Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الإربعاء 7 أبريل 2010

الجماعة الليبية المقاتلة : الاعتذار لمن؟!

فرج بوالعَـشّة

تبدو الأسباب التي أدّت إلى مراجعة الجماعة الليبية المقاتلة هي نفسها الأسباب التي أدّت إلى مراجعة جماعة الجهاد في مصر. المراجعتان حدثتا في السجون، وقادها رموز بارزين من قادة الحركتين. ودون الخوض في مناحي التمايز، إذا وُجدت، بين المراجعتين، من حيث طبيعة الدواعي الذانية والمنطلقات الموضوعية والضغوطات الأمنية، فإن نتيجة المراجعات واحدة: نبذ العنف بحجة "عدم جواز استخدام السلاح في تغيير المنكر إلا للسلطان أو من يوكله، ولا يجوز ذلك لأفراد الرعية." وتحريم الخروج على الحاكم (وهو هنا الطاغية القذافي) بحجة أن " أهل السنة والجماعة اتفقوا على تحريم الخروج على الأئمة والولاة واتفقوا على أن الصبر والدعوة بالحسنى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السبيل الصحيح." وترتب على ذلك الاعتذار من الطاغية، الذي أصبح عندهم، حسب المراجعة، "ولي أمر" توجب طاعته. وهكذا فإن الذين شرَعوا، بالأمس، باسم القرآن والسنة، الخروج على القذافي بحسبانه طاغية شيطاني وحمل السلاح ضد نظامه، هم أنفسهم الذين يتراجعون، اليوم، باسم المراجعة الفقهية، عن قناعاتهم الشرعية السابقة مُخَطِّئين أنفسهم ومجرّمين ما قاموا به جملة وتفصيلا.

إن "الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة"، التي أعلنت عن نفسها كتنظيم في بيان أول تأسيسي،صدر بتأريخ 17 تشرين الأول 1995، كانت تستهدف، استنادا إلى تأصيلها الفقهي محاربة نظام القذافي بحسبانه طاغية مرتد من منطلق "تجديد التـوبــة إلى الله تعالى والاستـقـامة على منهجه والالتزام بأحكامه ومفاصلة هذا النظام المرتد.." ـ حسب بيانها التأسيسي. وقد قامت هذه الجماعة في سبيل ما تؤمن به إيمانا غليظاً لا رجعة عنه، بسلسلة من العمليات والمواجهات المسلحة الجريئة ضد قوات النظام من أجل "إلحاق اكبر قدر من الخسائر فى صفوف العدو، مع تعزيز مشاعر الخوف والرعب فى صفوفه." ولكن، كما أوضحنا في دراستنا عن "القاعدة في ليبيا" (نُشرت في 4 حلقات بصحيفة الشرق القطرية) فشل مشروع " الجماعة المقاتلة" المسلح في زعزعة النظام،ولم يحضوا بمساندة الشارع الليبي.الذي كان، بدافع الخوف والسلبية، يشاهد عناصر"المقاتلة" يُقتلون في الشوارع على يد القوات الأمنية بطريقة وحشية ويُمثل بجثثهم وتسحل جرا بسيارات الجيب. ويُقصف الجبل الأخضر بقنابل النابالم وأنواع من الغازات الكيماوية في مطاردة لبضعة خلايا صغيرة لاذت به. وصولا إلى مذبحة القتل الجماعي للسجناء الإسلاميين في سجن ابوسليم،يوم 29 يونيو 1996،حيث تم قتل أكثر 1200 سجين سياسي. ثم كانت أحداث 11 سبتمبر التي استغلها النظام بإدراج نفسه مع أمريكا وغيرها من أنظمة الغرب والشرق في سياق الحرب المشتركة على الإرهاب. لكنه في الوقت نفسه اختار اعتماد نهج النظام المصري والسعودي في ما يمكن تسميته باستراتيجية التوبة التي كان يهدف من ورائها إلى غرضين أساسيين. أولاً: قفل ملف المعارضة العنفية الأصولية لنظامه. وثانياً التغطية على مسؤوليته عن جريمة مذبحة سجن بوسليم من خلال تمييعها بإجراءات العفو عن السجناء الإسلاميين ثم تسريب بلاغات موتي المذبحة.وهنا يبرز دور إبن أبيه في التمييع والمراوغة لجوهر القضية في طلب الحقيقة والعدالة.

