Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 9 أبريل 2009

الإمبريالية والتلفيق الثقافي..! *

فرج بوالعَـشّة

1
بشكل عام لا توجد ثقافة وطنية، أو قومية، أصلية بذاتها ولذاتها، أي خالية من مؤثرات الثقافات الأخرى. فكل الثقافات، الوطنية أو القومية، هي ثقافات هجينة ومولَّدة: "فمن يستطيع في الهند أو الجزائر اليوم أن يعزل بثقة المكوِّن البريطاني أو الفرنسي للماضي عن الوقائع الراهنة؟! ومَنْ في بريطانيا أو فرنسا يستطيع أن يرسم دائرة واضحة حول لندن البريطانية أو باريس الفرنسية بوسعها أن تقصي وَقْعَ الهند والجزائر وتأثيرهما على هاتين المدينتين الامبراطوريتين..."...!

2
مع صعود الإمبراطوريات الأوروبية الإمبريالية،بريطانيا وفرنسا بالتحديد، في القرن التاسع عشر، ظهرت الحاجة الثقافية إلى اختراع أو تلفيق تراث حضاري أوروبي "آري"، يغور في الأزمنة القديمة، مما يمنح الخطاب الإمبريالي الحداثي: "تاريخا ومشروعية ليس بوسع شيء سوى التراث وتقادم الزمن أن يمنحاهما..". وذلك بتبني الحضارة الإغريقية على أنها حضارة غربية ـ أوروبية خالصة. إذ زيّن المؤرخون وعلماء الأركولوجيا، ومبتدعي"النموذج الآري"، تصورا نظريا علمويا فوق تاريخي، اصطفى الحضارة الإغريقية وطوّبها جوهرة أوروبية غربية. مما أسفر عن تراث ملفق، حشر الحضارة الإغريقية في أسر قراءة إسقاطية سابقة التجهيز النظري الممنهج، المحمول على تفكير رغبي، وبالتالي، نتائج مسبقة، عمقت التباسات الأزمنة التاريخية وعمّمت أفكار تمويهية حد تشويه وتحريف الوقائع التاريخية وشواهد اللقى الأثرية والأساطير والملاحم المقارنة التي تبرهن على الصلة العضوية للحضارة الإغريقية مع الحضارات الشرقية،في مصر الفرعونية، وبلاد ما بين النهرين....!

3
على المقلب الآخر لجأت الشعوب المستعمرة ـ بفتح الميم ـ، مع صعود حركات التحرر الوطني، إلى إحياء ثقافاتها الوطنية والقومية: "كما حدث في الجزائر أثناء حرب الاستقلال "1954 ـ 1962"، حيث شجعت عملية فكفكة الاستعمار الجزائريين والمسلمين على أن يخلقوا صورا لما افترضوا أنهم كانوا قبل الاستعمار الفرنسي"..! لقد كان إحياء هذه الثقافات، الوطنية والقومية، بمثابة رافعة دفاعية تحررية في مواجهة الخطاب الثقافي الإمبريالي المستعمر ـ بكسر الميم ـ والذي ينظر إلى المستعمر ـ بفتح الميم ـ وثقافته باستعلاء وتحقير، كما كتب جون هارمان، مدافعا عن فلسفة الاستعمار، عام 1910، قائلا : "إنه لضروري، إذن، أن نقبل كمبدأ ونقطة انطلاق حقيقة أن ثمة تراتبية بين الأعراق والحضارات، وأننا ننتمي إلى العرق والحضارة المتفوقين، مقرين مع ذلك بأن التفوقية، فيما تمنحنا حقوقا تفرض بالمقابل واجبات صارمة. إن المشروعية الأساسية للفتح والغلبة على شعوب أصلانية تكمن في الإيمان بتفوقيتنا، لا الآلية، والاقتصادية، والعسكرية فحسب، بل الأخلاقية أيضاً. وإن كرامتنا وعزّتنا لترتكزان إلى هذه الخصيصة، وهي ما يتبطن حقّنا في أن نوجِّه بقية البشر ونقودهم. وما القوة المادية سوى وسيلة إلى تلك الغاية."...!

ويمكن القول، بشكل عام، أن الإمبرياليات الأوروبية الكلاسيكية، قد اندثرت. إذ تلاشت إمبراطوريات، وتقزمت أخرى، في حدودها القومية، التي هي نفسها ـ الحدود ـ تلاشت في فضاء الاتحاد الأوروبي. فالشمس التي لم تكن تغرب عن الإمبراطورية البريطانية ـ حسب مخيال ثقافتها الإمبريالية، رغم طقسها الغائم الصبابي، قد غربت عنها، بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت شمسها طبيعية، كشمس بقية خلق الأرض. تشرق وتغيب في مواقيتها الأزلية. قد ترى أو لا ترى، حسب حالة الطقس....!
ومع ذلك، ورغم المراجعة التاريخية الانتقادية للماضي الإمبريالي، والانتشار الواسع للثقافة السلامية التسامحية في الفضاء الأوروبي: فكرا وأدبا وسينما ومسرحا، ورغم أن الكثير من الناس، كما يقول إدوارد سعيد: "في إنجلترا يشعرون بشيء من الندم أو الأسف بسبب تجربة أمتهم في الهند، بيد أن الكثيرين أيضا يتوقون للأيام الجميلة الغابرة". أي الحنين "الناستولوجي" إلى عصر الهيمنة: قوة ومعرفة وثروة، على تلك الشعوب البعيدة، التي كان عليها أن تعتبر نفسها محظوظة بوجودها في اللحظة الاستعمارية "التنويرية"، من حيث هي ضرورة تاريخية لتقويض نظام "الاستبداد الشرقي" واقتصاده السياسي الخامل. فالمجتمع الهندي، حسب رؤية ماركس الاستعلائية، ليس له: "تاريخ على الإطلاق، على الأقل، ليس سوى تاريخ من المتطفلين الذين أسسوا امبراطوريتهم على القاعدة السلبية لهذا المجتمع المفتقر إلى المقاومة والتغيير.."، بينما يحفظ للمستعمربن البريطانيين، رغم جشعهم الرأسمالي البرجوازي للربح، أنهم تمكنوا من تقويض المجتمعات القروية وتحطيم الصناعات الأهلية التقليدية البسيطة، بما يسمح لنشوء مجتمع طبقي، يستولد الرأسماليين كما يستولد بالضرورة العمال، مما يعطي للصراع الطبقي معناه نحو تحقق الشيوعية، حسب تحليل ماركس المكانيكي، الذي يبرر ضرورة توجيد طبقة عمال ولو من طريق تخليق الفاعل الاستعماري لها....!..يتبع...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 9 أبريل 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home