Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Thursday, 5 January, 2006

العرب ومفهوم الوطن!

فرج أبوالعـشة

فكرة الوطن بمعناها الحديث إنتاج غربي. وكلمة وطن اللاتينية Patria كانت تدل، في الأصل، على الأبرشية أو الأسقفية التي: «تقدم إطارا إداريا، والأسقف فيها ـ والد الوطن Pater Ptria ـ وهو الرئيس». كما أن مفهوم الضرائب، الذي يفسر مفهوم المواطن، في العصر الحديث، بوصفه: «دافع ضرائب»، يعود منشأه التاريخي، إلى الحكم الكهنوتي الكنسي، عندما أذِن البابا للأمراء بجباية الضرائب لصالح تمويل الحروب الصليبية. ليستمر الأمر، بعد نهاية تلك الحروب، لما وجد الحكام، في جباية الضرائب، ركيزة أساسية للنظام، فحل: «النشاط الضريبي، لأسباب الدفاع، أو لضرورات الحكم، وبصورة غير محسوسة، محل النشاط لأسباب الدفاع عن الأرض المقدسة، أو لضرورات حكمها».. ومع تفكّك الإمبراطورية الغربية - الرومانية - وتداعي السلطة السياسية للإقطاعيات المحلية، وظهور الدولة الإقليمية، أخذت فكرة الوطن تتخلق في رحم تحولات عصر النهضة، السياسية والفكرية، منذ القرن السادس عشر، محمولة على حركات العصيان الشعبي، ضد حكم الإقطاع والكهنوت، والحكم الملكي المطلق، والمطالبة بحكم زمني مقيد بإرادة الشعب، استناداً إلى الحقيقة القائلة بـ أن: «الحكام أوجدوا من أجل الشعب، وإن الشعب لم يوجد من أجل الحكام».. ولذلك لابد من: «عقد متبادل بين الملك والمواطنين»، كما تخلقت فكرة حب الوطن وتقديسه، والموت من أجله، من مبدأ «التضحية المقدسة» من أجل المسيحية. إذ كان الموت في الحروب الصليبية يُعتبر «شهادة» في محبة الرب. ثم ارتبط مفهوم التضحية بالحياة محبة في الرب، بمحبة الآخرين، إخوة الوطن، الذي اتخذ شكل: «الجسم الروحاني». وظهرت أغاني تمجيد الوطن، كما في «أغنية رولان» في تمجيد فرنسا، أرضا ووطنا. ودُمجت قدسية يسوع - الملك بقدسية الوطن - الملك، كما في أسطورة «جان دارك»، المحاربة ضد الغزاة الإنجليز، رافعة شعار: «من يعلن الحرب على مملكة فرنسا المقدسة، يعلن الحرب على يسوع الملك».

ومن عصر النهضة، إلى عصر الحداثة، تطور مفهوم الوطن وتأصل، انطلاقا من الثورة الفرنسية، وشعاراتها وأفكارها السياسية، في حقوق الإنسان والمواطن، والنشيد الوطني والعيد الوطني، والجمعية الوطنية، وسيادة الأمة، وتسمية أنصار الثورة لأنفسهم بـ «الوطنيين»، في مواجهة «أعداء الثورة» من الأرستقراطيين. وازدهرت فكرة الوطن والوطنية، فكرا وأدبا، وفنونا، في عصر الحروب القومية الأوروبية.

مع نهاية القرن الثامن عشر، اقتحمت الحركة الاستعمارية الأوروبية وجود العرب، المتبطلين خارج حركة التاريخ ووعيه. لينبثق ما سُمي بـ«عصر النهضة العربية»، التي اشتغل روادها على ترويض اللغة العربية لاستيعاب مفاهيم العصر: الدولة، الحكومة، والنشيد، الانتخاب، مجلس النواب، الوطن، المواطن، الوطنية.. وغيرها آلاف المفردات والمفاهيم والمصطلحات، دون أن تتنزل تمظهراتها، بشكل حقيقي، على أرض الواقع.

