Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأحد 9 مايو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

هل انتفت قيمة إسرائيل الاستراتيجية ؟! (3 من 4)

فرج بوالعَـشّة

عندما أضطر بوش إلى التسليم الضمني بوجود علاقة سببية بين القضية الفلسطينية وتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، لم يفعل ذلك عن قناعة ذاتية، إنما نتيجة لهزيمة مشروعه الامبريالي في العراق وأفغانستان، وارتفاع منسوب كراهية الشعوب العربية والإسلامية، بل وشعوب العالم، لأمريكا. ولم يكن إنخراط إدارته في "عملية السلام" لوجه السلام الحقيقي، إنما لمخادعة العرب والمسلمين بوجود "عملية تفاوض" جارية، ولإعطاء حلفائه من العرب غطاء ساتراً كي يتجندوا في خدمة مشروع "الشرق لأوسط الجديد" ومواجهة الدول الممانعة كإيران وسوريا وقوى المقاومة كحزب الله وحماس. وفي المحصلة لم تؤد خارطة الطريق التي طرحتها إدارته سوى إلى جدار الفاصل العنصري. أما وعده بدولة فلسطينية فسرعان ما أنكشفت اكذوبته لما أعطى لشارون تعهد رئاسي يلبي مطالب إسرائيل ولا يترك للفلسطينيين من حقوقم المشروعة سوى الفضلات.

وإذ جاء موعد الانتخابات الرئاسية، في نوفمبر 2009، كان معظم الأمريكيين راغبين بقوة في التغيير، للخلاص من التركة البوشية الكارثية، التي أغرقت الولايات المتحدة في حربين مُكلِفتين دماً ومالاً. وشوهت صورتها في نظر شعوب العالم، وفقّرت الأمريكيين (الطبقة الوسطى وما تحتها) ثم ختمت عهدها بالأزمة المالية الرهيبة التي تحولت إلى أزمة اقتصادية عويصة. فكانت هذه المعطيات وراء التصويت بكثافة، لاسيما من جهة الشباب، لنجم أوباما الصاعد وشعاره:" نستطيع التغيير". بحيث ما كان لخصمه "جون مكين" أن يفوز إلاَّ إذا طار الخنزير، على حد تعبر صحفي أمريكي.

وأخيراً حصلنا على أوباما!

لدى أوباما، كشخص، رؤية سياسية واضحة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية. إنه لا شك منتبه إلى ضرورة تغيير العقيدة السياسية الأمريكية القائمة، منذ 60 سنة، على تدليل إسرائيل بطريقة مفرطة، حتى عندما تُلحق أضراراً فادحة بمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية وتعرض أمنها القومي للأخطار المميتة. وهو يعتبر حل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني مصلحة قومية أمنية حيوية للولايات المتحدة، لأنه يكلف الولايات المتحدة الدم والمال، كما قال. وذلك يعني، في منظور الرؤية الأوبامية، أن المصلحة القومية العليا للولايات المتحدة هي التي تملي أجندتها السياسة في الشرق الأوسط. وعليه فإن حل الصراع العربي الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية على حدود 67، مصلحة أمريكية استراتيجية لضمان انتصارها في ما تسميه "الحرب على الإرهاب" وكذا للحفاظ على مصالحها الحيوية وتمتينها في العالمين العربي والإسلامي. علاوة على حاجتها الملحة لحلفائها العرب في مواجهة إيران.

