Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 10 May, 2007

تركيا والشيزوفرينيا السوسيوثقافية!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

بعد خمس سنوات، من حكم حزب "العدالة والتنمية"، تفجر النزاع، الذي كان مُسكَّتا، بين الحزب الحاكم وجنرالات العلمانية، على خلفية ترشح عبد الله غول لمنصب رئاسة الجمهورية.فقد استنفر الجيش نفوذه، بطريقة لا تخلو من الهستريا السياسية، لمنع مرشح ما يسمونه بـ"المد الإسلامي" من الوصول إلى قصر الرئاسة!

ولأن العلمانية التركية أصولوية أتاتوركية متزمتة، نجد سدنتها، من عسكر ومدنيين، يضعون رأس العلمانية برأس المرأة المحجبة، جاعلين من الحجاب حالة رهاب اجتماعي، ومضخمين الخوف منه إلى مستوى "الخطر الاستراتيجي" الذي يهدد "قيم العلمانية"، مما يبرر لهم ممارسة أسلوب "مطاردة الساحرات" القروسطي، ولكن بشكل معصرن، من خلال المطاردة "القانونية" للمحجبات، في الإدارات والمؤسسات الحكومية، وحرم الجامعات. علاوة على تحريم إرتدائه على زوجات الضباط. بل وصلت مطاردة المحجبات إلى داخل البرلمان، كما حدث مع النائبة مروة قهوجي، التي أجبرت، تحت الضغط، على الاستقالة من البرلمان.البرلمان المفترض فيه أنه بيت الشعب، المحصن بإرادة الناخبين، وليس "بيت العسكر"!

ونتيجة للهستريا العلمانية، على الطريقة التركية، أصبح موضوع الحجاب محور الاعتراض السياسي، من طرف العلمانيين المتشددين (عسكرا ومدنيين)، على ترشيح عبدالله غول، بجريرة أن زوجته، السيدة "خير النساء"، محجبة. رغم أن الدستور التركي لاينص على تحريم ارتداء الحجاب. وغني عن القول أن روح العلمانية، في مفهومها العقلاني، المطبقة في معظم دول العالم، عدا فرنسا وتونس تقريبا، لا تتدخل فيما يلبسه الإنسان، أو يرتديه من رموز دينية أو ثقافية. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، تُعطى المرأة البريطانية المسلمة، المنخرطة في سلك الشرطة، غطاء رأس (حجاب) يتماشي مع زيها الشُرطيّ، إذا رغبت!

أما في تركيا المسلمة، وحيث غالبية الشعب التركي صوّت لحزب يمثل الثقافة الإسلامية، فإن العلمانية الموسوسة تضخم من خوّافها إلى درجة اعتبار وصول امرأة محجبة، إلى منزلة السيدة التركية الأولى، أمراً لايمكن تصوره. فحسب منطق جنرالات العلمانية، وغلاتها من الاحزاب السياسية، لا يمكن القبول برئيس للدولة، الذي هو في الوقت نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة، زوجته محجبة. وذلك ما دعا الرئيس العلماني المتشدد، نجدت سيزر، المنتهية ولايته، إلى المناداة بضرورة إغلاق قصر الرئاسة أمام المحجبات. ومعروف أنه كان شديد الحرص، أثناء ولايته، على عدم دعوة الزوجات المحجبات لمسؤولي الحكومة إلى القصر الرئاسي.

وبهذه الروح العلمانية العسكرتارية المتطرفة تُسلط المؤسسة العسكرية وصايتها، بصورة أبوية أتاتوركية (اتاتورك تعني: أب الأتراك)، على الديمقراطية والحياة السياسية، بحسبانها"حامي حمى العلمانية"، كما جاء في تصريحات رئيس أركان الجيش، الذي هدد بالتدخل في أية لحظة، بحجة حماية ما سماه "قيم البلاد العلمانية"، مطالبا بأن يكون الرئيس الجديد لتركيا، ملتزماً بالعلمانية قلباً وقالباً وليس بالكلام فقط..!

