Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 7 يناير 2011

جوليان رجل العام الإلكتروني

فرج بوالعَـشّة

فاز جوليان أسانج (39 عاما) بمكانة رجل العام حسب الاستطلاع الذي أجرته مجلة تايم (توزع أكثر من أربع ملايين نسخة أسبوعيا) على موقعها الإلكتروني. شارك فيه أكثر من 1.5 مليون متصفح. لكن هيئة تحرير المجلة اختارت مارك زوكربيرغ (26 عاما) مؤسس موقع الفيس بوك. ويعود ذلك، في ظني، إلى كون "التايم" اختارت أن تراعي المؤسسة الإمبراطورية المتضررة مما فعله جوليان أسانج. الأمر الذي اضطر ريك ستينغل رئيس تحرير مجلة تايم إلى كتابة افتتاحية خاصة لتبرير تفضيل زوكربيرغ على أسانج، بفذلكة تسويغية، قائلاً:"إن أسانج ينظر إلى العالم على أنه مليء بالأعداء الحقيقيين والوهميين في حين ينظر زوكربيرغ إلى العالم على أنه مليء بالأصدقاء المحتملين". وذلك متوقع من مجلة يمينية الميول. تتبع مجموعة (AOL.Timewarner) أكبر مؤسسة إعلامية في العالم. يسيطر عليها رأس المال اليهودي. تبلغ قيمتها المالية 350 بليون دولار. عكس صحيفة لوموند الفرنسية، الأكثر مهنية في أوروبا، والتي اختارت جوليان أسانج "رجل العام" بعدما حصل على ما يفوق نسبة 56% من قراء الصحيفة. ونشرت له صورة ضخمة على صدر صفحتها الأولى من عددها الأسبوعي يوم 24 ديسمبر 2010، بينما لم يحصل زوكربيرغ صاحب موقع فيسبوك سوى على حوالي 7%... فمن أين ظهر على العالم جوليان أسانج هذا؟! أي فكرة جهنمية هذه الويكيليكس التي خطرت عليه فصيّرها صدمة وترويعاً (Shock and Woe) لأمريكا (روما الجديدة). حتى أن طريقة مطاردته والقبض عليه صارت أشبه بمطاردة الساحرات في العصور الوسطى (بالمعنى الرمزي). من حيث إن مطاردة الساحرات في العصور الوسطى كانت تعبيراً رمزيا بالمعنى التاريخي ـ المعرفي عن الخوف الذكوري الخرافي من إغواء المرأة ـ تفاحة المعرفة = الخطيئة الكبرى. الخوف من قوتها الغامضة. ومن هنا جرى أبلستها. كذلك الحال، رمزياً، مع جوليان أسانج الذي اجتمعت على شيطنته أعرق الحكومات الديمقراطية لأنه تجرأ على المس بقدس أقداسها (تفاحة معرفتها السرية) عندما أشاع أسرار محافلها الدبلوماسية...

لقد تابعت كغيري ما نشرته وسائل الإعلام نقلا عن ويكيليكس. خصوصا ما يخص أنظمة بني يعرب. بحيث تكاد كل وثيقة تستدعي موضوعا لمقال خاص سواء كان من باب التندر على فضائح الطغاة المستترة أو من باب خلع أقنعة النفاق عن وجوه عرب الخديعة والمراوغة. وليس صحيحا أنها مجرد نميمة دبلوماسية من لدن سفراء أمريكا وقناصلها. فرغم أن ما ظهر من جبل جليد أسرار الإمبراطورية الأمريكية لا يساوي حجم دبوس إلا أن فيه الكثير مما يعزز حقيقة أن العرب فضيحة تاريخية صارخة. لكني أدرك أن كتابة مقالات حول الوثائق المثيرة يجبرني أن أكون انتقائيا كي أتمكن من نشرها. الأمر الذي سوف يضعني في دائرة المنافقة. بمعنى أن معظم وسائل الإعلام العربية استنسابية في الأخذ عن ويكيليكس. إذ نجد وسائل إعلامية عربية معينة (مقروءة ومرئية) تنشر أو تنقل عن وثائق معينة وتحرّم التطرق إلى غيرها، التي تبيح نشرها وسائل إعلامية عربية أخرى. على سبيل المثال نجد إعلام الدولة العربية (أ) لا يجرؤ على نشر الوثائق التي تفضح الحاكم ونظامه أو حكام الدول العربية المقرّبة والحليفة، في حين تجيز نشر وثائق تتعلق بفضائح نظام الدولة العربية (ب)، سيما إذا ما كان بين (أ) و(ب) خلاف أو عداوة... وهكذا. لذلك أفضل الحديث عن جوليان أسانج صاحب الويكيليكس وليس عن وثائقه مباشرة. حيث كان الإعلام قبله شيئا وصار بعده شيئا آخر. يذكرني ذلك بإميل زولا الروائي والمفكر الفرنسي المائز الذي بات مفهوم المثقف قبله شيئاً وبعده شيئا آخر. أسانج، أحببنا أو كرهنا، ثورة في فرد. قاد غزوا معلوماتيا ـ معرفيا لعرين عقل الإمبراطورية الأمريكية السياسي التي وصل بها غرورها إلى حد إشاعة أرشيف معلوماتها الدبلوماسية ذات الطابع السري (أي ما دون مستوى "سري للغاية") في متناول آلاف الموظفين، مدنيين وعسكريين، يحق لهم الاطلاع على بريد التقارير السرية المتدفقة ما بين وزارة الخارجية والبنتاغون ومجلس الأمن القومي وغيرها من وكالات متخصصة....

