Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Tuesday, 9 May, 2006

... في مَنْ هو العربي؟!(*)

فرج أبوالعـشة

أنا ليبي، حسب حدود الهوية الجيوبولتيكية لبلادي. ولكن ما قيمة أن تكون ليبيا. مصريا. كويتيا سعوديا. قطريا. تونسيا، بينما الآخر يُعرّفك بصفتك عربيا أولاً؟! فحتى لو أردت أن أُعرّف نفسي بكوني ليبيا يتكلم العربية، فإنني لا أنجو من الكينونة العروبية الهوياتية.

أنا ليبي، على سبيل المثال، أعيش في الغرب، منذ أكثر من عقد. لكن الغرب لا يأخذني إلا بحسباني عربيا في الأصل، وليبياً تاليا. فما دمت قادما من العالم العربي، ولساني عربي، فأنا محسوب على العرب. وفي ليبيا، لا يعيش العرب وحدهم، فهناك السكان الأصليون، من الأمازيغ والطوارق. ولدينا مثقفون ليبيون أمازيغ، لا يعتبرون الأمازيغ الليبيين هم، فقط، الأقلية التي لا تزال تتحدث اللغة الأمازيغية، بل يعتقدون أن غالبية سكان ليبيا هم قبائل أمازيغية تم تعريبها. وحتى وإن كنتُ ممن تم تعريبهم، فإنني أجد نفسي مرتاحا جدا في عروبتي.

كنت مراهقا عندما تعلقت بعبدالناصر في سنواته الأخيرة. استمعت إليه، مأخوذا بسحر طلته الكاريزمية، وهو يخطب في الاستاد الرياضي، بمدينة بنغازي، وقد غص بأكثر من ربع مليون مخلوق. احتلوا كل بقعة فيه. المدرجات، أرضية الملعب، فوق المظلة الإسمنتية الهائلة، خارج الاستاد، في الشوارع، وفوق الأشجار. كان عبدالناصر أسطورة للبطل القومي المنتظر، في وجدان الملايين، من الماء إلى الماء. وفي حقبة تلك الهوجة القوموية وجد ملازم أول انقلابي، لم يكمل الثانوية، نفسه، بعدما رقى نفسه بنفسه إلى رتبة عقيد في مرة واحدة، جالسا بجوار ناصر. ولا أحد يدري ماذا حدث لناصر، أثناء خطابه، حتى أوصى أن يكون الملازم الانقلابي: "هو الأمين على القومية العربية" بعده. لابد أنها لوثة الجماهير الهادرة. ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى رحل ناصر في 28 سبتمبر 1970، الذي هو نفسه سبتمبر أيلول الأسود الفلسطيني في مملكة آل البيت. ولم تكتمل أربعينته حتى طفق "الأخ الأمين" يهرينا بمشاريع الوحدات العربية الطائشة. فأصبح الليبيون يبيتون على وحدة ويصبحون على إلغائها. بالنسبة لي، شخصيا، كنت مراهقا، في الرابعة عشرة، عندما رحل ناصر. وظللت لسنوات اردد بيني وبين نفسي عن ظهر قلب قصيد نزار الهرم الرابع. وحبا في ناصر، ووفاء له صدقت أن "الأخ العقيد" هو، حقا، "أمين القومية العربية". ولزمني الأمر سنوات من الضجيج الشعاراتي، لأستدرك استلابي!

