Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 8 May, 2008


تلاقح الحضارات! (1)
تلفيق بلاد الإغريق
(*)

فرج بوالعَـشّة

"أثينا السوداء ـ أو تلفيق بلاد الإغريق" - هو عنوان نظرية تاريخية تشتغل على تفكيك مسلمات ما يمكن تسميته بنظرية "أثينا البيضاء"، التي عملت، عبر قرون طوال، على أوْربة الحضارة الإغريقية. إذ غربنتها (من الغرب). وعرقتها آريا(من العرق الآري). حيث اجتثتها من بيئتها الثقافية الطبيعية وقطعت اتصالها الحضاري(الجيو ـ تاريخي) بأصولها في حوض الحضارات الشرقية. وبالتالي، تم تطويبها معجزة حضارية غربية صرفة. الأمر الذي تأتى عنه اختلاق تاريخ ملفق، عمّق التباسات الأزمنة الحضارية المتقاطعة التي قامت وتقيم حول البحر الأبيض المتوسط، متحايثة ومتداخلة على تنافر عدائي متصل بتراكم تاريخي من شناعات حروب دموية، غذت وعزّزت، باستمرار، نزعات الكراهية والإقصاء المتبادلة على عدوتي المتوسط، محمولة على مبدأ تمييزي تعسفي، يفترض أو يفرض معادلة وجودية نافية جازمة، قاطعة بأن الشرق شرق والغرب غرب. ولن يلتقيا وكأنهما متوازيان هندسيان!على الرغم مما تنطوي عليه حقائق الشواهد والقرائن والأدلة التاريخية ـ الأركيولوجية ـ من جوهر حوار حضاري خلاق، يتكشف لنا بعد إزاحة المعلومات والتفسيرات التاريخية ـ الأيديولوجية المغلوطة والمشوهة، في صيغة قراءات "علموية" تحريفية، نعثر على بنية حضارة متوسطية كبرى مشتركة نمت وتطورت عبر تبادل الأدوار الحضارية في مضمار سياق تتابع ثقافي تناقلت فيه الأطراف مركزية الحضارة حول مائدة المتوسط المائية المستديرة الهائلة رغم فائض الحروب والضحايا والأحقاد!

لقد تواصل البريد الحضاري (الأسطوري ، الشعري ، فالفلسفي، فالعلمي)عبر تبادل التجارة والهجرات والغزوات والمستوطنات واللغات.

كانت الحضارات المتعددة الآلهة والأساطير تتبادل (تتلاقح) التأثر والتأثير الحضاريين من طريق التجارة والهجرات والفتوحات والمستوطنات في دورات تاريخية متداولة، من دون تصورات قوموية شوفينية، وان وجدت، وقد وُجِدت، لكنها بقت في حدود ضيقة ما قبل أيديولوجية، إذ أن تاريخ الأيديولوجيات لم يكن قد ظهر بعد.

كانت الحضارات وقتها، في طور تشكيل الهوية المميزة للشخصية القومية. كان السؤال الكبير الذي تمركزت حوله الحضارات المتوسطية الأولى، من جلجامش، خلل أبي الهول، إلى أوديب، هو السؤال الوجودي الأزلي.. ما معنى الحياة؟! ما سر الموت؟!

يفكك مارتن برنال، في المجلد الأول الضخم من مشروعه النظري الكبير ـ "أثينا السوداء ـ أو تلفيق بلاد الإغريق " ـ مركبات تاريخ الحضارات الملغم بمسلمات صوابية معززة بمعلومات مغلوطة مشوّّّشة ومشوِّشة، في محاولة محسوبة لفض اشتباك الأزمنة الحضارية الملتبسة بين الشرق والغرب أو الجنوب والشمال على ضفاف البحر الأبيض المتوسط وامتداداتها في دواخل الشرق الأوسط والأدنى.

حتى ملامسة شرقه الأقصى في فضاء الحضارة الهندية ـ الصينية، وغربا حتى جبال الأورال الفاصلة، ونقطة انقفال الدائرة الأوروبية الآسيوية.

