Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الثلاثاء 9 مارس 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (15)

فرج بوالعَـشّة

بعد القبض على سِيدي عمر واعتقاله في منطقة (سلطنة) بالجبل الأخضر، جاء متصرف الجبل الجنرال دودياتشي، للتأكد من أن المعتقل هو فعلا عمر المختار، كونه قد ألتقى بسِيدي عمر عدة مرات أثناء المفاوضات بين المجاهدين والحكومة الإيطالية. وبعد ذلك قام دودياتشي بنقل الأسير الثمين براً، تحت حراسة مشددة، إلى ميناء سوسة لنقله من هناك في سفينة حربية إلى بنغازي. وفي سوسة وضع الجنرال دودياتشي أسيره في زنزانة، وقال للحارس محذراً :" هل ترى هذا المتمرد .. احرص ألا تدعه يهرب منك، لأني سوف أقتله."
وبعد مرور نحو نصف قرن على إعدام سِيدي عمر، أدلى ذاك الحارس،وإسمه ليفيو دال آغليو Livio Dall Aglio، بشهادته للكاتب الإيطالي باولو باقانيني، واصفا ساعات اعتقال سِيدي عمر في ميناء سوسة. ـ 1 ـ

يصف ليفيو، في شهادته، سِيدي عمر، أثناء اعتقاله في سوسة في انتظار ترحليه إلى بنغازي، بأنه :" كان شيخاً متوسط الطول عيداً، عيناه تشعان ببريق الدهاء والحيلة، ويبدو منظره كطائر جارح بسبب التقوس الذى يبدو فى ظهره، بالإضافة إلى عمق التقاطيع التى تمتد من أعلى جبهته لتستمر فوق حاجبيه ثم تنحدر إلى أسفل حيث تتقاطع عند فمه ثم تتوارى عند ذقنه تحت لحيته البيضاء القصيرة. أما لون بشرته فإنه كان يميل إلى اللون الأسمر. ويستطع المرء أن يدرك مدى مايتميز به عمر المختار، من سمو وطموح بالإضافة إلى عزة النفس، عن قرب، حيث أن تلك الصفات جميعاً لا تنفى مدى ما يتصف به من نبل ووجاهة".

"وعندما تركت عمر المختار لوحده، ذهبت لإعداد الطعام له، والذى يتكون من طهى دجاجة له، وعندما قدمت له الطعام، اعتدل عمر المختار فى جلسته ولم تمر إلا ثوانى وقد التهم الدجاجة حيث لم يترك منها إلا العظام بعد أن خرطها من اللحم بواسطة أسنانه الناصعة البياض، وعندما شعر بنظراتى تتجه إليه التفت إلى قائلاً:
ـ إن اللحم يعتبر غذاء رئيسياً لى لانه يمنحنى القوة.
وبعد أن فرغ من التهام الطعام جلس وأخذ ينظر إلي بينما بادرته قائلاً:
ـ أريد أن أسالك الآن.
وبعد أن رد بالإيجاب هو يعتدل فى جلسته، قلت له متسائلاً:
ـ كيف أستطعت أنتَ ورفاقك البقاء على قيد الحياة طويلاً دون حماية وتموينات؟!
أجابنى وهو يهز رأسه قائلاً:
ـ نحن البدو مثل عصافير السماء التى تجد ما تأكله فى المكان الذى يخيل إليك أنه يخلو من الطعام.
وبعد أن تركتُ عمر يسرح فى خياله، نهض من مكانه وهو يزمجر غضباً كالأسد متأثراً بما حصل له، بينما أخذ يتفوه ببعض العبارات يرددها قائلاً:
ـ الكلب .. الكلب، حتى عمر غدر به، حتى عمر كان له يهودا.
وعندما هدأ غضبه أقتربتُ منه حيث جلس وأخذ يروى كيف وقع من على حصانه الذى أصيب بجراح، ثم كيف حاول الاختباء تحت الشجيرات القريبة منه، ولكن أحد فرسان الصوارى والذى كان من العرب استطاع اكتشاف عمر المختار وهو مختبئ تحت الشجيرة. يصمت عمر قليلا، ثم يضيف بحدة وغضب عن العربى الذى اكتشفنى تحت الشجيرة يعتبر أخى، لم يسكت بل بدأ يصرخ عندما عرفنى بأعلى صوته باسمى كاملا، وهو يردد عمر، عمر المختار، فلو أن ذلك الكلب الخائن لم يتفوه بكلمة واحدة عنى لربما تم نقلى مع بقية الأسرى كشخص عادى، فلا أحد يعلم فيما بعد فربما أستطيع الهرب بمساعدة أحد رفاقى".