لكن الأرجح أن تصريحات العسكر لن تتعدى، في الغالب، مستوى التهديد، من باب الضغط السياسي، لأن الديمقراطية باتت متأصلة في المجتمع المدني التركي، بحيث يصعب على العسكر شطبها بجرة انقلاب. كما أن أوروبا واقفة بالمرصاد.إذ أن استحقاق الديمقراطية، بمعناها المطابق لصورتها المتعارف عليها في الغرب (الأوروبي)، شرط شارط لتأهيل تركيا كي تصبح عضوا لائقا بالانتماء إلى الفضاء الأوروبي!

وبحكم توجه تركيا الاستراتيجي للانخراط في الاتحاد الأوروبي، فإنها ملزمة بالحفاظ على الديمقراطية، وإبعاد الجيش عن التدخل في الحياة السياسية! لكن الأزمة ليست سياسية إلا على سطح الأحداث. فهي تعبير سطحي عما يمور في بنية المجتمع التركي من صدام ثقافي - اجتماعي، يضرب جذوره في تاريخ تركيا الحديث. اي منذ سقوط الخلافة العثمانية وقيام العلمانية الأتاتوركية! واسمح لنفسي أن أعود، اليوم، إلى ما سبق وكتبته عن هذا الصدام السوسيوثقافي، بين العلمانية والإسلام، غداة الانتصار المدوي لحزب "العدالة والتنمية" عام 2002، الذي كشف، في رأيي، عن انقسام شيزوفريني (سوسيوثقافي) في تركيبة الشخصية التركية!

بمعنى ان تركيا، جيوسياسيا، جذعها في آسيا(الشرق العربي)، ورأسها في أوربا. ثقافيا: الإسلام ذاكرتها: إرثا وتراثا، قيما ومفاهيم، تقاليد وعادات.بينما اقتصادها السياسي مُأورب بحداثة علمانية سلفية! تركيا انموذج مثالي للصدام الحضاري بين الشرق والغرب.التراث والحداثة. الاسلام والعلمانية.السياسة والدين. فالمجتمع التركي، اليوم، يبدو، بعد نحو ثمانية عقود على سقوط الخلافة وقيام الجمهورية العلمانية، منقسما على نفسه، سياسيا وثقافيا واجتماعيا، ما بين تيار علماني متشدد، وتيار إسلام سياسي معتدل، وصل الى السلطة أخيرا، ولكن في صيغة علمانية!

إن ما حدث في تركيا (فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002) كان ولا شك زلزالا سياسيا! زلزال من صنع أصوات ناخبين ساخطين على الوضع المعيشي المأساوي لغالبيتهم والواقع الآسن لحياتهم السياسية الفاسدة، وهويتهم الثقافية الممزقة! كما انه، موضوعيا، زلزال من صنع اختناقات اقتصادية كارثية، ماثلة في كتلة ضخمة عاطلة عن العمل تقدر بثلاثة ملايين عاطل، بلا تعويضات معيشية، ويمكن أن تتضخم بسرعة مركَّبة إذا ما استمر الوضع على حاله المتفاقم، أي إذا استمر أسوأ ركود اقتصادي تعيشه البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في تداعيه وتواصل انهيار العملة وتراكم الدين الخارجي المتضاخم وبالتالي اتساع رقعة المعدمين تحت خط الفقر التي تضم عشرات الملايين!

وهو زلزال بمعنى انقلاب سياسي أبيض، جاء عبر صناديق الاقتراع، تعبيرا عن سخط شعبي ضد هيمنة المؤسسة العلمانية المتطرفة، بجناحيها العسكري والمدني، على الحياة السياسية، وليس، بالضرورة، ضد طبيعة الدولة العلمانية أو الدستور العلماني الذي تجذر بقوة في بنية الدولة والمجتمع.

