Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأحد 8 نوفمبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

واقع المثقفين الليبيين في الداخل (2)

فرج بوالعَـشّة

1

إن المعنيين في هذا الجزء الثاني من المقال هم أولئك المثقفون،الذين استمرؤا منافقة النظام وممالئته بالسكوت على مظالمه ومفاسده. وإذا كان المثقفون الليبيون الوطنيون في الداخل، وما أكثرهم، لا يتمتعون بالحرية الكافية لمواجهة هذه المواقف الإنتهازية بما ينبغي من الصراحة، فإن المثقفين الليبيين في الخارج يملكون الحرية الكافية لانتقاد هؤلاء على مواقفهم المُهينة، لضمائرهم كمثقفين، قبل أن تكون مهينة في حق شعبهم،الذي سُلبت حريته وإرادته.

إن الكتاب والمبدعين الحقيقيين ينبغي أن يتساوق إبداعهم مع مواقفهم. فمن المخزي أن نجد المبدعين المنافحين عن الجمال والسمو الإنساني والحق والعدالة في ابداعاتهم الأدبية، خانعين في مواقفهم السياسية للنظام الاستبدادي،يتستّرون على جرائمه ويبرِّرون له جوره وظلمه؛بل ويزينون فواحشه ضد الليبيين،ويحولون طغيان القذافي"عدلا"وجهله"علما" ويظهرونه،وهو المستبد الفاسد،على صورة "نبي العصر"، ويدبّجون المقالات الدعائية في عظمته، مظهرين أفكاره الخرقاء على أنها إعجاز عبقري غير مسبوق ولا ملحوق،رافعين من شأن كتاباته "الأدبية" الركيكة إلى مصاف الإبداع الأدبي الإنساني العالمي الذي عزّ مثيله... وسوف أتناول في الجزء الثاني هذا، اثنين من كبار مبدعي ليبيا في القص والرواية، وهما أحمد إبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني، من حيث أنهما يعتقدان بإمكانية التوفيق بين مسايرة النظام والسكوت عن مساوئه من جهة، والاستقلال عن أيديولوجيته في كتاباتهم الأدبية من جهة أخرى..!

2

لاحظت أن الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه <القاص والروائي والمسرحي> يزاحم الكتّاب المعارضين في الخارج في موقع ليبيا وطننا، بنشره مقالات لا صلة لها بمعاناة الشعب الليبيي الواقع تحت سيطرة قمع القذافي ونظامه. فهو يكتب:"فى هجاء البشر ومديح البهائم والحشرات". فنجده، على سبيل المثال، يمدح الصرصور كي يذم الذين اعتقلوا الكاتب السورى الراحل ياسين رفاعية <المعروف عنه مديحه للقذافي>. ويهجو الطاغية عيدى أمين فى مقابل مدح العقرب. لكنه لم يجرؤ من قريب أو بعيد على هجاء الطاغية القذافي مقابل مديح نقيضه من البهائم والحشرات <وهي كثيرة>. كما نجده يكتب مقالة طويلة في أربع حلقات عن جريمة قتل المطربة سوزان تميم، ويسكت عن جرائم اعتقال المثقفين الليبيين وتصفيتهم جسديا. وهو يدرك أن موقع ليبيا وطننا منبراً للمثقفين الليبيين المعارضين، ويكتظ بكتابات جريئة جدا في فضح القذافي ونظامه. فما الذي يبغيه من وراء نشر مقالاته في مثل هكذا موقع، وهو ينشر في كبرى الصحف المصرية.؟! هل هو توجه شخصي منه أم توجيه له بالنشر في موقع ليبيا وطننا، ضمن توجيه النظام لبعض كتبته الثورجيين والمخابراتيين، أمثال مصطفى الزائدي وعاشور الورفلي والخوجة وشاكير، وآخرين، بمزاحمة كتابات المعارضين في المواقع الخارجية؟!

