Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الأحد 7 ديسمبر 2008

ما الذي ينتظر ليبيا والليبيون؟!!(*)

فرج بوالعَـشّة

1
خصصت صحيفة "فاينانشيال تايمز"،يوم 17 سبتمبر 2008،تحقيقا تحليليا معمَّقا،بعنوان:"مجازفة العقيد الخطرة"..موضوعه استقراء طبيعة ما تحدث العقيد القذافي عنه في خطابه بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لانقلابه العسكري،الذي أعلن فيه عزمه إلغاء معظم الوزارات وتوزيع "ثروة النفط" على الليبيين مباشرة،على أن "يدبروا حالهم" بعد ذلك،حسب تعبيره..بمعنى أن ينفقوا مما سيعطيهم العقيد على الصحة والتعليم والسكن والغذاء والكساء،وغيرها من خدمات الكهرباء والماء والبزين والغاز..وإلى ما هنالك..بحيث لا يبقى من "الحكومة" سوى وزرات الدفاع والأمن والبترول والخارجية..!!

2
تتبني "فاينانشيال تايمز" سؤال الليبيين نفسه،وإن بلغة صحافة غربية،موضوعه أن:"المشكلة تكمن في أن لا أحد يعرف ماذا تعني هذه الخطة بالتحديد أو كيف ستطبق حيث يشعر كثيرون بأنها وصفة للفوضى"...!!

3
إن فكرة "توزيع الثروة" على الليبيين،على الطريقة القذافية،إذا حدثت فعلا،لن تكون سوى ملهاة ماساوية أخرى في سياق متوالية التجارب الفوضوية الفاشلة،التي تخضع لمزاج "الأخ القائد" المتقلب..؟!..ثم أية ثروة هذه التي يريد العقيد الجماهيري توزيعها على الليبيين بطريقته..وماذا يعرف الليبيون عن قيمة مداخيلها وبيان أوجه إنفاقها؟!..

4
من المعروف أن عملية إعداد الميزانية في ليبيا،كما يقول الدكتور محمد المقريف،الذي شغل منصب رئيس ديوان المحاسبة في الفترة ما بين يوليو 1972 إلى نوفمبر 1977،ومتخصص في الاقتصاد الليبي،تخضع لتلاعب أجهزة النظام:"بالبيانات والمعلومات التي تنشرها أو تقدّمها إلى مختلف الجهات والمنظمات الإقليمية والدولية..."..ويتطرق في هذا الصدد إلى ما جاء في تقرير وحدة المعلومات عن مؤسسة "الإيكونوميست" البريطانية في أبريل/نيسان 1991 بعنوان "ليبيا التسعينات .. هل يمكن إنقاذ مواردها؟!"،حيث بيّن أن:"عملية إعداد الميزانية في ليبيا تتّسم بالارتباك والغموض. والبيانات الرسمية من الممكن أن تكون مضلّلة جداً ... هناك كمٌّ هائل من الترتيبات الخاصَّة المعقَّدة التي تعيق تعامل المصرف المركزي مع مخصّصات الإنفاق العسكري والتحويلات المالية المتعلّقة بسياسة النظام الخارجية والتي لا تخضع لرقابة السلطات المالية. وهناك إرباك آخر مصدره التذبذب في تعريف كلٍّ من "ميزانية التنمية" و"الميزانية العادية" (وما يندرج تحت كلٍّ منهما). كما أنَّ هناك دلائل تشير إلى وجود تناقضٍ بين الأرقام الرسمية المعلنة. وفضلاً عن ذلك، فهناك بنود يجري نقلها من تخصيصٍ إلى آخر بالميزانية بشكلٍ عشوائي، كما أنَّ الموضع المناسب للمصاريف الجارية المتعلّقة بمشروعاتٍ إنمائية قديمة هو غير واضح. ومن ثمَّ فإنَّ البيانات المستقاة من مصادر أجنبية هي الأفضل اعتماداً لتقييم الأداء الاقتصادي في ليبيا، رغم أنَّ هذه، هي الأخرى، يمكن أن تكون مضلّلة."..!!
كما بيّن التقرير،بعد تدقيق في المعطيات الحسابية المتوفرة، بين عامي 1969 و1990،أن ما بين أربعة وثلاثين مليار ومائة مليار{دولار أمريكي} تُعتبر أموالا ضائعة..وقد وضعها محرر التقرير تحت بند مُبتكر،سماه: "تكلفة العامل المزاجي" "Cost of whim factor"...ضّف على هذا عشرات المليارات المنهوبة ما بين 1990 و2008،وقد وصل سعر برميل النفط سقف المائة وخمسين دولار..!!!

