Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الجمعة 7 نوفمبر 2008

بين المتاجرة بالمال والمتاجرة فيه..!!(*)

فرج بوالعَـشّة

1
كان التعامل بالربا شائعا عند العرب، قبل الإسلام، رغم أن ثقافتهم الأخلاقية- الدينية - وأعرافهم الاجتماعية تذمه وتمقته..!

لم يكن يتعامل بالتسليف بالربا أصحاب العوز الملحاح من بسطاء الناس فقط.وإنما كبار التجار أيضا..!
وكان يعمل بالربا، إلى جانب المرابين اليهود المحترفين، أغنياء العرب، الذين كانوا يستثمرون أموالهم في تمويل الرحلات التجارية، وأهمها المعروفة برحلتي الشتاء والصيف- الأولى وجهتها اليمن، والثانية وجهتها الشام- التي كانت تدر عليهم أرباحا كبيرة وهم في بيوتهم.وكانوا بذلك يقومون بعمل بنوك التسليف الربوي اليوم..!

...ثم جاء الإسلام بتعاليمه الأخلاقية الصارمة في مقت الربا وتحريمه بأوامر قرآنية حاسمة جازمة. بحسبانه معصية للدائن والمدين، كثيره وقليله حرام، لأنه يُعتبر أكلا للمال بالمال بالباطل.. وبالمقابل حلل التجارة.لأنها من ضرورات الحياة، وفيها منفعة وفائدة للبائع والمشتري، قائمة على التراضي بين الطرفين أو بنص القرآن:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ " النساء،الآية 29 .

2
يُعتبر الإسلام دينا استثنائيا من حيث شروطه الأخلاقية المُحْكََمة واضحة الدلالة في تحديد معالم النظام التجاري وأحكام معاملاته، وفقا لفقه المعاملات المالية والتجارية، الذي يتضمن قواعد فقهية تفصيلية، مفتوحة على الاجتهاد والتطور..!
وحيث إن الأصل في الأشياء الإباحة،حسب القاعدة الفقهية الكبرى، فإن الإسلام يحلل كل نشاط انتاجي اقتصادي تجاري مالي لا شبهة به من ربا أو قمار أو غش في الكيل والميزان والقياس.. أو خداع للمشتري أواستغلال لحاجته أو جهله بتثمين السلعة ونوعها.. وغير ذلك من القواعد الفقهية،والضوابط الأخلاقية الإيمانية، التي تصبو إلى أن خير تجارة للانسان تجارته مع الله.. وذلك بشراء النفس الراضية المرضية من طريق الإيمان وعمل الصالحات..

3
وعلى هذا نشأ الاقتصاد الإسلامي وتطور. وبالطبع، لم يكن مثاليا في أخلاقيات الممارسة. فقد انتشرت بين المسلمين ممارسات الاستغلال والجشع والطمع، كغيرهم من الشعوب.. لكن فقه المعاملات ظل قويا وفاعلا في تسيير بنية الاقتصاد الإسلامي،الذي كان "بيت مال المسلمين" بنكه المركزي وخزانته العامة، في دولة الرعاية الاجتماعية الأولى في التاريخ..!

كانت وظيفة "بيت المال"، الذي أنشأه الخليفة عمر بن الخطاب، دفع رواتب عمال الدولة والجند، والإنفاق على المشاريع العامة.. وكانت موارده تُحصَّل من الزكاة والخراج والجزية والعشور...!
ثم تطور "بيت المال" إلى نظام صيرفة مالي يقوم على نظام الدفع عن بعد. عماده الثقة في أخلاقية التعامل التجاري الإسلامي. ومن ذلك:الدفع من خلال "صك"،يُخوِّل حامله، القادم من مكان ما، الحصول على المال من صراف في مكان آخر.. وآلية رقاع الصيارفة:"وهي تعهدات مكتوبة بدفع مقادير نقدية عند الطلب أو في موعد محدد للمستفيد أو حامله، وهي تقابل حاليا السند الإذني أو لأمر، وإن اقتصر تحديدها في بادئ الأمر على الصيارفة… حيث كانت تؤدي وظيفة الشيك المصرفي أو بطاقات الائتمان حاليا، والمسلمون أول من عرفها، وانتقلت منهم إلى غيرهم." والسفاتج: ومفردها سفتجة وأصلها فارسي {سفتة} بمعنى الشيء المحكم، وتعرف حاليا في القوانين العراقية والسورية واللبنانية بنفس هذا الاسم كمرادف لتعبير الكمبيالة أو البوليصة في القوانين الأخرى، عرفها المسلمون واستخدموها منذ القرن الثامن الميلادي وانتقلت منهم إلى المدن الإيطالية والأندلس ثم باقي مدن أوروبا فلم يستخدمها الإنجليز إلا في القرن السادس عشر.!

