Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

السبت 7 مارس 2009

الثقافة والإمبريالية : العلاقة العلائقية!! *

فرج بوالعَـشّة

1
في عز مراهقتي، في أواخر ستينيات القرن المنقرض، كنت مولعا بروايات وفيق العلايلي وأحسان عبد القدوس. لم أكن أفهم من عالم السياسة سوى أن ملكا ورعا طيبا يحكمنا. وحدث أن صرخ ملازم انقلابي في ميكروفون الراديو، بكلام "ناري" مستطير. مذ ذاك راجت مفردات الحرية والاشتراكية والوحدة العربية وتحرير فلسطين. ومن بينها كانت مفردة الإمبريالية الأكثر استغلاقا على فهمي، وفهم معظم الشعب، بمن فيهم ربما معظم النخب المتعلمة والمثقفة، وربما حتى حفنة الشيوعيين الذين لم يكونوا يتجاوزون أصابع اليدين، وسط شعب، شبه بدوي منفوط، صار يصحو ويمسي على لعنات "القائد الانقلابي" للإمبريالية، الذي هو نفسه لا يفهم ما تعنيه بالضبط في مدلولات فلسفة الاقتصاد السياسي..!

2
يفتتح إدوارد سعيد كتابه: "الثقافة والإمبريالية" بمقتطف، من رواية "قلب الظلام" لجوزف كونراد. يقول المقطع: "إن فتح الأرض، الذي غالبا ما يعني انتزاعها من أولئك الذين لهم بشرة مختلفة عن بشرتنا أو أنوف أكثر تسطيحا بقليل من أنوفنا، ليس عملا جميلا حين تتأمّله بإمعان. وليس ثمّة ما يشفع له، ويمنحه الخلاص سوى الفكرة ذاتها: فكرة كامنة وراءه؛ لا ذريعة عاطفية بل فكرة؛ وإيمان لا تشوبه الأنانية بالفكرة ـ التي هي شيء بوسعك أن تقيمه نصبا، وتنحني أمامه ـ مبجِّلا ـ وتقدم له القرابين..."

3
يشكل كتاب: "الثقافة والإمبريالية" امتدادا تطويريا، منهجا ورؤية، لعمل إدوارد سعيد الأشهر:"الاستشراق"، الذي صدرت طبعته الأولى بالإنكليزية، عام 1978. وصدرت ترجمته العربية عام 1981، بترجمة فذة من لدن الدكتور كمال أبوديب، الذي هو أيضا مترجم "الثقافة والإمبريالية".
يقول سعيد، في مقدمة الطبعة الإنجليزية: "بعد حوالي سنوات خمس من صدور: "الاستشراق" عام 1978، بدأت بتجميع بعض الأفكار التي كانت قد تجلت لي، وأنا أنجز ذلك الكتاب، حول العلاقة بين الثقافة والإمبراطورية. وكانت أولى النتائج سلسلة من المحاضرات ألقيتها في جامعات الولايات المتحدة، وكندا، وانكلترا، عامي 1985 و1986. وتشكّل تلك المحاضرات المنظومة اللبابية للكتاب الحالي {يقصد الثقافة والإمبريالية} الذي ظلّ يشغلني بانتظام منذ ذلك الوقت. لقد قام قدر كبير من الأبحاث المنهجية في علم الإنسان والتاريخ والدراسات الإقليمية بتطوير عدد من المنظومات التي كنت قد قدّمتها في الاستشراق الذي اقتصر مجاله على الشرق الأوسط. ولقد حاولتُ، بدوري، في الكتاب الراهن أن أوسّع المنظومات الواردة في الكتاب السابق لأصف نسقا أكثر شمولية من العلاقات بين الغرب الحواضري الحديث وأصقاعه الواقعة ما وراء البحار.."..!

4
إن الإمبريالية، حسب التفسير الموسوعي الرزين: هي سياسة توسيع السيطرة او السلطة على الوجود الخارجي بما يعني اكتساب وصيانة الامبراطوريات. وتكون هذه السيطرة بوجود مناطق داخل تلك الدول او بالسيطرة عن طريق السياسة او الاقتصاد. ويطلق هذا التعبير على الدول التي تسيطر على دول تائهة او دول كانت موجودة ضمن إمبراطورية الدولة المسيطرة وقد بدأت الامبريالية الجديدة بعد عام 1860 عندما قامت الدول الاوروبية الكبيرة باستعمال الدول الاخرى. اطلق هذا التعبير في الاصل على انكلترا وفرنسا أثناء سيطرتهما على افريقيا، ويعتبر لينين ان وجود الامبريالية مترابط مع الرأسمالية لأنها تستخدم الدول المستعمرة على انها أسواق جديدة أو مصادر لمواد أولية..!

5
إن سيطرة الدولة أو الإمبراطورية الإمبريالية لا تتحقق فقط بواسطة استعمار الدول والشعوب الأخرى، والضم المباشر لأراضيها، وإنما أيضا، من خلال الوصاية أو الانتداب، غير الظاهر عسكريا. وإذا كانت الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، كما كتب لينين، منذ نحو قرن، حيث رأى، وقتها، أن الرأسمالية سائرة، حتميا، إلى الإمبريالية، أي مرحلة الاحتكارات الرأسمالية الكونية الكبرى، إلا أنه آمَن، على طريقة الماركسيين الوثوقيين {الحتمويين} بأن الإمبريالية ـ الطور الأقصى للرأسمالية ـ تحبل بتناقضات اقتصادية واجتماعية كامنة فيها، يؤدي أو يفضي الصراع (الطبقي) في ما بينها، إلى انبثاق نظام اقتصادي أعلى، تمثله الاشتراكية. لكن لينين ما كان ليعيش فيرى ما آل إليه الحلم الاشتراكي في الدولة التوتاليتارية.. وما كان له، ولغيره من المنظرين الماركسيين الكبار، أن يمتلكوا القدرة الذهنية الخارقة على التنبؤ التاريخي الدقيق بتحولات الرأسمالية المستقبلية، إلى حد تصور أو تخيل يلم بالثورة المعلوماتية، التي نعيشها اليوم. ولا ندرى ما الذي تكون عليه بعد عقود، باقتصادها السياسي المتعَوْلِم في فضاء السوق الحر، الذي عصفت به الأزمة المالية العالمية، وكشفت عن وحشيته في التنافس الجشع على جني الأرباح، بالمتاجرة في المال وليس المتاجرة بالمال، وتغول أنظمته المالية الفالتة من تدخل الدولة، وعدم خضوعها للضوابط والآليات الضرورية من شفافية ومراقبة ومحاسبة.. لكن الأقوال بنهاية اقتصاد السوق الحر، ونهاية النموذج الأمريكي للعولمة، ونهاية فكر الاقتصاد الليبرالي الجديد، لا تعني انهيار الرأسمالية، وبالتالي اندثار الإمبريالية.. فستخرج الرأسمالية ناجية من أزمتها المالية الحالية، وسترمم وتجدد وسائلها وآلياتها....يتبع...!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، السبت 7 مارس 2009م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home