Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 24 November, 2006

التغـيير بالشارع أو التغـيير بالعـسكر!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

أيام معدودات وينغلق عام على انفتاح عام جديد، لكنه يظل محمولا على أحداث لقضايا شائكة مرحَّلة عام عن عام، وبعضها عن قرون. وفي الصدارة منها قضية الاستبداد الشرقي وطبائعه الخانقة!
ومن المعروف أنه، بعد انهيار جدار برلين، جماهيريا، وتفكك الكتلة السوفييتية، تفشّت الحالة الديمقراطية في كل أوروبا الشرقية، وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العالم، بحيث تحولت أكثر من مائة دولة، بواسطة الانتفاضات الشعبية، إلى أنظمة ديمقراطية، ليس بينها دولة عربية واحدة.. لماذا؟!

الأسباب كثيرة ومتداخلة، ومتماضية عميقا في التاريخ: السياسي والسوسيوثقافي. منها أن بنية طبائع الاستبداد العربي كامنة - فاعلة في بنية اقتصاد طرفي متخلف، استهلاكي، يغلب عليه النمط الريعي، ومنخور بالفساد والإفساد. وكامنة - فاعلة في بنية الثقافة البطرياركية البدوية المعوِّقة. والقائمة على إعادة إنتاج مسرودات الاستبداد: من انصياع وانطياع وانقياد. وكامنة - فاعلة في إعادة إنتاج تقاليد التخلف، وأعراف الخرافة، وذهنية القطيع، التي تنتج الطفل - الذكر المبجل، والبنت - الأنثي المعورة!

وبالمعنى التاريخي العام فإن العرب، منذ انكشافهم على العصر الحديث، مع أواخر القرن الثامن عشر، وحتى هذه اللحظة، لم يحققوا شروط النهضة ويؤصلونها بشكل منجز. فحركة الإصلاح الديني توقفت عند محمد عبده. وحركة التنوير العقلاني يلتهمها الظلام. ومعطيات القابلية للاستعمار، التي كشفها مالك بن نبي، ماتزال قائمة. وهي قابلية مترتبة، بالضرورة، على القابلية للاستبداد.

ولكن هذه الأسباب يُفترض ألا تمنع الشعوب العربية من إحداث التغيير الجذري واستحقاق الديمقراطية، التي تتمتع بها معظم شعوب العالم. فالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لم يمنع الشعب السوداني، في العام 1985، من فرض التغيير بالشارع، طلبا للديمقراطية. وقد امتثل المشير سوار الذهب لرغبة الشعب، فقام بانقلاب عسكري غرضه تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة. وكان عند وعده. لكن الحياة الحزبية الطائفوية أفسدت التجربة، فانقلب عليها العسكر بغرض تملّك السلطة وإدارتها. وذهب سوار الذهب مثالا في الزهد بالسلطة.

واليوم، بعد عقدين على التجربة السودانية للتغيير الديموقراطي بالعسكر، يظهر سوار ذهب موريتانيا، العقيد ولد فال، الذي وظف المؤسسة العسكرية للانقلاب على نظام ولد الطايع الاستبدادي. ومن ثم نقل السلطة، ديمقراطيا، إلى الشعب، وفق خريطة طريق مجدولة زمنيا.

والنتيجة نجاح التجربة بطريقة غير متوقعة. وعلامتها حصول قوى المعارضة الوطنية، الرافضة للعلاقات مع إسرائيل أو الهيمنة الأمريكية، على غالبية مقاعد البرلمان. ويبقى الحكم النهائي، على التجربة الموريتانية، معلقا على الخطوة الثانية. أي الانتخابات الرئاسية المتوقعة في مارس القادم. فإذا جرت الانتخابات الرئاسية بالنزاهة نفسها التي جرت بها الانتخابات البرلمانية، فسنكون أمام أول انقلاب عسكري عربي شريف. حيث انقلاب سوار الذهب لم يكن مخططا له، إنما جاء تحصيل حاصل لانتفاضة شعبية.أما انقلاب ولد فال فقد خطط، مع رفاقه، لاستخدام القوات المسلحة كقوة تدخل وطني إنقاذي في عملية محددة الأهداف.

ومقابل نجاح مغامرة التغيير الديمقراطي الوطني بقوة العسكر، في صحراء نواكشوط، تنهض مغامرة التغيير الديمقراطي الوطني بقوة الشارع في ساحات بيروت. وهي ليست سابقة في لبنان. فقد سبق لجماعة ما يسمى 14 أذار أن استخدموا الشارع في إسقاط حكومة كرامي. وتبنوا تسمية "ثورة الأرز" التي أطلقتها رايز على حركتهم. لكنهم انتهوا، في نهاية المطاف، إلى حكومة إقطاع سياسي سلطوي تابعة للوصاية الأجنبية. وهي مرشحة، الآن، للسقوط تحت ضغط شارع المعارضة، التي تملك مشروع وطني للتغيير الديمقراطي. تتمثل محدداته في اتفاق عون - نصر الله.أما مشروع حكومة 14 أذار فهو مشروع "ديمقراطية العملاء". ويكفي دليلا على ذلك تصريحات ومواقف التأييد والدعم لحكومة السنيورة من بوش ورايز. وأولمرت وتسيبي. وشيراك وميركل. وطبعا الثالوث التابع: المصري - السعودي - الأردني.

ولأن شارع المعارضة المعتصم والمتظاهر يستهدف إسقاط مشروع "ثورة الأرز أنكل سام" وإقامة ديمقراطية وطنية شاملة لكل اللبنانين، لا تتبع عنجر ولا عوكر، يصبح تظاهرها واعتصامها عملا انقلابيا، في نظر "قرنة" 14 أذار والبيت الأبيض، والأليزيه، ودوانغ ستريت. وإليهم الثالوث العربي إياه.

إذن، والعام ينغلق على انفتاح عام جديد، أمامنا تجربتان عربيتان للتحول الديموقراطي الوطني. بيد الشعوب لابيد بوش.فأيهما يمكن أن تكون أنموذجا للتغيير في أنظمة عربية استبدادية عديدة؟!

بغض النظر عن خصوصية التجربة اللبنانية فإن التغيير بالشارع ممكن في بعض الدول العربية. "كفاية"، في مصر، حركة في هذا الاتجاه، وإن لا تزال في طور جنيني. وفي أنظمة عربية أخرى، استبدادية بوليسية، فإن التغيير بالعسكر، على الطريقة الموريتانية، هو الوسيلة الأمكن.

وفي الحالتين، أي، سواء، في تجربة التحول إلى الديمقراطية بواسطة العسكر، أو التحول الديمقراطي بواسطة الشارع، فإن العبرة بالنتيجة. والنتيجة استحقاق ديمقراطية وطنية تعكس إرادة الشعوب العربية، وحلمها المقهور، منذ قرون، بالخلاص من ثنائية الاستبداد المحلي والتبعية للأجنبي.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 7 ديسمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home