وإذا كنت، ولا أزال، أكن لعبدالناصر تفهما موضوعيا لدوره التاريخي كقائد قومي، لا يمكن للنظرة التاريخية الموضوعية للقرن العشرين أن تغفله كأحد أبرز القادة القوميين في التاريخ العالمي. لكن ما أصابني بالقرب من فكرة الأمة العربية الواحدة، هم قادة أنظمة الانقلابات العسكرية القومجية، من ذوات الثالوث المحنط: حرية إشتراكية وحدة، بغض النظر عن الاختلاف في ترتيب الأولويات، من حيث التقديم والتأخير. ومثلما أمقت الأنظمة العروبجية، أمقت، أكثر، الشعارات الانعزالية، على وزن: "الأردن أولا"، أو: "لبنان أولا"، أو: "مصر أولا". والمصيبة القول بـ:"السعودية أولا". إذ قد يتفهم المرء شعار: "الأردن أولا" على سبيل المثال، لكون الأردن كيانا مصطنعا، جيوبولتيكيا، تكون بمقتضى مصالح السيد الخارجي، في زمن طبعته الكولونيالية البريطانية الكلاسيكية. وارتبط تكوينه بإيجاد من يحكمه، قبل ترسيم حدوده، وتوصيف شعبه. فأصبح وكأن وجود الأردن يعتمد على بقاء الأسرة الهاشمية في الحكم، المحفوظ أمنها في مكان ثان. بحيث تشير:"الأردن أولا" إلى وجود سيد خارجي ثانيا. وهو ما أشار إليه الرئيس بشار في أحد أحاديثه. وقد نفهم منطقية شعار كهذا عند دعاة الفرعنة في مصر، أو الفينقة المسيحية في لبنان، على سبيل المثال. لكن هات من يفهم شعار: "السعودية أولا". حيث لا وجود لمعنى السعودية جيوبولتيكيا وتاريخيا، إلا بما هي عائلة حاكمة، في أرض الحجاز ونجد. التي كانت، منذ الأزل، للعرب أولا وأخيرا. ومع ظهور محمد بن عبدالله الهاشمي القريشي، تحولت إلى قبلة للعالمين. فأصبحت للمسلمين أولا وأخيرا.

والخلاصة ليس أسخف من الحديث عن أمة عربية واحدة إلا الحديث عن قطر عربي ما أولاً. وإذا كانت أنظمة الاستبداد الثوري التي رفعت شعار أمة عربية واحدة قد وظفتها في النتيجة لصالح تسلط الحزب الواحد ونظامه الأوحد. وعندما رفعت، تلك الأنظمة، شعار "الصمود والتصدي"، فإنها لم تتصد، في الواقع، إلا لحقوق شعوبها في الحرية والديمقراطية. وهي لم تصمد في وجه العدو الصهيوني، إنما في وجه مطالب شعوبها في التغيير والإصلاح، فيما استمر العدو الصهيوني في ابتلاع المزيد من الأرض، والعدو الأمريكي الإمبريالي في مزيد من الهيمنة. وإذ انهار الاتحاد السوفييتي، سابقت الأنظمة "التقدمية" الأنظمة "الرجعية" على نيل ميدالية الإخلاص لأمريكا. ولأن "قضية فلسطين" بقيت على حالها في وجدان ما يسمى "الشارع العربي"، الذي ظل رغم ركوده وبلادته وجبنه، متشبثا وجدانيا بقضية فلسطين كمعادل عروبي موضوعي للهوية القومية المقهورة. ويعبر، بين وقت وآخر، في تظاهرات قومية مناسباتية، عن كفره بأنظمة الاستبداد والتبعية، التي تدرك جيدا أن الأحداث والقضايا القومية، مثل احتلال فلسطين، واحتلال العراق، علاوة على التبعية الاجنبية، هي الأسباب الجوهرية المولّدة لـ"الإرهاب المحلي"، المتواتر في عديد الدول العربية، كما حدث مؤخرا في سيناء المصرية.

شخصيا وإن كنت اقر وأحب تشكلي في الهوية العربية، اللغوية والثقافية، وليس العرقية، إلا أن العرب ليسوا وحدهم في ما يسمى العالم العربي. فهناك شعوب أخرى تعيش منذ الأزل في هذا العالم. وهم سكان أصليون في مناطق كثيرة منه. مثل الشعب الكردي في سوريا والعراق. والأمازيغ ، وسبطهم الضائع طوارق الصحراء، هم السكان الأصليون لما صار يسمى، المغرب العربي، رغم محاولة ترويج تسمية الدول المغاربية، أو شمال أفريقيا في التسمية الأمريكية الملحقة بالشرق الأوسط، تجنبا لذكر العرب والعروبة. لكن ذلك لا يبطل وجود أمة جامعة أو عالم جامع للعرب، يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الامازيغي.

