Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الإثنين 7 ديسمبر 2009

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (4)

فرج بوالعَـشّة

نظّم سي عمر المجاهدين، الذين لم يكن عددهم يتجاوز ألفين وخمسمائة مقاتل داخل الجبل الأخضر، في ثلاثة "أدوار= معسكرات" رئيسة، قادها ثلاثة من كبار قادة المجاهدين. وهم: المجاهد حسين الجويفي قائد "دور البراعصة والدرسة"، والمجاهد يوسف بورحيل قائد "دور العبيد والعرفة"، والمجاهد الفضيل بوعمر قائد "دور العبيدات والحاسة". علاوة على "أدوار" أخرى خارج الجبل الأخضر، مثل "دور المغاربة" الذي كان يقوده المجاهد صالح لطيوش، و"دور العواقير" بقيادة المجاهد عبدالحميد العبار، إضافة إلى "طوابير = تشكيلات" صغيرة منتشرة في أنحاء برقة، إلى جانب مئات المسلحين من أهالي النجوع دون أن يكونوا منظَّمين في معسكرات محددة. ولم تكن "الأدوار" هذه حكرا على أفراد القبائل المسماة بها. فقد كانت تضم مجاهدين من قبائل أخرى كثيرة. وكان المجاهد الملتحق بـ"الأدوار" يأتي بسلاحه، وبجواده إذا كان مُقتدرا، أو يأتي راجلا. وكان لكل "دور" قيادة عسكرية وإدارة مدنية ومرجعية شرعية (قاضي شرعي). وكانت نساء المجاهدين، بشهادة الجنرال غراسياني، يتحملن: "مشقة القيام مع ذويهن في النجوع وفي المدن تحت خطر الوشاية بهن، فيتسللن فيما بعد إلى المعسكرات ويقمن بتضميد الجرحى من المقاتلين وعند الاحتكاك بقواتنا يقمن بمد المقاتلين بالمياه والذخيرة، وعندما يشتد القتال يقمن بحشو البنادق بالذخيرة بحيث لا يُضيّع المقاتل وقته في حشوها، وينقلن الجرحى إلى المخيمات للعلاج والتمريض، ويقدن قوافل الإبل لحمل المياه والمؤن للمقاتلين في المدن". ـ 1 ـ . وكان يرأس "الدور" قائمقام ومعه مجلس مشايخ يعود إليه للتشاور في حل المشاكل المتصلة بشؤون "الدور". وكان سي عمر يرأس مجلس القيادة الأعلى، الذي يضم، إضافة إليه ونائبه المجاهد يوسف بورحيل، عشرة آخرين من كبار قادة المجاهدين. وكانت أبرز مهام المجلس الأعلى رسم الخطط العسكرية الإستراتيجية ومعالجة مشاكل "الأدوار" والنقص في السلاح والذخيرة ومنح الرتب والترقيات للمجاهدين حسب توصيات القادة الميدانيين، والطلب من القبائل تعويض شهدائها من المجاهدين بعدد مساوٍ لسد النقص أو دفع 1000 فرنك عن كل مجند لا تستطيع القبيلة توفيره كي يُجند بالمبلغ أحد غيره. ويقوم المجلس الأعلى أيضا بسن التشريعات والتوجيهات العليا، والنظر في أحكام المحاكم الشرعية بخصوص إنزال القصاص في المجرمين والخونة، وجباية ضرائب الزكاة والأعشار وتلقي التبرعات المالية من التجار والأغنياء. وكان الكثير من الأهالي الخاضعين للسيطرة الاستعمارية يمارسون ما سماه القائد الفاشيستي أتيلو تروتسي والي برقة 1926- 1927 بـ"الذكاء البدوي والمكر الفطري اللذين جعلا السياسية الاستعمارية تتخبط في صيغها العسكرية والحربية"، حتى صارت "السياسة الإيطالية الاستعمارية أضحوكة تتندر بها المحافل السياسية الدولية حيث أوقعتها تلك الحفنة من رجال البادية في تلك اللعبة الماهرة التي رصدها غراتسياني في ظاهرة الولاء المزدوج، الذي أدى إلى التظاهر بالولاء نهاراً والانخراط في صفوف المجاهدين ليلاً، فيما عُرف بحكومة الليل.." ـ 2 ـ

لقد ابتكر سي عمر إستراتيجية جهادية تعتمد على تكتيك الكر والفر. أي الهجوم والانسحاب، مؤسسا بذلك لمفهوم "حرب العصابات" الحديثة، التي قادها من أدغال الجبل الأخضر وأوشازه وأجرافه ووديانه، في سلسلة معارك استنزاف مستمرة لقوة العدو وقدراته طوال عشرين عاما، متجنبا أساليب هجوم الحشود التي تبعها المجاهدون الليبيون في بداية الغزو، لا سيما في طرابلس. فكان ينصب الكمائن لقوات لعدو وينقض في مجموعات صغيرة على حامياته الطرفية وخطوطه الخلفية وطرق امتداداته ودورياته العسكرية، ومخازن تموينه بالغذاء والأسلحة والذخيرة. وكان لديه قوة بارزة من المجاهدين، مختصة بالاستطلاع وجمع المعلومات عن العدو. ومن الأساليب الذكية التي ابتكرها جر قوات العدو إلى معارك وهمية، بحيث يقوم بالقصف المدفعي من البر والبحر على مواقع وهمية للمجاهدين. فيغنم المجاهدون ظروف طلقات المدفعية الفارغة ليصنعوا منها الرصاص ويعبئوها بالبارود.