3

على مستوى العلاقة الشخصية تعرفت على أحمد إبراهيم الفقيه في لقاءات متواترة بين طرابلس والقاهرة. فعرفت فيه شخصا ودوداً ومرحاً. وأكن له كمبدع، وخصوصا ككاتب قصة قصيرة ومسرح، إعجاباً كبيراً. لكن العلاقة الشخصية والاعجاب بأدبه لا يمنعان من انتقاد موقفه كمثقف مُدجّن في حضيرة مثقفي السلطة الباغية. لقد اختار منافقة النظام مثل كثيرين من مثقفي سلطان القذافي.متصوِّراً أنه بوسعه أن يمسك العصا من الوسط. بحيث لا يجد ضررا في منافقة النظام وكيل المديح للقذافي،لأجل التمتّع بالمناصب والمكاسب والمزايا المعيشية والحياتية المريحة،مع تكريس جل كتابتاته للإبداع ضمن شروط الإبداع الفنيّة، مُعتقدا، أنه يستطيع بذلك أن يفصل ما بين التكسُّب السياسي والإبداع الأدبي، وأنه سُيذكر في النهاية كمبدع وستُنسى كتاباته ومواقفه المتملِّقة لنظام القذافي البشع. مثل كتابته في مديح هراء القذافي في مجموعته "القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء"، وتنظيمه لندوات ثقافية في تمجيد "عبقرية القائد" الفكرية والأدبية، وغير ذلك من كتاباته ومواقفه في الدعاية للقذافي ونظامه. وقد أمعن في إظهار مجموعة "قصص" القذافي التافهة، على أنها إبداع خارق للعادة، وإن القارئ سيجد فيها "المتعة الروحية"، وستحرك:" في نفسه رغبة صادقة تتجاوز سلبيات الواقع شوقا إلى معانقة الأبهى والأجمل في الحياة.." وخذ من هذا النفاق الفاقع من قلم مبدع كبير في فن القصة والرواية والمسرح، يُفترض أن يحترم مكانته وسمعته الأدبية، وقبل كل شيء ضمير المثقف فيه. فهو يدرك جيداً في نفسه أن كتابات القذافي أسخف من أن تُنشر في كتاب. ومكانها في أحسن الأحوال بريد القراء في الجرائد المحلية.

4

أما المثال الثاني فهو الكاتب الروائي إبراهيم الكوني، الذي تعرفت عليه في المجر العام 1984، قبل أن أتعرف عليه في ليبيا. وهو شخص خلوق بامتياز. يملك روح طوارقية رائعة في طيبتها وعفويتها. تعمقت علاقتي به في قبرص، بعدما تحول إلى تجربة الكاتب الناسك. وكان بحق ناسكا في معاشه ورغباته في تلك الفترة. وقضينا وقتا طويلا في التنزه ومطارحة الأفكار الفلسفية والكثير من الأحاديث في مقت الديكتاتورية.وكان قد بدأ في تلك الفترة الكتابة الروائية بغزارة مدوِّخة. كان يكتب في كل الأوقات ما عدا الفترات التي نتلقى فيها، وهي محدودة. وكنت أتمنى عليه ألا تستغرقه الكتابة بهذا السرعة المربكة التي تضر بالنوعية الإبداعية، التي تحتاج دائما للتمهل والتأني في عملية الكتابة،مراجعة وتشطيباً وتبيضا. لكنه كان مندمجا في غمار معركة تحدي وجودي مع المرض مما دفعه لتكريس جل وقته لإنجاز، بأسرع وقت ممكن، ما تساهل في إنجازه خلال عقدين مضت. ومنذ إلتقينا في منتصف الثمانينات، وحتى اليوم في أواخر عشرية القرن الجديد، أنتج الكوني عشرات الكتب، وأصبح كاتبا عالميا يُشار إليه بالبنان، حتى أنه مرشح محتمل لنيل جائزة نوبل للأداب. ولمكانته الأدبية الرفيعة هذه، أتمنىّ عليه،أن يكون وفياً لروح الصحراء الليبية التي أحبها، ومنحته كل هذا الخيال الإبداعي الأغني من كل ما يستخرجه طاغية سرت من مليارات الدولارات، خلاصة الحيوانات والنباتات المقبورة لمئات السنين، مستحاثة في طيات أغوار جوف الصحراء الكبرى،يوظفها في خدمة إدامة نظامه الاستبدادي،والتبذير على أهوائه وملذاته ومفاسده. وأن يكون وفيا بالدرجة الأولى لأهله طوراق الصحراء،المجبولين على النبل والشرف والصدق والأنفة، ومقت النفاق والتملق، والذود عن الحق ورفض الظلم.