والحاصل حتى لو كنت امازيغيا تم تعريبي جدا عن جد، فإني لا أنكر ما كأنه اصلي ولا ما أنا عليه. لقد وجدت نفسي أنطق بكلمات عربية، تنطقها أمي وأبي، وإليهم قبائل برقة. تتضمن مفردات منقرضة من التداول على لسان العرب المعاصر، ولم يعد لها وجود إلا في المعاجم العتيقة. ومنها: قبّ: أي نشف الثوب بعد غسله. وبرح: أي نادي جهاراً. تِلْب: أي الرجل المُسِنّ. تلَبز: أي فسد، فيقال تلَبز الموضوع، أي فسد وكثر فيه الخطأ. وتلَ، أي جذب الشيء بقوة. خامج: أي فاسد وفاتر. خطم: أي مرَّ. دعاك: أي ازدحام. دهور: أي تجوَّل. ضبَّح: أي نادى. طاح: سقط. عجاج: أي غبار. فحج: أي باعد ما بين ساقيه... وغيرها مئات المفردات المستعملة حتى الآن. ذلك يجعلني لا شك أني من طينة السيرة الهلالية، دون الدخول في وقائع الحكاية. ودون أن يمنع ذلك التسليم لأخوتي أمازيغ ليبيا، تحديدا، بأني أمازيغي إذا قبلوا بي. فالامازيغ سادة ليبيا الأصليون، وهم من سادة المعنى الوطني، سواء في مقارعة الغزاة الفاشيست، أو في مقارعة المستبد القومجي.

بهذا الفهم المدوِّخ، فإنه لا معنى لوجود الأمة إلا في اللغة ـ الثقافة. ولا تكتسب الأمة، بما هي لغة ـ ثقافة هويتها الجذابة ـ الجاذبة، المُذوِّبة للإقليات المتداخلة بها، إلا إذا امتلكت الأهلية الحضارية للمشاركة في صناعة التاريخ. فالأمة الإسلامية كانت مؤهلة حضاريا لصناعة التاريخ، والتنافس على قيادته. صلاح الدين الكردي لا يزال رمزا تاريخيا "معبودا" عند العرب أكثر مما هو عند الكرد. وكذلك الأمر مع قطز المملوكي والظاهر بيبرس السلجوقي. ولا يزال معظم العرب لا يصدقون إذا بينت لهم الحقيقة التاريخية أن طارق بن زياد أمير أمازيغي. وينطبق الأمر نفسه على عباقرة الحضارة الإسلامية العلمية والفلسفية، من غير العرب.

والحال أن الأمة تفرض نفسها بقوة ثقافتها، لكن قوة ثقافتها ليست إلا إنعكاسا لقوتها الاقتصادية والعسكرية. وكون الثقافة العربية، اليوم، في أحط تحولاتها التاريخية، بسبب انحطاط أنظمة حكمها بالدرجة الأولى، وبسبب استمراء الشعوب في انحطاطها التليد على أنه راحة بال تاريخي لا مثيل لها. والمصيبة أن الشعوب العربية تمتلك كامل مقومات الجاهزية الاجتماعية ـ الثقافية للانقلاب على حال أنظمتها العتيقة وأحوالها، مثلها مثل الرومانيين والجورجيين والأوكرانيين... والإيرانيين... ولكن رغم إنهيار الشاه وشايسيسكو، وما وراء جدار الشيوعي من طغاة، حافظ ما يسمى العالم العربي على خصوصيته الغبية، في الجمود على الموجود!!

لا أريد أن أنكر أني عربي. ولا أستطيع أن أنكر أني عربي حتى لو أردت. والحق افتخر أني عربي. ولكن أي عربي؟!

أنا عربي بالانتساب إلى الثقافة العربية ـ الإسلامية. بالانتساب إلى:

ابن هيثم العربي، وجابر بن حيان العربي، والكندي العربي وابن رشد العربي. وكذلك الخوارزمي الفارسي، وابن خلدون الأمازيغي... إلى رواد عصر التنوير، من المسيحيين العرب، وليس انتهاء بمحمد أركون الأمازيغي.

وفي الوقت نفسه اعتز بكوني ليبيا ارتدي الجرد الامازيغي وآكل الرشدة الامازيغية، ولا ينقصني، للأسف، إلا تكلم بلسان الأمازيغ.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 27 أبريل 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home