Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 8 November, 2007

أسوار الرأسمالية العظيمة!(*)

فرج بوالعَـشّة

سقط الجدار بعدما ثُقب بالفجوات. فجوات في الاسمنت وفجوات، أمضى هدما، فى بنية الايديولوجية الكليانية (التوتاليتارية) الحمراء!
سقط الجدار الذى كان يحبل ببذرة انهياره منذ لحظة بنائه. لم يكن، فقط، جدارا يفصل بين دولتين لشعب واحد. وانما، فى الاساس، هو عنوان حرب: باردة في الغرب الرأسمالي المتنعم، ومشتعلة في أطراف العالم الثالث. كان سور برلين خطا جبهويا، لجهة القلعة الشيوعية البوليسية المصابة بالبارانويا. بنته ليكون مانعا للهروب من الشرق إلى الغرب. سماه المعسكر الشيوعى بـ"جدار السلام" وسماه المعسكر الرأسمالى بـ "جدار العار".

وكان أن استسلمت القبضة البوليسية اداة الشيوعية التوتاليتارية لقوة الرأسمال، وسحر اعلاناتها (تعال حيث النكهة)، التى تسربت - كحصان طروادة - الى داخل القلعة، و"سممت عقول المواطنين" - حسب اتهام الدعاية الشيوعية للدعاية الرأسمالية!

كان العامل فى العالم الشيوعى الذى يحلم برسم خلاصه واقامة الفردوس الارضى له، يعيش على الكفاف فيما يعيش ارباب الحزب وحراسه، طبقة التكنو - بيروقراطية فى عالم من البذخ والعز، خاص ومعزول، بينما نجد العامل، فى العالم الرأسمالى حيث يهيمن ارباب المال والعمل، يصبح مالكا لبيت وسيارة وكلب ايضا!

وعندما أسقطت الجماهير الألمانية حائط برلين عام 1989 لاح في أفق المستقبل عصر تعميم الحرية، وعالم بلا أسوار. ظهرت تعبيراتها في: حرية الحركة والتنقل بلا قيود، وحرية التجارة، وحرية الاختيار والانتخاب، وحرية المبادرة الفردية!

لقد تمثل النصر العالمي الساحق للرأسمالية في إسقاط الحدود المحصنة، حيث مزقت دستة، من دول أوروبا الشرقية، السور الشيوعي الحديدي واندمجت في العالم الرأسمالي!

ولكن وإن انقضى عصر الأسوار الإيديولوجية، فإن عصرا جديدا من الأسوار انبثق. إنها أسوار الخوف من الآخر: الفقير المهاجر - المُهرِّب - "الإرهابي". ومن الأمثلة على ذلك: قامت السعودية، على الضد من اتفاقية الحدود مع اليمن، تبني سورا اسمنتيا ضخما يمتد على طول الحدود المشتركة خوفا من الارهابيين المزعومين، والمهاجرين غير الشرعيين وعصابات المهربين. هذا غير المخطط السعودي لتشيّد سور بطول 900 كيلو متر على امتداد الحدود مع العراق، بتكلفة مليار دولار. ويتكون السور من أسلاك شائكة ممتدة في صفين على طول الحدود مع العراق، ومزودا بأجهزة تصوير حراري ورادار. ويقال إن من بين الشركات المرشحة لإنجاز المشروع "مجموعة بن لادن" السعودية. ويقال إن هذا السور جزء من مشروع تسوير كل حدود مملكة آل سعود، البالغ طولها 6500 كيلومتر، مزودة بأجهزة رادار، ومراكز رصد، وشبكات اتصالات، وطائرات مراقبة على طول الحدود!

أما الهند، ورغم أنها أفقر من السعودية، فقد بدأت في بناء حائط ترابي بارتفاع ثلاثة أمتار، يفصل ما بين كشمير "الهندية" وكشمير "الباكستانية" بطول 1800 كيلومتر. وبوتسوانا شرعت في بناء سياج إلكتروني على امتداد حدودها مع زيمبابوي، الذي يُذكّر بالسياج الكهربائي (ذي الضغط العالي المميت) بناه نظام جنوب إفريقيا العنصري. وفي أمريكا الوسطى قامت كوستاريكا بتسييج حدودها ضد جارتها نيكاراغوا اقتداء بما قامت به الولايات المتحدة ضد المكسيك!