كانت مصادر أسلحة المجاهدين، عند بداية الغزو الإيطالي،تركية المصدر. وكانت متخلفة بالنسبة إلى أسلحة الغزاة المتطورة. ثم تنوعت أسلحة المجاهدين، أثناء الحرب العالمية الأولى، بالحصول على بنادق ألمانية وحتى بنادق أمريكية من تركيا، لا سيما عن طريق الشحنات التي كان السيد أحمد الشريف يرسلها من منفاه في إستانبول، إضافة إلى ما يهربه الليبيون المهاجرين في مصر. لكن المصدر الرئيس لعتاد المجاهدين كان يأتي من العدو الإيطالي كغنائم معارك أو بالإغارة على مخازن أسلحته وذخيرته، وأيضاً من الأسواق السوداء لبيع الأسلحة، التي كانت منتشرة على نطاق واسع منذ بداية الغزو. ونجد وصف ذلك فيما كتبه مراسل صحيفة السنترال نيوز الإنجليزية في طرابلس: "أتاني أحد العربان ببندقية إيطالية وطلب مني فيها ليرة إنجليزية وأكد لي هذا العربي أنه قتل صاحبها وغنمها منه. أما مهارة العرب في استعمال البنادق من أي نوع فقد كان باعثا لشدة عجبي والغريب أنهم يعرفون السلاح الجيد من غيره كأحد ضباط أركان الحرب".

لقد تمكن المجاهدون من الحصول على آلاف البنادق ومئات مدافع الرشاش من أسلحة المحتلين. وحسب الجنرال غراتسياني فإن: "الشعب الليبي بأسره كان في سنة 1922 مسلحا بأسلحة حربية من كل نوع وبتوسع، ومأخوذة من عدة مصادر.. والمصادر هي: (1) قبل كل شيء الغنائم من المعارك التي خسرناها أثناء الاحتلال الأول. (2) تم الاستيلاء على مخازن الأسلحة إبان انقلابات سنة 1915. (3) وكذلك الإمدادات من الدولة التركية والألمانية. (4) وأخيرا التهريب عن طريق الحدود وبالأخص الشرقية.." ـ 1 ـ

ومنذ أن بدأت المقاومة الجهادية الواسعة في برقة عام 1924، ودون أن نحسب سنوات الجهاد قبلها، قاد سي عمر مع مجاهديه مئات المعارك ضد الغزاة الفاشيست. وقد أقر الجنرال غراتسياني، في مذكراته، بوقوع مائتين وثلاث وستين معركة بين جنوده والمجاهدين بقيادة عمر المختار في مدة لم تتجاوز عشرين شهرا، بدأت بتولي غراتسياني قيادة الجيش الإيطالي في برقة وانتهت بشنق سي عمر في 16 سبتمبر 1931. شارك سي عمر شخصياً في الكثير من المعارك، ومن بينها معركة "الرحيبة" في منطقة جردس العبيد عام 1927، والتي تُعتبر أحد أكبر المعارك التي قادها وقاتل فيها. وفيها انهزمت قوات الاحتلال بعدما فقدت المئات من جنودها وضباطها، وعلى رأسهم ثلاثة جنرالات كبار. ومن المعروف أن سي عمر كان يهزج في المعارك. ومن ذلك أهزوجته في معركة "يوم العيد"، حيث اهتزج أثناءها: "جيتو في عيد/ ويوم سعيد/ إن عشت سعيد/ وإن مت شهيد..." أو وهو يرجز، في غيرها: "أجواد راكبين الخيل على وطنا مانمايلوا..".

ونجد في واحدة من رسائله النادرة وصفا دقيقا مختزلا لأحدى المعارك. وهي معركة "كرسه"، التي استشهد فيها القائد الكبير الفضيل بوعمر، حيث كتب: "وفي يوم السبت 26 ربيع الآخر سنة 1349 هـ هجم العدو على دور العبيدات والحاسة عند نقطة "القِبنة". وكان رئيسه السيد الفضيل بو عمر، ولما حان وقت صلاة الظهر، قسم السيد الفضيل الجيش إلى قسمين. فصلى بالطائفة الأولى صلاة الخوف، فلما أتمت الطائفة الأولى صلاتها، ذهبت تجاه العدو. وأتت الثانية فأتمّ بها الصلاة. وركب جواده وتقدم يحرض الجيش على القتال، وهو يكبر ويهلل. وهكذا كلما حضرت الصلاة يعمل هذا العمل، إلى أن استشهد رحمه الله، وقد استشهد معه أربعون شهيد، منهم السيد أحمد الغماري، والسيد محمد الصادق الغوالي، والشريف القاسم، وأخوه. وقد وجدنا في ميدان القتال ما ينيف عن خمسمائة قتيل من العدو، بينهم ماجور وثلاثة ضباط....." ـ 3 ـ ..... يتبع

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 26 نوفمبر 2009م .
1 ـ برقة الهادئة، مذكرات الجنرال رود لفو غراسياني، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، دار مكتبة الأندلس، بنغازي ـ ليبيا 1974 ص 92
2 ـ برقة الخضراء، أتيليو تروتسي، ترجمة خليفة محمد التليسي، الدار العربية للكتاب، ص 9
3 ـ الطاهر أحمد الزواوي، جهاد الأبطال في طرابلس الغرب، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت 1973م، ص 88.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home