Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 30 أبريل 2009

أوباما وإستراتيجيات الخروج من المشروع الإمبراطوري *

فرج بوالعَـشّة

لما غزا الأمريكيون العراق، وعاثوا فيه دمارا وقتلا وخرابا، وأباحوا بغداد للنهب والسلب، كنتُ من بين كتاب ومحللين عرب لم ترعبهم هستيريا "الصدمة والرعب". كان واضحا، لي، أن أمريكا/بوش التكساسي، واهمة إذ تعتقد فعلا أنها روما الجديدة التي لا تقهر، كما كانت روما القديمة السيدة المطلقة للعالم. لكن أمريكا/بوش الصغير، الموجِّه كالدمية من طرف عصبة المحافظين الجديد واليمين المسيحي المتصهين، لم ترد أن تتوقف عند حقائق العصر القاضية بأن شعوب اليوم، بوعيها التاريخي المتقدم، وفي فضاء المجتمع المدني الكوني المفتوح، ليست هي شعوب الأمس، الخاضعة لشروط التاريخ الرعوي/الزراعي، العبودي، كما في زمن روما القديمة. وأن الغزو الاستعماري والاحتلال العسكري لأراضي الغير، باتت تصورات بالية في عصر ما بعد الكولونيالية.!

ولأن الإدارة البوشية لم تستوعب ذلك، انهزمت في العراق، بالمعني السياسي/الإسترتيجي. ولم ينفع بوش الصغير أنه "كليم الرب". فهزيمة أمريكا في العراق تبدو معها هزيمتها في فيتنام مجرد خسارة تكتيكية لمعركة في حرب كونية باردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي. وهي كانت باردة في الشمال، ومشتعلة في الجنوب العالمثالثي...!

بعد حرب فيتنام بسنوات قليلة، ازدادت القوة الأمريكية، الصلبة والناعمة، قوة وهيمنة. وبتفكك الاتحاد السوفياتي وكتلته الشيوعية صارت الإمبراطورية الوحيدة المهيمنة كونيا، حتى بدأت وكأنها روما الجديدة كما توهم المحافظون الجدد أصحاب مشروع القرن الأمريكي الجديد الذين أتوا ببوش الصغير ليكون واجهتهم المُستخدَمة.أما بعد تورطها في العراق، فقد ارتدت عليها حرب "الصدمة والترويع" صدمة وترويعا ونعوشا لجنودها المقتولين شر قتلة، بفضل المقاومة الوطنية الصلبة...!

وإن كانت خسائر أمريكا البشرية في فيتنام مأهولة، إلا أنها لم تمس ثقتها في عظمتها الإمبراطورية وهيمنتها العالمية. أما في العراق، ورغم أن خسائرها البشرية لم تتجاوز خمسة آلاف قتيل، إلا أن هزيمتها السياسية باتت ماكنة في صلب تصورها العُظامي عن نفسها باعتبارها "مركز الدنيا" و"القوة العظمى الوحيدة في العالم". أي أن الهزيمة لحقت بمشروعها الإمبراطوري للقرن الجديد، بحيث تخلى الحزب الجمهوري عن تبني هذا المشروع المهزوم من قبل الحزب الجمهوري. وولت فلول المحافظين الجدد الأدبار، مختفين عن أنظار الحياة السياسية الأمريكية ومجادلاتها الإعلامية...!