5
وهكذا بعد خصم مليارات "تكلفة العامل المزاجي"،ومليارات مصاريف الجيش والأمن والمخابرات واللجان الثورية،ومصاريف العائلة الحاكمة والقبيلة،وما ينهبه النهّابون...ماذا يتبقى من ثروة الليبيين لتوزع عليهم؟!.....

6
كتبة تقرير "فاينانشيال تايمز" يرون استنادا إلى محللين استشاروهم أن القذافي إذا طبق خططه،بشأن توزيع الثروة،سيمضي بليبيا إلى مغامرة خطرة تؤدي إلى حالة فوضى مُخرِّبة.لكن القذافي يدرك ذلك..بل رحب بحدوث الفوضى،قائلا في خطابه الأخير مخاطبا الليبيين:"لا تخافوا ستحدث بعض الفوضى لكنها فوضى خلاقة...".!

7
هل يريد العقيد الأخضر بهذه الخطوة التمسك:"بفكرة الثورة الدائمة لأن ذلك يضمن سيطرته على مقاليد الأمور، وخططه الجديدة استجابة لضغوط خارجية وأخرى داخلية، هذه هي ترجمته لما يعتقد أنه رأسمالية..وإن السوق عبارة عن جماهير والجماهير لابد أن تدير شؤونها." على رأي الخبير البريطاني جورج جوفي،بصفته خبير في شؤون الليبية.!

8
قبل أشهر نقل التلفزيون الليبي حديث العقيد إلى ما يُسمّون بـ "رفاق القائد"..قال لهم في نهايته أنه سيحتاج إليهم في المرحلة القادمة لأنه ينوي القيام بما سماه:"الاقتحام العظيم"..ولم يفهم لا رفاقه ولا الليبيين ما الذي يقصده بـ"الاقتحام العظيم"{!!}..ثم اتضحت نيته في خطابه بمناسبة الذكرى 39 لإنقلابه..فلم يكن "الاقتحام الكبير" سوى الاسم الكودي لعملية إلغاء كل الوازرات ما عدا الدفاع والأمن والخارجية والبترول،بعد أن يقوم بتوزيع "ثروة النفط" على الليبيين من غير العاملين في القطاع الخاص..!!

9
من المعروف أن العقيد الأخضر معتاد على تطبيق وصفات التجريب الفوضوي الغرائبي على حياة الليبيين..فمنذ أربعة عقود وهو يفكك ويركّب..يلغي اليوم ما قرره بالأمس..يلغي وزرات ويستحدث وزرات..ثم يلغي التي استحدثها ويعيد التي إلغاءها..ينقل العاصمة من طرابلس إلى بلدته الصحراوية "سرت"..ثم يعيدها إلى طرابلس..اليوم وحدة مع مصر وغدا حربا عليها..يناصر الفلسطينين ثم يطردهم من ليبيا..كان عروبيا متطرفا ثم أصبح يلعن العروبة والعرب بعدما تأفرق..من طز طز في أمريكا إلى طلب رضاها بأي ثمن.......!!

10
..ولكن هل،فعلاً،يجرؤ،هذه المرة،على الذهاب بتجاربه المزاجية إلى هذا الحد الفوضوي،الذي يضر بنظامه قبل ضرره بالليبيين المتضررين أصلا في معيشتهم وطرائق عيشهم ومستقبلهم؟!