وقد تم تفعيل هذا الدور بواسطة عناصر محسوبة،أو كانت محسوبة، على الإسلاميين الجهاديين. فرأينا أحد أعضاء المقاتلة سابقا يصبح ليبراليا ويلبس من آرماني،بعد الزي الأفغاني،طائراً بين لندن وطرابلس في مهمة تليين مواقف قادة "الجماعة" القابعين في سجون الطاغية. وإليه رأينا الشيخ الاخواني بشنته الحمراء، فقيه سلطان القذاذفة، وهو يعمل بكل عنفوان ضمن توجيهات أمنية بإشراف القاتل عبد الله السنوسي، لأجل استخلاص صك براءة للطاغية ونظامه.

ورغم أن قيادة "الجماعة" السجناء يدركون في قرارة أنفسهم أنه لا مصداقية لمثل هؤلاء الوسطاء، إلا أنهم بدوا مستعدين لعقد صفقة مع النظام تضمن لهم ولأتباعهم الخروج من السجن.أما مسألة المراجعات فهي لا تستحق أي عناء فقهي يذكر. إذ أن التراث الفقهي حمّال أوجه، بحيث يجد فيه الفقيه المؤوّل ما يبرر به تأويله. أكان مع معاوية أو مع علي أو مع الخوارج. وبحيث انقلبت قناعات "الجماعة" 180 درجة على إيماناتها السابقة. ليبقى السؤال: أين ذهبت القواعد الشرعية،التي اعتمدت عليها الجماعة في الخروج على نظام القذافي وشرعية محاربته والتي أعلنتها على رؤوس الأشهاد كمسلمات مقدسة، مثل قاعدة "دفع الصائل"، بالاستناد إلى قول القرآن الكريم :"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم".وقوله صلى الله عليه وسلم:"من قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون اهله فهو شهيد"... وقاعدة "قتال الطوائف الممتنعة عن الشرائع" وقاعدة "عدم الاستئسار" وقاعدة "فكاك الاسير".....

أفهم أن تسعى "الجماعة الليبية المقاتلة" أو غيرها من جماعات وحتى أفراد إلى تأمين العفو والخروج من سجون الطاغية. ولكن على أن لا يجرى ذلك باسم الدين. فالدين قيمة روحية إيمانية صارمة أخلاقيا، اي أنه غير قابل للعبث والإستخفاف به.فنحن أمام جماعة قاتلت الطاغية السفيه باسم الدين وضحّت في سبيل ذلك بطوابير من المؤمنين بعقيدتها استشهدوا في سبيل القضاء على استبداد القذافي.ثم نجد قادتها وفقهاءها الشرعيين ينقلبون على كل ما صاغوه وسوَّغوه،والنظر إليه كخطيئة فادحة. فينبذون العنف الجهادي الذي قدّسوه ويتبرؤون من كل من يتخذه منهجاً،وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل والأنكى من ذلك يتوجهون إلى الطاغية، وهو هنا القذافي ، الذي لم يغير من مسلكه شيئا في قهر الليبيين وأحتقار الإسلام وقيمه، والذي أنكر السنة وسخر من الأنبياء وتهكم على الصحابة ، فيظهرون له الندم البليغ والتعبير عن الإعتذار الصريح والشكر والتبجيل.

