Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 7 أغسطس 2008

العـودة إلى رواد النهـضة العربية(*)

فرج بوالعَـشّة

كان مصلحو الخطاب الإسلامي التنويري منذ زلزال الحملة الفرنسية وتوابعها الكولونيالية الغربية {التي لم تنقطع حتى هذه اللحظة في وجود إسرائيل والاحتلال والهيمنة الأمريكية، متفقين - على تباين- ان إصلاح المجتمع من إصلاح المرأة، ولكن في حدود حقوق منضبطة لا تكشف البنية البطرياركية فتعريها في مشهد فضيحة تاريخية تبدل زمنا بزمن.!
وبالنتيجة فإن الخطاب الإسلامي التنويري ما بين بدايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين تم الارتاد عليه بعد فشل مشروع النهضة الليبرالية فالقومية الاشتراكية بخطاب إسلاموي عنفي يُكفِّر الحداثة والديمقراطية من جهة، ويُكفِّر خطاب التنوير الإسلامي الذي راده الشيخ الطهطهاوي والامام عبده وغيرهما من شيوخ الإصلاح والتنوير العظام.
والحال أن استحقاقات التنوير والنهضة في حركية الوجود التاريخي للعرب بقت مسألة غير ناجزة منذ سقوط غرناطة(1492)..ومن هنا يمكن استيعاب المغزى التفضيحي العميق لشعر الللا عائشة أم عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة:

لا تبك كالنساء ملكا مضاعاً
لم تحافظ عليه كالرجال......

كانت القابلية للتحديث تفرض ضروراتها، وقد استجاب لها والي مصر محمد علي ولكن في حدود ضيقة محسوبة بدأت ببعثة طلابية إلى باريس، وكان الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873) مبعوثا معها إماماً ومرشداً للطلبة ليجنبهم خطر الانفتاح المتهور على زمن الغرب "المنحل"!
لكن الشيخ عاد إلى مصر بموقف تنويري تجاوز مفاهيم الإصلاح التحديثي إلى طلب مفاهيم الحداثة. وفي الأساس منها منهجها الاجتماعي القائم على فلسفة المواطنة المشروط بالمساواة بين الجنسين كمدخل شرطي لإقامة أسس الديمقراطية الاجتماعية.
وسيلتقط جهود رفاعة الطهطاوي جيل رواد النهضة في نسقها الليبرالي الذين نظروا وبحثوا في مسألة النهضة العربية بحسبانها فعل تحول تاريخي تأسيسي شامل وفاصل بين زمنين.
بين زمن تراث معاق ومعوِّق لا صلة روحية حضارية له بالمشروع الإسلامي الإصولي المحمدي. وقد حالت معوِّقاته لقرون بين العرب والاستجابة الإبداعية لشروط زمن الحضارة الكونية في تحولاتها الإبداعية المتسارعة بالمزيد فالمزيد من الكشوفات المتلاحقة في ميادين العقل العلمي والعقل العقلاني{العلوم العلمية والعلوم الإنسانية}.
لكن ذلك ينبغي ألا يجعلنا نغفل البناء الحضاري التأسيسي الهائل الذي أصلّه مفكرو حركة التنوير العربية الأوائل الذين كان من أبرز عقولهم عرب مسيحيون من بلاد الشام(سوريا ولبنان)..وربما لكونهم مسيحيين ساعدهم ذلك في التواصل بسهولة أكثر من العرب المسلمين بحضارة مسيحية غربية أنجزت إصلاحها الديني وتنويرها الفكري وتطورها العلمي.. حتى أن هناك كثيرا من العرب الإسلامويين يدينون حركة النهضة العربية الليبرالية لأن روادها عرب "نصاري"لا مشكلة عندهم مع الغرب "النصراني"..!
دعك من اتهام رواد النهضة العربية {الليبراليين على الخصوص} بالتغرب أي أنهم استلهموا الغرب استلحاقاً به بدلا من إحياء التراث وعصرنته. ووفقاً لهذا المنطق حُمِّل الرواد الليبراليون مسؤولية إفشال مشروع النهضة الجامع بين الأصالة والعصرنة..
لكن اليوم في بدايات هذا القرن الجديد في الألفية الجديدة تبرز وأكثر من أي وقت مضى الحاجة التنويرية إلى عودة الاتصال التجديدي بمقدمات عصر النهضة العربية، وتحديداً عطاءات رواده الليبراليين الأوائل الذين اجتهدوا في نقل وتجذير الأفكار العلمية والعقلانية بحسبانها معطيات حضارية إنسانية مشتركة مباحة لمن يجتهد، ولابد من الأخذ بها بغير عقد أو مآخذ عفا عليها الزمن.

لقد قام رواد النهضة العربية من الليبراليين (أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.) وكان أبرزهم من المسيحيين العرب بأدوار تأسيسية تماثل ما قام به أجدادهم {المسيحيون السريان} من رواد نهضة الحضارة العربية الإسلامية في العصر العباسي تحديداً..
جميعهم (أولئك الأوائل القدامى والرواد المحدثين)انكبوا على ترجمة ونقل وتجذير الأفكار العلمية والفلسفية كمعطيات تأسيسية ضرورية لاكتشاف وتطوير الذات الحضارية السوية الخلاّقة.
لكن التحدي الحضاري الذي ظهر أمام رواد عصر الحداثة(أواخر القرن التاسع عشر)كان من الصعوبة بمكان وزمان. بحيث يقاس الفارق بين دور أولئك القدامى وهؤلاء المحدثين بالفارق الكمي والنوعي الهائلين بين محدودية علوم الحضارة الإغريقية- اللاتينية التي جرى النقل عنها إلى العربية في العصر العباسي الذهبي، وبين ضخامة وتعقيد تراث الحداثة العلمي والفكري الذي استيقظ العرب في غفلة من الزمن على وجوده وحضوره الصادمين مع صدمة الحداثة الأولى (حملة نابليون على مصر).. ثم تعمّق انتهاكه لوجودهم في ظل سيطرة الكولونيالية الأوروبية الكاسحة منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى استقلال آخر بقعة عربية في الخليج العرب يفي أواخر الستينيات من القرن العشرين!
إذن كان أمام رواد النهضة العربية من الليبراليين تحديدا مهمة البدء من الصفر في وصل الثقافة العربية الفارغة من الطاقة الإبداعية منذ قرون طوال بتيار طاقة عصرها الحضاري المنتج غرباً. يتبع ...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 7 أغسطس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home