في الغرب، بعد الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية. وأمام فائض الجثث والدم والخراب، سقطت قدسية الوطن، وغنائية خوض الحروب باسمه، خارج أراضيه، وتبجيل الموت في سبيله.

لقد أحدثت الحربان العالميتان المهلكتان، ردة فعل شعبي ونخبوي، في القارة الأوروبية، تزدري فكرة الحرب، وثقافة التوسل بتقديس الوطن وتمجيد الاستشهاد في سبيله، لسوق الشعوب كالقطعان إلى مسالخ الحروب، ضد بعضها البعض، لصالح مصالح الطبقات الأرستقراطية والبرجوازية، أو العقائد الشمولية. فحسب الشاعر الفرنسي الكبير جاك بريفير: «ما الشهيد؟! إنه ليس إلا جثة قاربت الفساد».. لأنه ضحية: «حشو الدماغ بالكلام الفارغ».

لقد كانت نهاية الحرب العالمية الثانية، نهاية للأفكار والإيديولوجيات القديمة، عن الوطن والوطنية، في أوروبا الغربية تحديدا. لاسيما في مناخ الفلسفة الوجودية، واشتعال ثورة 68 الطلابية، التي أسقطت قامة ديغول «الجنرال الوطني»، وتطرفت في «خيانة» فكرة الوطن، إلى درجة التبول على قبر الجندي المجهول المُقام تحت قوس النصر. ورغم تطرفها الاجتماعي، وفوضوية طرحها السياسي، فإن ثورة الطلاب المجهضة، جذرت رؤية ثورية لما بعد الحداثة.كان فعلها فعل فضح للأخلاقوية والإنسانوية البرجوازية، وتفسيد متعمد لطواطمها المثالية، وتجاوزا لمفهوم الوطن - الدولة، إلى الوطن - العالم الإنساني وبيئة الأرض.

وبهذا المعنى فإن ثورة 68 الطلابية، وإن أُجهضت، تجني، في بداية القرن الجديد، ثمار حركتها وأفكارها، من خلال الحركة الإنسانية الكونية الواسعة، عبر تمثلاتها الجماهيرية المنظمة، في صورة جماعات السلام والدفاع عن البيئة وحقوق الإنسان، أطباء بلا حدود، صحفيين بلا حدود، محامون بلا حدود، مناهضو الحروب والعولمة.. الخ. وهي الحركة الكونية، وقلبها أوروبا «العجوز»، التي وقفت بصلابة ضد أوهام المحافظين الجدد حول بعث روما غربية جديدة، قيصرها في البيت الأبيض، بروح رأسمالية متوحشة. ورأينا كيف حاول بوش، ونجح، في البداية، في خلق هستريا وطنية، على مسحة مسيحية متصهينة، للترويج للحرب، واتهام كل من يعترض عليها بعدم الوطنية، وإصدار قانون الوطنية، فانخلقت مكارثية جديدة، جعلت الإعلام الأمريكي ينساق مع الجو العام في الترويج للحرب وقرع طبولها.لكن مع اشتعال المقاومة العراقية الوطنية، وتوافد توابيت جثث أجناد بوش على أرض «الوطن»، ورفض معظم شعوب العالم لحرب بوش ذي القرن الواحد والعشرين، تحولت الهستريا الوطنية، في أمريكا، إلى ردة فعل متعاظمة في رفضها للحرب، ولقانون الوطنية، الجائر على حقوق الإنسان.

أما حكاية فكرة الوطن، في العالم العربي، فقد تفرخت، اصطناعيا، مع تفريخ الأوطان المركبة حسب سايس وبيكو.وإلى هذه اللحظة لم يتأصل مفهوم الوطن بمعناه العصري الحقيقي. أي توطن الوطن في حقوق المواطنة وواجباتها الكاملة، في فضاء ديمقراطي حقيقي، كامل المعطيات، السياسية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية، دون نقصان أو إخلال أو التدليس. إن فائض الأغاني العربية في حب الوطن وقائد الوطن، وعبادة شخصه، بحسبانه هو الوطن والوطن هو، هي تعابير صارخة عن غياب معنى الوطن الملموس في الواقع الملموس.