وقد تبدو رواية الحارس مخلخلة بعض الشيء من حيث نقله لبعض أقوال سِيدي عمر ووصفه لإنفعالاته. فشخصية سِيدي عمر، في سياق الشهادات الكثيرة الموثقة من المقربين منه، لا تتطابق أو تنسجم مع التعبيرات واالتصرفات الانفعالية الغاضبة التي وصفه بها سجّانه ليفيو. دع عنك جدار اللغة بينهما، وإن كان علينا أن نستنتج أن ليفيو ملم باللغة العربية، سيما أنه كان متزوجاً من ليبية ويخالط الليبيين كما قيل. وعلى أي حال فإن شهادته تبقى وثيقة تاريخية هامة لإضاءة سيرة سِيدي عمر.
يروي الحارس:
"وطوال تلك الليلة التى قضاها عمر فى سوسة، والتى لم يعرف أبداً بأنه سوف ينقل بواسطة البحر إلى بنغازى صباحاً أخذ يروى شتى القصص على مسامعى، بينما كان بين الحين والآخر يتململ وهو يتآوه قائلاً:
ـ مكتوب، مكتوب فالذى قد سطر فلا مفر منه، فحياة الإنسان كالسبحة تتساقط حباتها متتالية مثل توراد الأفكار على الإنسان نفسه، فمرة يشعر بالسعادة وأخرى بالحزن، وهكذا ينتهى إلى النهاية فمرة حظ سعيد وأخرى حظ سيىء تعس، فالمكتوب هو المكتوب لن يتغير أبداً.
وبعد أن توقف عن الكلام حدجنى بنظرة وهو يقول:
ـ أنت شاب محارب مخلص، فأنا مسرور جداً لأكون سجينك، هذا بالإضافة إلى أنك متزوج من فتاة مسلمة عربية من قومنا، ولكن المسلمة لا تتزوج مسيحى.
فقاطعته قائلاً:
ـ إن الفتاة العربية التى من قومك قد تزوجت من رجل طيب وأمين ثم بسطت له يدى مصافحاً.

كان عمر رجلاً يصلى لله من انبلاج الصبح إلى غروب الشمس مع نهاية كل يوم، رجلاً يصلى لله ليلاً بدلاً من أن يتمشى، رجل يصلى لله من أجل أسرته وماشيته ثم الطريق الذى سوف يسلكه، رجلاً يصلى لله من أجل حماية حياة المسلمين جميعاً ومن أجل مواصلة الكفاح العادل المقدس الذى أمر به الله سبحانه وتعالى، الله أكبر، الله أكبر، ألقى عمر المختار نظرة إلى الخارج، إن بزوغ الصبح لقريب هكذا قال وهو يتململ فى مكانه ثم أضاف قائلاً:
ـ إن بزوغ النهار يكون طرياً منعشاً مثل صوت شابة تغنى على البئر، ثم يكون توالى النهار فيما بعد باعثاً على السأم والملل مثل سير خطوات الجمل البطيئة، أو حارق مثل حدوة الحصان الذى يركض مسرعاً وأخيراً المساء وهو مثل لون الرماد، إن الحياة مثل تعاقب النهار، شعارها فعل وإرادة يكونان معاً شيئاً مهما فى حياة الإنسان، ثم يتدخل القدر فيما بعد ليدل على مصير حياة الإنسان".

إن ليفيو، الذي يعبر بشكل واضح في شهادته عن تبجيله لسجينه، وإن بعد أكثر من نصف قرن على إعدامه، يسرد أقوال سِيدي عمر له في لغة صوفية فلسفية، هي بالتاكيد ليست كلمات سِيدي عمر الحرفية. لكنها تشي بروحه على كل حال. فهو عندما تحدث إليه عن حتمية المكتوب ـ القدر، رآها، حسب شهادة ليفيو:" تأتى تلقائياً مثل نافورة مياه أو مسجد فى الصحراء عندما تصل إليهما تجد نفسك تعبان وبالتالى غير قادر على مواصلة السير، فتبقى تنتظر بجوارهما حلول المساء أو بمعنى أخر النهاية أو المصير، فأنت كما ترى أن حياتى قد رسمت مسيرتها منذ الولادة حتى النهاية.فحياتى ليست مثل حياة أولئك الشبان تبدأ مع شهر رضمان ولكنها كانت قد بدأت قبل ذلك، فأنا ولدت لأقود الآخرين ولأفهم ماجاء به القرآن الكريم من معان، بينما البعض الآخر يكتفى بتعلم قراءته فقط.."

"وفى الفجر عندما سمع عمر المؤذن ينادى المسلمين لأداء الصلاة بقوله "الله أكبر، الله أكبر" قام عمر من نومه وتوجه نحو القبلة بمكة وأدى الصلاة كبقية المسلمين. وفى الحقيقة وجدت نفسى (ليفيو) معجبا ًبفلسفته فى الحياة، فهو يشعر فى وجدانه بأنه محارب وقد هزم ولكنه لم يفقد الهدوء وعزة النفس والوقار الذى كانت تتميز به شخصيتة.
وعند تمام الساعة السادسة صباحاً قمت بمرافقته إلى الطراد الحربى "اورسينى" حيث تم التسليم والاستلام مع الجنود الذين اقتادوه إلى داخل الطراد بينما كان يلقى عليّ تحية الوداع. وعندما عدت إلى المعسكر، كنت أفكر فى عمر المختار بينما كنت أهمس إلى نفسى فى هدوء لربما أراه وربما لن أراه. أحقاً أن الموتى لايرجعون...؟!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في مدونتي . http://alasha56.maktoobblog.com
1 ـ الساعات الأخيرة من حياة عمر المختار، تأليف : باولو باقانيني، ترجمة بتصرف : د.إبراهيم أحمد المهدوي، مجلة البحوث التاريخية، العدد 2 ، يوليو 1988 ليبيا.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home