والحال أنه لا بد، إبتداءً، من الترحيب بخروج أي سجين من زنازين الطاغية القذافي. لكن ينبغي عدم التفلت من الحقيقة أو التستر عليها. وهي إن إخراج عناصر الجماعة المقاتلة (ليس كلهم بعد) لم يتم تنازلا من النظام أمام استحقاقات وطنية عامة، إنما تم بناء على صفقة مصلحية توفر لأعضاء الجماعة ضمانة الخروج من السجن ومزوالة حياتهم" العادية" شرط ليس فقط عدم النشاط السياسي وإنما حتى مجرد محاولة التفكير فيه. وبالتالي فإن المراجعة التي قامت بها الجماعة لم تكن سوى انتهازية فقهية من قبل قيادلت "الجماعة" لإنقاذ أنفسهم ومن تبقى من أعضاء جماعتهم في سجون الطاغية، وذهبت أدراج الرياح كل المسرودات التراثية والنصوص الفقهية والقواعد الشرعية والتشريعية ومسنداتها من قرآن وحديث في مجاهدة السلطان الجائر ونظامه. إذ يمكن الإتيان بغيرها لنقضها بل ووصمها بالمروق والخروج على صحيح الدين. أي أن كل أرواح الشباب، من خيرة شباب ليبيا، الذين أنخرطوا، بإيمان غليظ، في صفوف "الجماعة" وقاتلوا نظام القذافي بحسبانه نظام طاغية شيطاني واستشهدوا في سبيل ذلك، يظهرون اليوم، بحسب مراجعات فقهاء "المقاتلة" كخطاة، على أقل تقدير، والمقصود أنهم كانوا إرهابيين خرجوا عن صحيح الإسلام عندما خرجوا على القذافي بحسبانه ولي الأمر الذي يستوجب طاعته.

والحال أن القذافي سجن خلال عقود قهره الأربعة ونيف آلاف الليبيين، قبل ظهور الجماعات الأصولية، جميعهم من إسلاميين وقوميين ويساريين وليبراليين. وقد أُخرج المئات منهم في حالاته الاضطرارية والأخرى الاستعراضية على نحو"أصبح الصبح" ولكن لم يقم أي منهم، جماعة أو أفراداً، بإجراء مراجعات فكرية لقناعاتهم سعيا وراء إرضاء القذافي. وقد يقول قائل أن "المراجعات" الفقهية المفروضة على "الجماعة الليبية المقاتلة" قامت على أساس أنها جماعة عنفية أرتكبت عمليات القتل على نطاق واسع ضد عناصر أمن النظام. وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن تلك "الجماعة" كانت تخوض حربا شرعية ومشروعة ضد النظام ولجانه الثورية وهؤلاء يُعدُون في نظر الجميع من القتلة. و حتى الآن لم يتغير هذا النظام ولم تتغير مقولته القمعية ولا يزال هو نفسه بوجهه الإجرامي الذي يزداد إجراما في كل يوم ، مما يعطي كل ليبي شريف الحق في أن يعلن بأي شكل يرتئيه رفضه له ومقاومته بكل الوسائل بما فيها وسائل العنف المفتوح ردا على عنف النظام الطغياني. أي أن المراجعة الحقيقية التي ينبغي للجماعة المقاتلة وغيرها من جماعات الأصولية القيام بها هي مراجعة تكفيرهم لمجتمعاتهم وانغلاقهم على العالم. واعتذارهم الحقيقي ،إذا كان هناك من اعتذار، ينبغي أن يكون لكل من طاله عنفهم ، اللفظي أو المادي، من أفراد مجتمعهم. أما الطغاة فلا ينبغي أن يتمتعوا بأي فرصة تمنحهم الشرعية كاعتذار أو طلب عفو أو مغفرة من طاغية كالقذافي الذي حتى وأن توفر له عن طريق هؤلاء"المراجعين" ما يبرِّئه بآية من هنا وحديث من هناك وفقيه سلطوي من هنالك، فإنه يبقى في نظر العدالة الإنسانية القائمة فوق كل تأويل ديني متذاكي، قاتلا مطلوباً للعدالة بقوانينها البشرية الصارمة والواضحة، غير الخاضعة للمراجعات الإنتهازية.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home