4
ومن الأندلس نقل اليهود نظام الصيرفة الإسلامي إلى أوروبا لخدمة أعمالهم بأكل الربا.وتطور عن نظام الصيرفة نظام البنوك. وقد ظهر لفظ البنك أول ما ظهر في اللغة اللاتينية: بانكو.بمعنى الطاولة التي كان الصيرفيون،ومعظمهم يهود،ينصبونها في طرقات الإسواق عارضين عليها نقود يتاجرون بها.وقد أنشئ أول بنك في مدينة البندقية عام 1157.!
كانت أوروبا تحرم الربا رسميا حتى العام 1593 ..عندما تمت إباحة التعامل بالربا بأموال القاصرين بناء على إذن من القاضي،في حالات استثنائية.ثم توسعت مناحي إباحة التعامل الاستثنائي بالربا شيئا فشيئا.فشملت الاقطاعيين والملوك وحتى الباباوات.ومن البنوك تولّدت معاملات مصرفية متعددة.منها ابتكار نظام التأمين،على الحياة والممتلكات،بواسطة المصرفي اليهودي توماس لويد العام1687.!

مع انتصار الثورة الفرنسية،التي هي ثورة البرجوازية التجارية، أصدرت الجمعية العمومية، العام 1789، قانونا رسميا يُشرِّع التعامل بالربا للجميع، باعتباره أهم مكاسب الرأسمالية البرجوزية المنتصرة. وهنا وظَّف الممولون اليهود خبراتهم التاريخية في تطوير آليات النظام الربوي في أساليب مصرفية مُبتكرة،بالتوافق مع انطلاقة الثورة الصناعية،التي أتاحت الفرص واسعة لعمليات الإقراض النقدي أمام حاجة رأسماليي الصناعات الناشئة إلى تمويل مشاريعهم، رغبة في زيادة أرباحهم، وزيادة رأسمالهم، وتوسيع مشاريعهم..فنشأ نظام الفائدة البنكية على الأموال المُدخَّرة لتقوم بوظيفة مغايرة {شكليا} للفائدة الربوية..!

5
والسؤال:هل الفوائد البنكية معادل فعلي للربا؟!
لقد اختلف الفقهاء المعاصرون في الأمر. الفقهاء التقليديون يعتبرونها، كيفما كانت، ربا.بينما عدها الفقهاء المستنيرون مشروعة بشروط. أي أن الفوائد البنكية تُعتبر معاملة اقتصادية مباحة ومشروعة إذا ما التزمت بضوابط أخلاقيات المعاملات التجارية الإسلامية. وذلك بأن تقوم على نظام المشاركة في التمويل والاستثمار، على قاعدة الغنم بالغرم- له غُنْمُهُ وعليه غُرْمُهُ - بمعنى المشاركة في الربح والخسارة...وأن تراعي أصول الأخلاقية التجارية الإسلامية،من نزاهة وبينة ومصداقية وتيسير...!
لذلك نجت البنوك الإسلامية من إعصار الأزمة المالية،وطرحت نفسها نموذجا مصرفيا معفيّا من شرور نظام التمويل المالي العالمي، القائم على الاحتكار والغش والاستغلال والاحتيال والمقامرة، من خلال أساليب المتاجرة بالمال، الذي وجد للمتاجرة به وليس فيها.فكما يقول الخليفة عمر بن الخطاب:"النقود رؤوس أموال وجدت ليتجر بها لا فيها"..

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 6 نوفمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home