من الرائع أن يكون لدى ليبيا أديبان مجيدان وشهيران، مثل أحمد إبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني. لكن من المؤسف أنهما ليس فقط ملتزمين الصمت حيال استبداد النظام وفساده، وإنما متورطين، بشكل أو بآخر، في خدمته، أكان عن إضطرار أو عن اختيار، لا يهم. فذلك على الضد من الضمير الأخلاقي للمبدع ـ المثقف، الذي يفرض عليهما ألا يسكتا عن ظلم القذافي وقهره. فالمثقف الساكت عن قول الحق شيطان أخرس. ولا ولاء للمثقف إلا للحقيقة والعدالة. إن المثقفين الحقيقيين هم مثقفو "السلطة الأخلاقية" كما يقول جوليان بندا. فهم ليسوا من العوام، أي :"أولئك الناس العاديين المهتمين بالفائدة المادية والتقدم الشخصي". إن مثقف السلطة الأخلاقية لا بد أن يكون في مصاف "مخلوق نادر لأنه يساند معايير الحقيقة والعدالة الأبدية، ويقول الحق في أصعب الظروف". ودون أن يكون مطلوبا من المثقف الليبي في الداخل هكذا موقف مثالي قد يكون استشهادي كما في موقف المثقف الشهيد عمر النامي أو الكاتب الشهيد ضيف الغزال أو الشاعر الشعبي الشهيد محمود شعيب السلطني، وغيرهم كثر من شهداء كلمة الحق. ودون أن يُطلب من المثقف الليبي أن يكون جريئا وشجاعا إلى حد الشهادة، يكفى إلتزامه بضمير سلطته الأخلاقية في عدم مساندة الطاغية ونظامه، كتابة أو نشاطا.

إنه من حق الكاتب المبدع اختيار الابتعاد عن السياسة والتفرغ لمشروع الكتابة الإبداعية الأدبية والفكرية. أما إذا اختار مسك العصا من الوسط، أي الموائمة بين موالاته للنظام الاستبدادي وبين الكتابة الأدبية، فإنه يصبح بالضرورة عرضة للإدانة الأخلاقية من شعبه. ولن يغطي الإبداع الأدبي، حتى في مستوى إبداع أحمد إبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني،على مواقفهما السياسية في مديح القذافي والسكوت على جرائمه الفظيعة ضد الليبيين على مدى أربعة عقود. والحال أن كل المثقفين الموالين، بشكل أو بأخر،لنظام القذافي البشع، في قفص الإدانة الأخلاقية، التي ستظل لصيقة بهم ما لم يفكوا ارتباطهم نهائيا بنظام الاستبداد والفساد. ويحضرني هنا الشاعر ـ المثقف المكسيكي أكتافيو باز، الحائز على جائزة نوبل للأدب العام 1990، الذي استقال من عمله سفيرا للمكسيك احتجاجا على قمع سلطات بلاده لمظاهرات الطلبة مما أدى إلى مصرع حوالي ثلاثمائة طالب... فكيف يكون موقف الكاتب ـ المثقف الليبي، لا سيما في مكانة أدبية رفعية كالتي يحظى بها أحمد إبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني، عربيا وعالميا، إزاء مذبحة سجن بوسليم التي راح ضحيتها 1200 سجين رأي وبأمر مباشر من العقيد القذافي. وهل يليق بأحمد إبراهيم الفقيه الاستمرار في خدمة نظام القذافي وكيل المديح لـ"عبقرية القائد"؟! وهل يليق بإبراهيم الكوني الحضور مع القذافي في ندوة تلفزيونية ومديحه في صورة "نبي الصحراء"، أو الحضور في خيمته مع وفد من وجهاء الطوراق لتقديم وثيقة عهد ومبايعة أو قبوله بأن يكون مستشار رئيس لجنة "جائزة القذافي للأدب" التي رفضها الكاتب الأسباني الشريف خوان غويتيسولو، لأنه، كما قال:" من المستحيل تماماً أن أقبل جائزة يمنحها القذافي.".. فهل يطمح الليبيون، الذين يُقدرون حق التقدير الإبداعات الرائعة لإثنين من أبرز أدباءهم في العصر الحديث، ألاّ يتوقفا عن منافقة القذافي ونظامه فقط، وإنما يعلنان الخروج عليه، لا سيما انهما في وضع مالي مريح غير مضطرين معه لمزيد من تملق طاغية مخبول فاسد ينوي توريث تركته السلطوية العفنة إلى إبنه الأكثر منه فسادا ونذالة وتفاهة.

فرج بو العَشّة
faragasha@yahoo.com
http://alasha56.maktoobblog.com

________________________________________________

* سبق لي نشر هذا المقال في مدونتي http://alasha56.maktoobblog.com بتاريخ 8 نوفمبر 2009


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home