خارجا من قاعة المحاكمة ناجيا بحياته، أخذ يردّد في نفسه: «مع ذلك فهي تدور»..!

كان غاليليو بعبقريته الفذة عارفا بأن لا شيء قادرا على إيقاف الأرض عن دورانها، كان واثقاً من انتصار العقل العلمي على العقل الكهنوتي (بعد مرور حوالي 5 قرون على محاكمة غاليليو، أواخر ثمانينيات القرن الفائت، اعتذر الفاتيكان رسميا عن جرم محاكمته لعقل غاليليو!)..

كان غاليليو يدرك بجلاء علمي استشرافي أن الأهم من تعميم حقيقة دوران الأرض هو أنه: «ينبغي العمل أولا، على إعادة بناء أدمغة البشر» كما قال.وهو عمل نقدي عميق يبدأ بالشك المنهجي وعادة ما يكون شكا حذراً، في البدء، مبقيا على حصانة إيمانية حفظا لخط الرجعة..وهذا ما يمكن أن نستقريه في شك الحداثة الديكارتي المسكون بوجود متعال.

وهكذا تمركز المبدأ الديكارتي بمثابة الحامل الفلسفي لمنطق دولة الحداثة البرجوازية، الذي وُظف في طورها الكلونيالي في تبرير إقصاء الآخر (المتعمَر ـ التابع) وامتلاكه في سياق منطق التفوق المحرّف عن كوجيتو ديكارت: أنا (الأبيض) أفكّر، إذن أنا (الأبيض) موجود.. وعليه يقع الآخر موقع الوجود الطرفي التبعي والدائر حول مركز الوجود الحضاري (الإثني/الأبيض)...يتبع..

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 10 يوليو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home