Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 8 February, 2007

إعتذار بالملايـيـن!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

في 26 يناير قدمت الدولة الكندية اعتذارا رسميا لمهندس البرمجيات، المواطن الكندي، السوري الأصل، ماهر عرار . وقبلت، بعد تسوية قانونية مع مواطنها المتضرر، بدفع 10.5 مليون دولار كندي (8.9 مليون دولار أمريكي) تعويضا له عما أصابه من ضرر بسبب تصنيفه من طرف الشرطة الكندية على أنه متطرف إسلامي. الأمر الذي أدى إلى ترحيله إلى سوريا، وتعرضه للسجن والتعذيب هناك!
خاض ماهر عرار رحلة عذاب مضنية دامت أكثر من سنة. اعتقلته المخابرات الأمريكية، أثناء توقفه في مطار جون كينيدي بنيويورك، في شهر سبتمبر عام 2002، بينما كان يقوم بتبديل الطائرة في طريق العودة من عطلة قضاها في تونس.واستجوبوه لمدة عشرة أيام، بأساليب التحقيق المكثف والتعذيب النفسي. ثم قاموا، بالاتفاق مع السلطات الكندية، بترحيله إلى موطنه الأصلي (سوريا)، عبر الأردن، للاستفادة من الخبرة العربية "الفاخرة" في استخلاص الاعترافات، إلى درجة القدرة على جعل الغزال يعترف أنه قط ضال!

سُجن في سوريا لأكثر من سنة، تعرض خلالها للتعذيب الجسدي والعقلي، لإجباره على الاعتراف بما لم يرتكبه: "لم أعد أستطيع تحمل الألم، فاعترفتُ كاذباً بأنني كنت في أفغانستان." قال عرار!

وبعد حول من القهر النفسي والتعذيب الجسدي، اضطرت السلطات السورية للإفراج عنه، نتيجة للحملة البطولية التي قادتها زوجته السيدة د. مونيا مزيغ، في كندا، دون كلل ولا ملل، من خلال إثارة قضيته في أروقة البرلمان الكندي، وداخل الأحزاب، ومنظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام، من أجل الإفراج عنه، والسماح بعودته إلى كندا. وهو ما حدث بالفعل، بفضل ضغط الرأي العام الكندي. ولم يجد دبلوماسي سوري، في السفارة السورية بواشنطن، ما يدافع به عن موقف بلاده، إلا الاعتراف، ردا على سؤال من إذاعة كندية عن سبب احتجاز السيد عرار كل هذه المدة في سوريا، قائلا: "لو لم نفعل لاتهمتنا الإدارة الأمريكية بدعم الإرهاب.."!

لقد حاولت السلطات الكندية التملص من مسؤولياتها عما أصاب عرار. واعتبرت نفسها غير ذي صلة. لكنها تحت ضغط منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام، المطالبة بإجلاء الحقيقة، أمرت الحكومة الكندية بتشكيل لجنة تحقيق قضائية لمعرفة الحقيقة. وقد ظهرت في عامي 2002 و2003"، علاوة على إعلان السلطات الكندية بأنها ستتقدم باحتجاج رسمي إلى الولايات المتحدة الأمريكية حول قضية إبعاده إلى سورية عام 2002 إثر شكوك حول صلاته بتنظيم القاعدة!

ولأن من حسن حظ ماهر عرار أنه مواطن كندي، (سوري سابقا!)، رفض أن يكون على شاكلة القطعان العرب، بحيث يُسجن ويُعذب ويهان، ثم يلقى به إلى شارع الحياة دون تفسير لما حدث له، حيث لا يجوز لك مجرد تصور فكرة الاعتذار له، ولو من طرف رجل أمن برتبة أمباشي!

اختار ماهر عرار، بدعم من زوجته، المواطنة الحرة مثله أن يجعل من قضيته الشخصية قضية عامة تمس كل ضحايا التعذيب. ودعم موقفه برفع قضية، عن طريق فريق من المحامين، ضد جون اشكروفت المدعي العام الأمريكي، وجون كريتيان رئيس الوزراء الكندي السابق، وروبرت ميللر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية، وجوليانو زاغارده رئيس الجندرمة الكندية، مطالبا بتعويضات تصل لمئات الملايين من الدولارات، مستهدفا من وراء ذلك القصاص القانوني العادل من صناع الظلم الذي طال مئات، وربما آلاف، المعتقلين الأبرياء، ذوي البشرة - الهوية الإسلامية، باسم "مكافحة الإرهاب"!

وذلك ما جعل مجلة التايم الأمريكية، في طبعتها الكندية، تختار ماهر عرار -34 عاما- مهندس الكمبيوتر الكندي من أصل سوري كشخصية وصانع للأخبار عام 2004، لأنه، في تقييمها الإعلامي، مثّل موقفا إنسانيا صلبا، دفاعا عن الحريات العامة، الأمر الذي ترك تأثيره الواسع في الرأي العام الكندي، وفرض على الدولة الكندية ضرورة مراجعة قوانين مكافحة الإرهاب.ويعود موقف ماهر عرار البطولي، في الأساس، انه قرر أن يتحدث بالتفصيل عما تعرض له من تعذيب شنيع في سوريا، بلاده الأصلية، رغم خطورة ذلك على أهله وأقربائه في سوريا. حكى عن زمنه المميت بالحياة التي قضاها في زنزانته - القبر. وعن أنين وصرخات السجناء المعذبين الذين يُعذبون في زنازين مركز التعذيب الملاصقة لزنزانته في معتقل "فرع فلسطين" الشهير، التابع للمخابرات السورية في دمشق!

وبغض النظر عن قيمة التعويض المالي، الذي لا يعوض ما لاقه ماهر عرار، ولو ثانية، من امتهان لكرامته وحريته سواء لبضعة أيام في مطار جي إف كندي، أو خلال أزمنة وحشية في دهاليز المخابرات الأردنية ثم السورية، فإن اعتذار رئيس وزراء كندا، أمام كاميرات الأخ الأكبر، باسم الدولة الكندية، يُعد تعويضا بالغ الأهمية في دلالته الإنسانية.لأنه يعطي درسا للدولة الكندية حتى لا تفرط، بسهولة، في حقوق مواطن آخر بجريرة أن آسمه عربي، أو لأنه مسلم ملتحي. كما هو إمعان في فضح الدولة العربية المفضوحة، وإن كانت تملك من الصفاقة ما يجعل ممثلها الدبلوماسي يصرح بضمير مرتاح:" لو لم نفعل ذلك لاتهمتنا الإدارة الأمريكية بدعم الإرهاب.."!

والحال هذه لا يملك المرء العربي التعيس المهان في اليقظة وفي المنام، إلا أن يتوسل ربه ان يجعله في هذه الأرض في منزلة مواطن كندي. حيث كما قال أحد القراء العرب المهانين، تعليقا على ما أصاب، المواطن عرار ذي الأصل السوري:"رب ضارة نافعة. فمن حسن حظ "عرار" انهم اتهموه تهمه فأتت الرياح بما لا تشتهي السفن، فهنيئا لك أيها المهندس واذا أرادوا اتهام آخر فانا موجود مبارك الثروة سبحان الله وبحمده!.."

و قبل أن تعوض عن ربع المتضررين، على أكثر تقدير!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 8 فبراير 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home