هذه، في رأي، هي المحددات الرئيسة وراء إنخراط أوباما، في البحث عن حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بُعيد مباشرته الرئاسة، باختلاف كل الرؤساء الأمريكيين، الذين خشوا التورط مبكراً في حلّ ذلك الصراع. وهو على الأغلب كان صادقا مع نفسه في "خطاب القاهرة" بشأن حلّ القضية الفلسطينية، ولا سيما مطالبته إسرائيل بالوقف الكامل للاستيطان. لكنه كرئيس لمؤسسة النظام الأمريكي لم يكن في ممارسته السياسية في مستوى رؤيته الشخصية. إذ أنه سرعان ما خضع لواقع كونه رئيس مؤسسة سلطوية إمبراطورية واسبة WASP = الانسان الابيض الانجلو سكسوني بروتستانتي. فوجدناه يتراجع عن مطالبته إسرائيل بالوقف الكامل للاستيطان. إنه صاحب "ضمير حي لكن لا شجاعة" كما وصفته إيقونة الصحافة الأمريكية، هيلين توماس (العربية الأصل كما تفختر)، في حوارها مع صحيفة "السفير" اللبنانية، يوم 19 تشرين الثاني 2009.... ثم بدا كأنه استعاد شجاعته (بعض الشيء) عندما عبرت إدارتها عن غضبها من حكومة نتنياهو بسبب إعلانها عن خطة بناء مئات الوحدات السكانية في القدس المحتلة أثناء وجود نائبه جو بايدن في إسرائيل لغرض إستئناف المفاوضات غير المباشرة بين حكومة نتنياهو وسلطة عباس. أنبرت هيلادري كيلنتون، بتوجيه من رئيسها، لتوبيخ نتنياهو لإهانة حكومته الولايات المتحدة في شخص نائب الرئيس. وجرى تخريج التوبيخ الأمريكي في تصريح دبلوماسي مخفف على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية، فيليب كرولي، الذي قال ما معناه: أن وزيرة الخارجية اتصلت بنتنياهو وقالت له أن اعلان بناء وحدات استيطانية جديدة في القدس الشرقية هو خطوة سلبية جدا في مقاربة اسرائيل للعلاقات الثنائية وتناقض جوهر زيارة نائب الرئيس. ثم اختار أوباما أن يُعبر عن استيائه الرئاسي من الموقف الإسرائيلي من خلال طريقة استقباله لنتنياهو في البيت الأبيض. فاستقبله في دون حضور إعلامي، في غرفة مغلقة، تلقى فيها مطالب أمريكية محددة، تمحورت، حسب تسريبات الإعلام الإسرائيلي، حول تجميد البناء الاستيطاني في الضفة لوقت غير محدد وتجميده في القدس أثناء المفاوضات مع الفلسطنيين، إلى جانب رفع عدد من الحواجز العسكرية الاسرائيلية في الضفة وتخفيف الحصار عن قطاع غزة وادخال مواد البناء، علاوة على اطلاق سراح بضع مئات من اسرى حركة فتح من سجون اسرائيل. ويقال أن نتنياهو وافق من حيث المبدأ على هذه المطالب، على أن يعرضها على حلفائه في الائتلاف الحكومي.