بحيث كان يكفي أن يقوم أحد ما من بين آلاف الموظفين بتنزيل مئات ألوف الوثائق في جهاز الذاكرة الإلكتروني الذي حجمه بحجم الخنصر، حتى تنتقل مئات ألوف الوثائق في دقائق معدودة كما فعلها الجندي برادلي مانينغ، والذي برر فعلته بأنه "ناشط في حرية تداول المعلومات" لأنها "تعود إلى الحيز الخاص بالجمهور، أكثر من أن تبقى طي النسيان في حجرة مظلمة في واشنطن دي سي". فيا لها من حركة ثورية مستقبلية صادمة ومرعبة (Shock and Woe) لإمبراطورية الهيمنة السرية وذيولها الخانعة من أنظمة الاستبداد والفساد. وبدلاً من الاكتفاء بمعاقبة المسرِّب بحكم القانون الوظيفي لاحقت الإمبراطورية الأمريكية وأتابعها الأوروبيون أسانج الناشر، الذي لم تكن مسؤوليته تختلف عن مسؤولية الصحف الأمريكية والعالمية التي نشرت ما نشره موقع ويكليكس. وهو ما يؤكد أن مطاردة أسانج أمريكيا وأوروبا يكشف عن تقصد انتقامي من شخصه. ومن هنا نبشوا له تهمة الاغتصاب. لأنهم لم يجدوا ما يتهمونه به قانونيا كناشر لمعلومات سُربت إليه دون معرفة له بمسربها. إنه "إبليس" المعرفة المحرمة. " برومثيوس" سارق الأسرار المقدسة. صبي حكاية (الإمبراطور العاري. الإمبراطور لا يلبس شيئاً.)

إن الذين يقولون إن الكثير مما نشرته ويكيليكس يكاد يكون معروفاً ومحللاً مسبقاً في وسائل الإعلام إنما يسكتون عن جوهر القضية. وهي أن وثائق الدبلوماسية الأمريكية السرية التي بحوزة موقع ويكليكس أكثر خطورة بكثير من الوثائق العسكرية التي نشرها الموقع بشأن العراق وأفغانستان. حيث إن الإدارة الأمريكية لم تثر ثائرتها كما حصل معها إزاء نشر الوثائق الدبلوماسية. لأن وثائق العراق وأفغانستان العسكرية تمس مؤسسة أداتية (البنتاغون) يمكن التملص سياسيا من ممارساتها. بدليل أن المحاكمات العسكرية طالت عديد الجنود والضباط الأمريكيين بتهم جرائم حربية. ولكن لا أحد في مؤسسة النظام الأمريكي يجرؤ على محاكمة هيلاري كلينتون أو مطالبتها بالاستقالة على الأقل لأنها انتهكت الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الولايات المتحدة عندما أمرت دبلوماسيين أمريكيين بالتجسس على الأمين العام للأمم المتحدة وكبار مساعديه ومندوبي الدول الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن.

فشكراً لجوليان أسانج فبفضله ظهرت هذه الوثائق الفضّاحة التي طالت وسوف تطول أكثر فأكثر كل أنظمة العالم تقريباً بمساحة تواجد السفراء الأمريكيين في أمصار الأرض. أما فيما يخص أنظمة بني يعرب فإن الوثائق تفضح الشعوب العربية قبل أن تفضح حكامها. تفضح الشعوب العربية لأنها الشعوب الأكثر استغباء من حكامها في العالم. فقد تبين، من قراءة ما تسرب من وثائق، أنها تعيش جسدياً في عصر مارك زوكربيرغ (الفيس بوك) وجوليان أسانج (ويكيليكس) وذهنيا في عصر الراعي والقطيع...

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home