إن نقطة الوصل المفقودة، أو قل المحذوفة، بين الحضارات الشرقية وبين الحضارة الإغريقية، هي، في الأساس، بحسب فرضية مارتن برنال، الحضارة المصرية، والى ذلك، تأثيرات ساعي البريد الحضاري، أي الفينيقيين وبالعودة على بدء الإرهاصات الحضارية الأولية في الشرق القديم، في بلاد ما بين النهرين (الشرق الأدنى)، حيث جرى إهمال هذه الأصول بالسكوت عنها وتصميتها كي تبدو الحضارة الإغريقية أوروبية صرفة وفقا لنموذج معد سلفا، يصطلح برنال على تسميته بـ "النموذج الآري"يقابله في الطرف الآخر من المعادلة نموذج ثان، يعترف، إلى حد ما، بأن الحضارة الإغريقية شرقية المصدر "Levantine" ويطلق عليه تسمية "النموذج القديم".

إن لفظة أو مصطلح"نموذج"تعني عند مارتن برنال: "بشكل عام تصميما مصغرا ومبسطا لحقيقة معقدة". ومقابلة أطروحتيْ النموذجين المذكورين، يطرح برنال نموذجه المقترح، محسنا ومطورا ومعمقا لـ"النموذج القديم" ويطلق عليه تسمية"النموذج القديم المعدّل"وسيستهدف بالنقض بنية"النموذج الآري"الذي رسّخ وزيّن تصورا نظريا علمويا فوق تاريخي، اصطفى وطوّب الحضارة الإغريقية جوهرة أوروبية غربية خالصة التمركز، ومتخلّقة في ذاتها وبذاتها!

وإذا كان"النموذج القديم"يقر، بالاستناد إلى شواهد تاريخية وأركيولوجية(أثرية)إن "الثقافة الإغريقية قد ظهرت نتيجة لنشاط استيطاني أو استعماري قام به المصريون والفنيقيون حوالي (1500ق. م) ووضعوا من خلاله أبناء المنطقة على طريق التحضر. وقد استمر الإغريق بعد ذلك في نقلهم عن ثقافات الشرق الأدنى بشكل واسع". فإن مارتن برنال بناء على نموذجه القديم المعدّل، يقترح بداية مبكرة بعض الشيء لهذا الاستيطان الحضاري(المصري ـ الفينيقي) لمناطق استراتيجية في البر اليوناني، ويردها إلى النصف الأول من الألف الثانية ق.م.

ووفق لهذا التعديل، يُجري مارتن برنال قراءة تاريخية اركيولوجية بمنهج ابستمولوجي(معرفي)، بمعنى أركيولوجيا المعرفة، مزودا بأدوات دراسية بينية تبحث وتنقب في مواد الحضارة الإغريقية وتحلل عواملها الأولية. وفيما هي تفكك مبيان بنية"النموذج الآري"الملفق تبني نموذجها"النموذج القديم المعدل" الذي يسعى إلى البرهنة العلمية على أن الحضارة الإغريقية وليدة تلاقح حضاري عضوي بين معطيات الثقافة اليونانية المحلية والتأثيرات الحضارية الجذرية الوافدة والمستوطِنة في مستعمرات متقدمة في البر اليوناني، تكونت من خلال موجات استعمارية استيطانية قدمت من البر الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وعدم الإقرار والأخذ بهذه الحقائق التاريخية من قبل مؤرخي " النموذج الآري"أسفر عن تراث ملفق، حشر وحصر الحضارة الإغريقية في أسر قراءة إسقاطية سابقة التجهيز النظري الممنهج، المحمول على تفكير رغبي، وبالتالي، نتائج مسبقة، عمقت التباسات الأزمنة التاريخية وعمّمت أفكاراً تمويهية حد تشويه وتحريف الوقائع التاريخية وشواهد اللقى الأثرية والأساطير والملاحم المقارنة التي تناقض ايمانيات"النموذج الآري"الذي عظّم من شأن منهجه الصوابي كمرجع وممثل شرعي وحيد لأصل وفصل الحضارة الإغريقية وتأصيلها على انها حضارة أوروبية!

ولذلك رُفض النظر من موقع"النموذج الآري"في أصول القرابة اللغوية الألسنية الوثيقة بين اللغة الإغريقية من جهة واللغة المصرية واللغات السامية (والفنيقية على نحو خاص) من ناحية أخرى، وإن كان "النموذج الآري"لم يرفض قطعيا وجود تأثيرات شرقية، إلا أنه يُبخِس مؤثراتها الموضوعية ويظهرها في خطابه حاشية عابرة!.. يتبع.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 8 مايو 2008م.



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home