أتحدث عن «أوطان» عربية اصطدمت بالحداثة الغربية الكولونيالية، عسكريا وثقافيا واجتماعيا، وتفاعلت معها رفضا وقبولا. خضوعا وممانعة. كما في مصر والعراق وسوريا ولبنان وتونس والمغرب، حيث اجتمعت وضعية الانتداب الأجنبي مع شكل من الديمقراطية الاستلحاقية. ولأسباب مختلفة، وبطرق مختلفة، انزاحت أشكال الاحتلال المباشر ضمن تحولات عصر تصفية الاستعمار. وبينما كانت الجزائر الدولة الوحيدة التي حررت إرادتها الوطنية عن طريق حرب التحرير الشعبية.ثم مصر بفعل ظهور عبد الناصر، بحسبانه بطلا وطنيا وقوميا، فإن بقية أوطان العالم العربي نالت استقلالها، تقريبا، بالتسوية السياسية لصالح نفوذ المستعمر القديم. مما أدخل الكثير منها في هوجة الانقلابات الثورجية والقومجية.

بعد ظهور عبد الناصر، خلال الخمسينيات والستينيات، طغت فكرة الانتماء للوطن العربي الكبير على هوية الوطن القطري.وتدخلت المخابرات الأمريكية للترويج لفكرة الشخصية الوطنية، على وزن الأمة التونسية والأمة الليبية، وتدريس اللغة الفرنسية في المرحلة الابتدائية في المغرب وتونس. بينما اعتبرت الجزائر أرضا فرنسية. وأذكر أني كنت في الفصل الخامس الإبتدائي، عندما قررت الحكومة تعليم الإنجليزية، من المرحلة الابتدائية، والترويج لثقافة الأمة الليبية والشخصية الليبية، ردا على أطروحة ناصر العروبية القومية. لقد اتخذت ليبيا، لأول مرة في تاريخ أهلها، في العهد الملكي 1951 - 1969، شكل الوطن الموحد جيوبولتيكيا. المواطنة، حقوقا وواجبات، أساس الانتماء له. والشرعية الدستورية مرجعية نظامه الديمقراطي، الذي كان نموذجا مائزا في المنطقة العربية. وعندما قام انقلاب الأول من سبتمبر العام 1969، أصبح الحديث عن وجود وطن أسمه ليبيا تهمة. فكان الوطن الوحيد المسموح الحديث عنه هو الوطن العربي: «وطني حبيبي الوطن الأكبر»!!

واليوم في ظل هيمنة مشروع القرن الأمريكي، يعود الترويج لمشروع الشخصية الوطنية والأمة الوطنية، ورفع شعار الوطن أولا، كما في عمان والرياض، حيث يعلو الحديث عن «الأردن أولاً»، و«لبنان أولاً» و«الكويت أولاً» و«مصر أولاً» و«السعودية أولاً» و«الجماهيرية أولا» (وأخيرا!). وذلك لتعويم القضايا الوطنية المصيرية، في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وللتغطية عن التنازل والتبعية للإرادة الخارجية!

إن معنى الوطن لا يستقيم إلا بتحقق المواطنة، بما هي حريات حقوقية: سياسية وقانونية واجتماعية واقتصادية وثقافية.. الخ.

إن الحرية هي المعنى الجوهري لوجود الوطن: حرية شعبه، وسيادته وإرادته. فلا معني للوطن في ظل الخضوع للأجنبي، أكان احتلالا مباشرا، أم هيمنة عن بعد.كما أنه لا معنى للوطن في ظل الخضوع للمستبد المحلي، مهما زعق بحب الوطن والوطنية!!

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home