بعد عودة نتنياهو، من واشنطن إلى تل أبيب، تلقته التحليلات والتعليقات الإعلامية من اليسار واليمين والوسط. آراء اليمين صبت جام غضبها على أوباما ورأت فيه "أكبر كارثة بالنسبة لإسرائيل"، بينما هاجم الوسط واليسار نتنياهو بحسبان سياسته تقود إسرائيل في طريق من دون مخرج، أو بتعبير آخر: تشكل خطرا على الدولة العبرية. وإنه فضّل استرضاء ائتلافه الحكومي اليميني على حساب إغضاب الحليف الأمريكي، الذي يُشكل الإسناد المصيري لبقاء إسرائيل. ومن الواضح أن نتنياهو عاد إلى تل أبيب مدركاً أنه ما عاد بيده أن يشعل واشنطن (سياسيا) ضد الرئيس كما فعل ضد بيل كلينتون. فمنذ فضحية بقعة المني على ثوب مونيكا لوينسكي جرت مياه فائضة في نهر التحولات الإقليمية والدولية. والنار (السياسية) التي ربما أعتقد أنه سيشعلها في واشنطن (بواسطة اللوبي اليهودي) اشتعلت فيه وفي حكومته في تل أبيب. صحيح أنه لجأ إلى الكونغرس المتصهين لتجييشه ضد البيت الأبيض ووزارة الخارجية. فنجح في جعل نحو 327 نائبا يشكلون ثلثي أعضاء الكونغرس يرفعون عريضة احتجاج إلى الوزيرة كلينتون. لكنهم لم يجرؤوا على توجيهها إلى الرئيس. كانت عريضتهم من باب منافقة "شايلوك واشنطن"، عبروا فيها عن قلقهم من التوتر السائد في العلاقات بين الحليفين، وأكدوا على المقولة الرائجة بأن اسرائيل قوية هي رصيد استراتيجي للمصلحة القومية الامريكية. لكنهم لم يعارضوا رؤية الإدارة للعملية السلمية. إنها امريكا أخرى، كما كتب يوسي بلين السياسي المعروف في صحيفة "إسرائيل اليوم" بتاريخ 23 أبريل 2010. مضيفاً أن:" التواقيع لن تكفي. الحيلة القديمة تردع أقل بكثير. والسهولة التي لا تطاق وبها يوقع عضو الكونغرس على الرسائل والعرائض باتت معروفة للجميع. الرئيس الامريكي يعرف انه بين التواقيع وبين الاعتراض على سياسته عند الاختبار الحقيقي توجد مسافة هائلة." والشاهد أن عريضة أعضاء الكونغرس أولئك لم تحدث تاثيراً يُذكر في الدوائر السياسية أو الراي العام الأمريكي، عكس التاثير الواسع لموقف الجنرلات الأمريكيين الكبار، غير المسبوق، عندما تحدثوا علنا، في تصريحات إعلامية وأثناء جلسات الكونغرس المبثوثة، عن ضرورة حلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتأمين تواجد القوات الأمريكية في العالم العربي والإسلامي وعدم تعرضها للتهديد. والأبرز ما جاء في تصريح الجنرال ديفيد بتريوس قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي تشرف قيادته على حربي العراق وأفغانستان، أمام مجلس الشيوخ، في 24 مارس 2010. إذ قال بوضوح أن:" القتال المستمر بين إسرائيل وبعض جيرانها يعتبر تحديا بارزا لقدرتنا على تحقيق مصالحنا في القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة (.و) إن مشاعر إذكاء الصراع المناهض للولايات المتحدة، هي نتيجة لإدراك الولايات المتحدة أبعاد سياسة تفضيل إسرائيل على حساب باقي العالم، فالغضب العربي من تعثر القضية الفلسطينية يحد من قوة وعمق الشراكة بين الولايات المتحدة والحكومات والشعوب في المنطقة، ويضعف شرعية الأنظمة المعتدلة في العالم العربي". وفي مواجهة ذلك عمل اللوبي اليهودي الصهيوني على تجييش مجموعة من الجنرالات المتقاعدين (خمسون جنرالا وأدميرالا) قاموا بالتوقيع على عريضة تأييد لدولة إسرائيل، صاغها جهابذة "المعهد اليهودي لشؤون الامن القومي"، من أجل التوسل بتوقعات هولاء الجنرالات والأدميرالات إثبات أن أمن إسرائيل كما جاء في العريضة:" مهم جدا لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وفي الحوض الشرقي للبحر المتوسط (و) ان اسرائيل قوية آمنة هي ذخر يمكن أن يعتمد عليه المخططون العسكريون والزعماء السياسيون الامريكيون. اسرائيل ديمقراطية تشاركنا التزام الحرية وسلطة القانون." لكنها مثلها مثل عريضة الثلاثمائة وسبع وعشرين نائبا في الكونغرس، لم تترك تاثيراً يُذكر. فكما أن أمريكا اليوم أمريكا أخرى كذلك الأمريكيون اليوم أمريكيون أخرون، ما بعد قارعة 11 سبتمبر وعهد بوش الكارثي. معظمهم تستغرقهم مشاكلهم الداخلية: الاقتصادية الصحية والتعلمية، المأزومة. ومعظمهم، نحو 81 في المئة، يعتقدون ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني يضر بمصالح الولايات المتحدة، مثلما جاء في استطلاع للرأي اجراه معهد زغبي الامريكي في فبراير 2010، وإن كانوا في غالبيتهم عبروا عن تأييدهم لإسرائيل. إلا أن ذلك لا يعني أن مصالح أمريكا وإسرائيل متطابقة دائماً بالضرورة. ...

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 6 مايو 2010م .


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home