وتتضمن قائمة الأسوار سور الفصل العنصري الصهيو-نازي الممتد لأكثر من سبعمائة كيلومتر، وبارتفاع ثمانية أمتار، داخل أراضي فلسطين المحتلة بعد حرب يونيو 67، ملتهما، بشكل احتوائي لصوصي، 42% من الضفة الغربية. وفكرة هذا الجدار الصهيوني العنصري، ليس فكرة طارئة من بنات أفكار شارون، إنما رؤية راسبة في الذهنية اليهودية الغيتوية. ويعود تأسيس مفهومه الصهيو-قوموي إلى فلاديمير جابوتنسكي، الذي، كما يقول محمد جمال باروت: " تصور ثلاثة حلولٍ حصرية لـ"المشكلة العربية" في دولة "إسرائيل" قبل قيامها، هما حل "الترانسفير" القسري، وحل "مبادلة السكان"، أو إقامة "سور حديدي لايمكن للسكان الأصليين أن يخترقوه. هذه سياستنا تجاه العرب، وإن صوغها بـأي طريقة أخرى يعدّ نفاقاً" فـ"كلّنا نصفّق ليل نهار للسور الحديدي" على حد تعبير جابوتنسكي.."!

وهذه الأسوار، على تنوعات أغراضها، ليست مجرد حواجز على حدود وطنية. إنها نظام مركّب من نظام تحصينات ورقابة ودوريات مسلحة، ومعتقلات. ولكثرتها جعلت أكثر من نصف الكرة الأرضية مغلق بأسوار تمتد لحوالي اثني عشر ألف كيلومتر، معظمها لصد المهاجرين، عابري الحدود، في اتجاه حصون السوق الحر. علاوة على أن الحدود ليست فقط جغرافية، وإنما أيضا لها أبعاد رقمية. ومثال ذلك القارة الأوروبية. حيث تُستخدم طرائق تبادل المعلومات حديثة، تسمى Prosecur وتُعتبر واحدة من أهم الأسلحة لدي أجهزة حرس الحدود. وقد انفق الاتحاد الأوروبي مئات الملايين من اليوروات على إقامة ستار إلكتروني بامتداد حدوده الشرقية. ويصل الأمر إلى استخدام إعلانات أضواء النيون، كما هو الحال على امتداد الحدود، الأمريكية - المكسيكية، من تيجوانا إلى سان ديجو، حيث تنتشر بلاكات إعلانية مكتوب عليها بحروف عملاقة مضيئة تطالب بوقف غزوات اختراق الحدود. في تعبير نيوني صارخ عن رهاب الأجانب، المعبر عن المزاج العام المتصاعد علانية في الولايات المتحدة، الذي كان وراء قرار مجلس النواب بتحصين الحدود مع المكسيك بسياج (محصن إلكترونيا) بطول 1125 كيلومتراً!

فمنذ أن بدأت الولايات المتحدة في تسييج حدودها، في بداية التسعينيات، وجدت نفسها في حرب مع المهاجرين غير الشرعيين. والجدران الصلبة التي بنتها وتبنيها بارتفاع أربعة امتار ونصف هي التجسيد الأمثل للفصل بين العالم الثالث، والعالم الأول أو بلغة اليوم بين الشمال الرأسمالي الغني والجنوب المُفقَّر، حيث سوق يده العاملة الرخيصة!

وعلى عكس سياسات الجماعة الأوروبية، المقيدة لسوق اليد العاملة، ترغب الولايات المتحدة، بواسطة جدرانها العالية الحاجزة، على الحدود مع المكسيك، ضبط وتنظيم التدفق الدائم لليد العاملة الرخيصة من الجنوب، وليس منعها!

ونتيجة لفشل الولايات المتحدة في حربها ضد من تسميهم "أعداء الديمقراطية"، أصبحت تخشى من دخولهم إلى أمريكا. وقد جيشت قوات من المارينز والقبعات الخضر مع الحرس الوطني لحماية صحراء كاليفورنيا، من تسلل "البرابرة الجدد" إلى عمقها!

إن حرية حركة الرأسمال، وحرية التنقل واختيار مكان الإقامة، التي تُعتبر من أهم المبادئ الجوهرية للعقيدة الليبرالية، تم التخلي عنها في عصر العولمة النيوليبرالية، رغم تمجيدها لحركة الرأسمال غير المقيّد السيادة، الذي يخترق كل الحدود، بينما الفقراء في بؤس فاقتهم عرضة للموت في الصحارى والبحار، أو الاعتقال والطرد، في محاولاتهم التي تتوقف، لاختراق أسوار الرأسمالية!

إن الأسوار تنجب أسوارا. والإمبريالية تنتج همجية وحشية. ومحاربة الإرهاب تُخلّق إرهابات. إن الأمل اليوتيبي، الذي لاح مع انهيار جدار برلين عام 1989 أصبح اليوم، ومع كل يوم، يموت مع كل جثة متسلل ميت عطشا في صحراء أريزونا، أو غرقا في مياه البحر المتوسط!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأربعاء 7 نوفمبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home