11
من كلامه في خطابه الأخير يبدو العقيد السرتاوي واعيا،كما سبق وأشرنا،إلى أن وصفته وصفة للفوضى،حتى أنه سماها "فوضى خلاقة"،متمثلا بالنظرية البوشة..ولكن إذا عرفنا أن الإدارة الأمريكية بعقولها السياسية والعسكرية الاستراتيجية،مدعومة بقوتها الصلبة والناعمة الهائلة،عجزت عن ضبط وإدارة نظرية "الفوضى الخلاقة"،في أفغانستان والعراق،هل يستطيع الحاكم التوتاليتاري المزاجي،الذي لا يعترف بأي عقل عدا عقلها الرسولي،أن يمضي فعليا{عمليا} في تطبيق وصفته الفوضوية التي لا سند لها في الفقه الاقتصادي من أدم سميث مرورا بكارل ماركس،فإلى جون كنز،وصولا إلى أحدث النظريات الاقتصادية في زمن العولمة..؟!!

12
وفيما كنت أعد هذا المقال للنشر وقعت قارعة الأزمة المالية.فتهاوى سعر النفط من مستوى ما فوق 120 دولار إلى ما دون الستين دولار.فتوقعتُ أن يتراجع القذافي عن خطته.فتراجعتُ عن نشر المقال في انتظار كيف سيُخرج طريقة تراجعه..!!

13
من لا يعرف كيف تُدار الأمور في الجماهيرية،وتابع حوار العقيد القذافي،مع حكومته،المنقول على شاشة التلفزيون الرسمي،حول خطته لتوزيع مداخيل النفط على الشعب مباشرة،يظن أن المشهد ديموقراطي إلى أبعد حد.فقد أمطره وزراء حكومته،وخبراء المال والاقتصاد،باعتراضات متعددة على الخطة المقترحة..
وبينما ظهر القذافي مصرا على خطته،في "توزيع الثروة" بشكل مباشر على الليبيين،وإلغاء معظم الوزارات والأجهزة الحكومية،انبرى له رئيس وزراء حكومته،وبعض الوزراء،ومحافظ البنك المركزي؛موضحين أن توزيع الأموال نقدا سوف يؤدي إلى تضخم في الاستهلاك وتراجع في الانتاج والنمو والتنمية،وعجز في ميزان المدفوعات،وتدني قيمة العملة الليبية..وبالنتيجة انخفاض فعلي لدخل الفرد..ورأوا أن الطريقة الأفضل هي وضع الأموال المراد توزيعها في محافظ استثمارية تعود أرباحها على أصحابها..!!

14
وواقع الأمر،كما يخبره معظم الليبيين،أنه ما كان لأحد من حكومة العقيد،مهما علا شأنه،أن يقول عكس ما يقوله قائده،ما لم يُطلب منه ذلك..!
...وقد طُلب منهم ذلك،قبل أن يُقّلوا دفعة واحدة في حافلة،على جاري العادة،لمقابلة "الأخ القائد"..طُلب،منهم،أن يعبروا عن انتقاداتهم الاقتصادية{وليس السياسية ـ بطبيعة الحال}،دون خشية أورهبة،من معارضة خطته..
وفهم الذين أقلهم الباص،بخبرتهم الدرّبة في أهواء الحاكم بأمر مزاجه المتقلب،أن دورهم هو تبرير تراجعه عن وعده الغليظ لليبيين بتوزيع مداخيل النفظ عليهم مباشرة..
وهم كانوا مدركين لسبب تراجعه بسبب تراجع أسعار النفط،التي فقدت أكثر من خمسين في المئة من قيمتها،إذ أنخفضت،بعد تسونامي الأزمة المالية، إلى ما دون الخمسين دولار..وقد تتدهور إلى اسفل من ذلك بكثير إذا ما تحولت الأزمة المالية إلى أزمة كساد اقتصادي عالمي مُركّب..!