ان الإسلام السياسي التركي الذي قدم نفسه في ثوب حزب "العدالة والتنمية" بقيادة زعيم برغماتي (رجب أردوغان) قد قام بانقلاب جذري على الأيديولوجية التقليدية في عناوينها الحزبية السابقة. انه انقلاب جذري طال مواقف جوهرية كانت تعد مقدسة في تصور عتاة الإسلام السياسي التقليدي، الذين يمثلهم من يطلق عليهم"جناح اللحية والحجاب" داخل الحزب الجديد، وهم يشكلون غالبية أعضائه المنخرطين، لكنهم انصاعوا مضطرين أو متفهمين لضرورة التخلص من الربط الميكانيكي البليد بين السياسي والديني.!

لقد عمد رجب اردوغان (اتاتورك الاسلام السياسي) الى إزاحة رموز التيار التقليدي من الواجهة وقدم عليهم قيادات جديدة، مرنة، تجيد اللعبة السياسية في مضمار الديمقراطية وفق شروط الخصم العلماني بدستوره ومؤسساته وعسكره، إلى درجة أنهم يرفضون على لسان عبدالله غول اعتبار أنفسهم إسلاميين: "لا تسمونا إسلاميين. نحن حزب أوروبي محافظ حديث. لانعترض إذا وُصِفْنا بأننا ديمقراطيون مسلمون، على غرار الديمقراطيين المسيحيين في الأقطار الأوروبية الأخرى".

إذن هو انقلاب قطيعة ايبستمولوجية قبل ان تكون سياسية مع مفهوم الإسلام السياسي التقليدي، وتقديم أطروحة إيديولوجية لإسلام سياسي حديث ضد الاسلام السياسي الكلاسيكي (الاخواني)! أي تقديم مشروع إسلام سياسي علماني منبثق من حراك اجتماعي عميق في بنية الاجتماع التركي العصري بتاريخه العلماني الطويل والمتجذر في مؤسسات راسخة في بنية الدولة برعاية المؤسسة العسكرية، وفي وجود حركية تفاعل سوسيوثقافي/فكري خلاق بين التراث والحداثة، يتجاوز الصورة المحنطة في خطاب الإسلام السياسي"الإخواني"الخشبي الكائخ، الذي استهلكه الجمود الفكري/الإيديولوجي والزعامات الهرمة.

مع حزب"العدالة والتنمية" نكاد لا نميز شيئا مخالفا فيه لصفة الحزب العلماني. فبرنامجه برنامج انتخابي سياسي صرف لا وجود لوصفات دينية به، وهو يعلن التزامه الكامل بالعلمانية، وبفصل الدين عن السياسة، وذلك لا يعني فصل الدين عن المجتمع أو الدولة، لأن، كما يقول عبدالله غول: "الخلط بين الدين والسياسية يضيرهما معا. فالمبدأ الديني محصن بطبيعته من أي تغيير، أما السياسة فتتغير باستمرار استجابة للواقع".

واليوم، بعد خمس سنوات، على وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة، ونجاحه في الملموس إدارة الدولة التركية العلمانية بحنكة، وقدر كبير من الاستقامة، أسفرت عن تحقيق استقرار سياسي مستتب لم تعرفه تركيا لسنوات طويلة. وتحسين علاقات تركيا الإقليمية مع الدول العربية وإيران، وتمتينها مع أوروبا، وانفتاح ايجابي على العالم الإسلامي.وتحقيق انجازات اقتصادية باهرة، تمثلت في خفض نسبة التضخم المخيفة، التي وصلت العام 1994 نحو 150% إلى 9.4% عام 2004، وذلك لأول مرة منذ ثلاثين سنة. وترواح معدل النمو الاقتصادي ما بين ستة وسبعة في المئة.ارتفع حجم الصادرات التركية إلى أكثر من 72 مليار دولار. واستقطبت حوالي خمسة مليارات دولار استثمارات أجنبية.