وهزيمتها الأخلاقية صارخة، كما تجلت في فضائح "أبو غريب" و"غوانتانامو"، والسجون السرية في جنبات العالم، التي كشفت عن عميق "الانحطاط الوحشي" الذي ينطوي عليه النفاق الأخلاقي الذي يُغلف حقيقة الثقافة الأمريكية العنصرية الإمبريالية. ليس على مستوى النخب الحاكمة فحسب، إنما على المستوى الشعبي العام. فليس صحيحا أن المسؤولين عن فظائع التعذيب في سجن أبو غريب لم يكونوا "سوى تفاح عفن في سلة التفاح الأمريكي الممتاز"، كما كتب ميخائيل أغناتييف مدير مركز كار في مدرسة كيندي في جامعة هارفارد، مضيفا: "وقيل لنا إن الذين أساءوا معاملة السجناء لا يمثلون أمريكا، لكن الحقيقة أكثر إيلاماً، كما هي دائماً، اسألوا الأمريكيين عن رأيهم في سجن أبي غريب، ففي استطلاع حديث قامت به الـ(ABC) نيوز والواشنطن بوست أشار إلى أن 46 % من الأمريكيين يعتقدون إن إساءة المعاملة بدنياً التي تشبه التعذيب مقبولة أحياناً، وأن 35 % يعتقدون أن التعذيب مقبول في بعض الحالات، ومرة ثانية ستقولون لي: لا تبالغ ودعنا لا نفقد رباطة جأشنا ..". لكن لم يعد اليوم من يجرؤ على قول كهذا علنا، بعد الكشف عن أربع مذكرات رسمية، صادرة عن إدارة بوش الفارطة، أجازت ،على أساس قانوني، أساليب تعذيبية ضد سجناء ما يُسمى بـ"الحرب على الإرهاب". وقد وصفت افتتاحية صحيفة نيويورك تايمز، عدد 18/4/2009، تلك المذكرات بأنها تعبر عن "السفالة والانحطاط الأخلاقي". وإن: "لغتها هي اللغة التي يفضلها سَدَنَةُ الزنازين عبر التاريخ. فهي تحوي وصف باقة مبتكرة تُمكِّن من رَطْم السجين بجدار، وعدد الأيام التي يمكن أن يتحملها السجين دون نوم (11 يوماً)، وماذا ينبغي أن يقال له قبل حبسه داخل صندوق مع إحدى الحشرات...".!

كما كانت الحرب البوشية على العراق عاملا فاعلا في الأزمة المالية، التي عصفت باقتصاد الإمبراطورية الأمريكية. وهو ما حذّر منه عالم الاقتصاد الأمريكي ويليام نوردهاوس مبكرا، قائلا في نوفمبر 2002: "إن الحرب على العراق يمكن أن تُكلف الولايات المتحدة مئات البلايين من الدولارات، وستقود إلى الفوضى والدمار في ظروف الكساد الاقتصادي القائم، وتدفع العالم نحو الركود recession، نظراً لآثار الحرب المعاكسة على أسعار النفط، التضخم ومعدلات الفائدة"... وأكده، قبل وقوع التسونامي المالي بأشهر، عالم الاقتصاد جوزيف ستيغليتز Joseph Stiglitz، الحائز جائزة نوبل، عندما قال في مقابلة مع صحيفة أسترالية: "إن حرب العراق كلّفتْ الولايات المتحدة 50-60 مرة أكثر من تقديرات إدارة بوش، وشكّلت السبب المركزي للأزمة المصرفية التي تهدد الاقتصاد العالمي"....!

والحال أن بوش الصغير المهزوم عندما وضع إستراتيجية الخروج من العراق، التي تبني عليها إدارة أوباما الآن خطة الانسحاب المجدوَّلة، كان يضع، وهو صاغر لحكم الضرورة التاريخية، الحجر الأساس لإستراتيجية خروج الولايات المتحدة من مشروع هيمنتها الكونية، المعروف بـ"القرن الأمريكي الجديد"..!

ويتراءى لي أن تنصيب أوباما حسين، الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، يُشكِّل مؤشرا قويا على بداية تفكك الهيمنة الأمريكية كإمبراطورية نيو إمبريالية. طبعا، لا يعني ذلك بالضرورة تفككها إلى ولايات، أو تقزمها إلى حدود الدولة القارية.فالولايات المتحدة ستظل لعقود طويلة قادمة، قوة عالمية عظمى، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا، لكنها لن تستطيع أن تكون روما الجديدة، التي لها الكلمة الفصل واليد الطولى في العالم، سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا...!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأحد 10 مايو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home