15
دع عنك أن خطة صاحب الجماهيرية،بشأن ما سماه "توزيع الثروة على المحرومين منها" لم يكن يقصد،بها،توزيع حقيقي للثروة..أي خطة مدروسة وممنهجة في سياق بنية دولة العدالة الاجتماعية بتشريعاتها النافذة وآلياتها المُتنفِّذة،إنما هو توزيع "بروباغندي" لبعض من ثروة الليبيين،على قسم من الليبيين،ممن يُعدون من أصحاب الدخل المحدود،المُفقّرين،طوال أربعة عقود...!!

16
إن ما يسميه صاحب الجماهيرية،الذي بيده،وحده،السلطة والثروة والسلاح،توزيع ثروة،ليس سوى توزيع هبات سلطانية بمنطق اقتصاد الهبة بمفهومه البدوي الريعي الذي يحكم اقتصاديات اقطاعيات الاستبداد المنفوطة..!

17
والأحرى قبل الحديث عن "توزيع الثروة" على العقيد الأخضر أن يجيب الليبيين:أين هي الثروة هذه؟!!
فالليبييون،منذ أربعة عقود،لا يملكون حق مساءلة القذافي ونظامه عن مصير ثروتهم النفطية المنهوبة:كم دخل في بيت مالهم{الذي أصبح بيت مال القذاذفة} وكم خرج منه،وما أوجه صرفه؟!

18
لأربعة عقود،ما بين 1969 و2008،فاق دخل ليبيا،من النفط،التريليون دولار بكثير.وكان ذلك كفيلا بجعل الليبيين،الذين لا يتجاوز تعدادهم ستة ملايين،يعيشون في رخاء ورفاهية..وحتى ترف أيضا..لكن،بسبب الاستبداد والفساد،وسياسة التخريب والتفقير،يعيش معظم الليبيين حياة بائسة،حيث تجاوزت نسبة العائشين تحت خط الفقر الخمسة والعشرين في المائة.وبلغت نسبة البطالة ما فوق الثلاثين في المائة..وتقول حكومة الحاكم بأمر مزاجه أنها عاجزة عن دفع مرتبات ثمانمئة ألف موظف بانتظام.وعاجزة منذ سنوات طويلة عن توفير فرص العمل للخريجين والباحثين عن العمل...وبالمختصر المفيد فإن الأسعار،في ليبيا،هي مثلها في سويسرا،ورواتب الموظفين والعاملين هي مثلها في تشاد..والبنية التحتية للبلاد خرابة عامة..والخدمات الصحية والتعليمية أقل مستوى بكثير من دول عربية غير نفطية ومزدحمة بالسكان،مثل تونس والمغرب وسوريا...

19
والحال أن ما يُسمى "الجماهيرية العظمى" هي،في الواقع،وبدون مبالغة،خرابة عظمى..
أما النظام القائم،على الاستبداد والفساد،منذ عقود،فقد وصل إلى حالة من العطب البنيوي،بحيث لم يعد صالحا للإصلاح..وبالتالي لا يرجى منه إصلاح..

20
فماذا ينتظر ليبيا والليبيون؟!
ـ استبداد مستمر وفساد متزايد،على جاري العقود الماضية...!
أما في الواجهة الاستعراضية فإصلاحات تزيينية ووعود خلّب بتوزيع الثروة،وبالرخاء والازدهار؛في سياق مسرّحة لعبة توريث الحكم القبلي العائلي من الأب/البطريارك إلى الأبن النجيب،عبقري زمانه..

والمصيبة أننا {الليبيين} نبدووا جاهزين لتمرير ابن أبيه على ذقوننا، في حقبة قذافية جديدة،كما سبق وانطلى أبوه علينا،كأننا غير معنيين أن يحكمنا القذاذفة لعقود أو حتى قرون قادمة!!!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في مدونتي http://alasha56.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home