ثم، وربما الأهم، أن حكومة حزب العدالة والتنمية، تمكنت بذكاء، وتدريجيا، من تحجيم هيمنة العسكر على السياسية، واسقاط وصايتهم على الدولة، من خلال سحب صلاحيات مجلس الأمن القومي، التي تمنح الجنرالات سلطة تنفيذية للتدخل في عمل الوزارات والهيئات والمؤسسات المدنية، ومراقبة عمل الحكومة والتدقيق في قراراتها. فأصبحت وظيفة المجلس تقديم الاستشارة للحكومة، التي لها كامل الحرية في الأخذ بها أو إهمالها. وقد ساعد حكومة أردوغان على تحقيق هذا الاستحقاق السياسي الجوهري، التزام تركيا الرسمي بالمعايير والشروط الأوروبية لاستحقاق عضوية الاتحاد الأوروبي، القاضية بضرورة خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة الحكومة المدنية المنتخبة!

لكن رغم ذلك لا يزال جنرالات العلمانية متشبثين بصلاحياتهم السلطوية، إلى درجة استعدادهم للتضيحة بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي إذا كان ذلك يجردهم من امتيازاتهم السلطوية التي اعتادوا على التمتع بها لعقود طويلة، كأوصياء على تركة أب الأتراك (أتاتورك) واعتبار الشعب التركي وريثا قاصرا لم يبلغ سن الرشد، رغم مرورو 70 سنة على وفاة الأب (البطريركي)!

وهكذا، في تناقض صارخ مع المعايير الديمقراطية، كشر الذئب الأغبر (لقب لأتاتورك)، في ثوب المؤسسة العسكرية، عن أنيابه الانقلابية في وجه حزب "العدالة والتنمية" لأنه أراد ممارسة حقه الدستوري في الوصول إلى قصر رئاسة الدولة التركية، بالوسائل الديموقراطية. وقد كان تدخل العسكر في المحكمة الدستورية، واضحا في تسييس الحكم القضائي القاضي بإلغاء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وهو ما اعتبره أردوغان بمثابة "رصاصة في قلب الديمقراطية"، معلنا عن إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، لكي يقول الشعب كلمته الفاصلة في معالجة الأزمة السياسية المستفحلة، متكئا على مقولة تأسيسية لكمال أتاتورك (صنم العلمانيين المعبود)، تعتبر الشعب هو مصدر السلطة المطلقة!

وللتضييق على حزب العدالة والتنمية، وعرقلة نجاحه المتوقع في الانتخابات القادمة، حرك سدنة العلمانية، عسكريين ومدنيين، النائب العام، فأعلن أنه ينظر بجدية في توجيه تهم إلى أردوغان، مما يستدعي إسقاط الحصانة عنه إجراء تحقيق جنائي معه، بتهمة أنه "احتقر المحكمة الدستورية" و"زرع الذعر في أوساط الرأي العام"، و"دعا صراحة إلى الجريمة"، و"حرض على عصيان الأوامر"، لمجرد أنه عبر عن رأيه بمرارة في حكم المحكمة الدستورية، الذي كان حقا رصاصة في قلب الديمقراطية!

وبهذا تدخل تركيا في حقبة جديدة، مفتوحة على نتائج الصراع السياسي الدائر الآن، بشكل مكشوف، ما بين العلمانية العسكرتارية وحلفائها من العلمانيين المتشددين (أحزاب وتنظيمات مجتمع مدني) وبين حزب العدالة والتنمية، ممثل الإسلام الديمقراطي المعتدل، ومن ورائه قواه الشعبية الهائلة، التي منحته ثقة الأغلبية في البرلمان. فهل تمنحه ثقتها من جديد؟! أم سيلجأ العسكر إلى لغة الانقلابات البالية؟!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 10 مايو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home