Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 6 نوفمبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

واقع المثقفين الليبيين في الداخل (1)

فرج بوالعَـشّة

1

إن مهمة المثقف، بحسب إدوارد سعيد، هي:" أن يطرح علنا للمناقشة أسئلة محرجة،ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي{بدل أن ينتجهما}،ويكون شخصا ليس من السهل على الحكومات أو الشركات{المؤسسات} استيعابه،وأن يكون مبرّر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى ويُغفل أمرها على نحو روتيني.". إنه المثقف الذي يتمثل ذاته/شخصه في مواقفه، من حيث هو واع بدوره ومؤمن به،جاهر بقناعاته ومعتقداته،قابل بالنتائج التي تترتب على خيارته.أكان في هذه الجهة أو تلك.في اليمين أو اليسار.في الكفر أو الإيمان.السلطة أو المناهضة. بحيث إذ ما لحق بضمير المثقف ذرة شك في مصداقية موقفه الشخصي أو الفكري ـ الإبداعي،إزاء ما يؤمن به ويعمل لصالحه،يكون قد فقد مبرره كمثقف. فيصبح عليه أما أن يتحول،بموقفه الشخصي والفكري إلى ما يتساوق مع سلطة ضميره الأخلاقية،أو أن يُبقى على انسياقه في خدمة وعي السلطة المتسيدة، وهو يُدرك زيف وعيها بالنسبة إلى وعيه الفكري الخاص. لكنه يرتهن لها خوفا من قمعها أوطمعا في عطاياها،أو الأثنان معا:الخوف والطمع،كما كان الحال مع المثقفين الذين تعاونوا مع الشر السياسي . سواء نال ضميرهم شئ من شك أو ندم دون أن ينبذوا أدوارهم، أو كانوا متكيفين تماما مع أدوارهم.!

ويقودنا المدخل الآنف إلى مقاربة أوضاع المثقفين الليبيين الواقعين في قبضة نظام مستبد ومتخلف وفاسد حد العفونة، ومع ذلك يتجمل بمظاهر إصلاح مزيف، يستهدف به وريث النظام، سيف الإسلام، استمالة النخب المثقفة لتأييده والتعويل عليه قائدا لـ" مستقبل ليبيا الغد". وإذا كان المثقفون الوطنيون في الداخل لا يستطيعون، بسبب سطوة القمع، مناقشة مهمة المثقف الحقيقي ومواجهة "مثقفي" السلطة التبريريين، فإنه ينبغي على المثقفين الوطنيين في الخارج، لما يتاح لهم من حرية تعبير واسعة، أن يتناولوا، بوضوح وصراحة، واقع المثقفين في الداخل، من حيث أدوارهم ومواقفهم، بغية تبيان المثقفين الوطنيين الحقيقيين من نظرائهم المتملقين المنافقين، الذين <الأخيرون> يعتقدون أنهم سينجون من الإدانة الأخلاقية والوطنية لمواقفهم المسايرة أو الموالية للنظام. وخصوصا أولئك المتحججون بإمكانية الفصل بين عملهم مع النظام بشكل أو أخر، وبين إبداعاتهم الخاصة في الفكر والأدب. وكان الصادق النهيوم، وهو ذلك المثقف العلم، مثالا بارزا على معادلة الموازنة المتناقضة ما بين علاقته الشخصية الوثيقة بديكتاتور بشع كالقذافي، وهي العلاقة التي فرضت عليه الصمت عن طغيانه، وبين إنشغاله الخاص بالكتابة في قضايا الفكر الإسلامي وبمشروعه في نشر الموسوعات العلمية الفاخرة من جنيف.

2

كثيرا ما كنت ألتقي الصادق النيهوم، في أواخر الثمانينات، حين تواجده في البلاد وإقامته في الفندق الكبير بطرابلس،بعدما تعرفت عليه في سويسرا العام 1982.كان الصادق على المستوى الشخصي شخصا لا يعوض في لطفه وسماحته وانفتاحه الرحب على الاختلاف. وقد خضت معه في لقاءتنا شبه اليومية في الفندق الكبير، في افكاره حول الإسلام والجامع. وأذكر أنني مازحته بأنه يتصرف إزاء الوضع الليبي بصفته سائحا سويسرياً، وأنه يريد من الليبيين والمسلمين بشكل عام أن يكونوا سويسريين كي يليقوا بالزي الإسلامي الذي يفصله. فغضب لملاحظتي، فأدركت أن انفتاحه الرحب على الاختلاف ينغلق عند التعرض بالنقد لـ"نظريت"ـه في مفهوم "الجامع".لكنه رغم علاقته الخاصة جدا بالقذافي ورغم ما إسميه بانتهازيته "الراقية" في الاستفادة من هذه العلاقة لصالح مشروعه الثقافي، يظل بين كل المثقفين الليبيين، الذين تواصلوا مع القذافي في علاقة شخصية، ليس فقط أكثرهم إحتراما لنفسه وإنما أوحدهم جرأة على انتقاده وجها لوجه، في جلساته الخاصة معه بشأن قضايا شديدة الحساسية، وأحيانا في حضور بعض المحيطين المقربين من القذافي، على شاكلة موسى كوسة وعبد الله السنوسي وأحمد إبراهيم. وكان يسخر منهم ويجهّلهم في وجوهم. ولم يكن ليسمح لأي كان بما فيهم القذافي توجيهه فيما يكتبه. وعندما عنّ للقذافي نشر مجلة، سمّاها "لا"، طلب منه نشر مقالاته فيها، ووجّه المجموعة المؤسِّسة للمجلة، أن يتركوا صفحة بيضاء بقلم الصادق النيهوم في حالة عدم إلتزامه بنشر مقاله الشهري. وما لبث القذافي أن أمر بمنع ثاني أو ثالث مقالاته التي تعرض فيها إلى بنية دولة المخابرات الجماهيرية. فتوقف بعدها عن النشر في تلك المجلة. إن غرضي هنا ليس الدفاع عن الصادق النيهوم، إنما تبيان خصوصيته من حيث علاقة المثقف بالطاغية.إلا أن هذه المواقف الإستثنائية للصادق سوف لن تغطي نقيصة صمته، كمثقف، عن جرائم القذافي بحق الليبيين خصوصا الأنتلجنسيا الليبية التي تعرضت للقمع والسجن والتصفية الجسدية. وهو ما يقودنا إلى مقاربة واقع المثقفين الليبيين الواقعين بين خيارات متباينة:إما منافقة النظام وآيديولوجيته، عن انتهازية وارتزاق، وإما الكتابة الإبداعية والفكرية بعيداً عن السياسة، وإما الصمت بالتوقف عن الكتابة نهائيا أو العزوف عن النشر، وإما اتخاذ خيار الجرأة الفكرية والإبداعية في انتقاد استبداد النظام وفساده، على نحو أو أخر.

ومعروف أن عديد المثقفين الليبيين الوطنيين الأصلاء اتخذوا ويتخذون خيار المواجهة الفكرية والإبداعية لاستبداد النظام وفساده، وهو خيار بطولي، لم أكن لأجرؤ عليه آنذاك. فمنهم من قُتلوا، أو غُيّبوا في السجون لسنين طويلة. وفي ذهني طليعة الحركة الابداعية المستقلة، وأقصد مجموعة " الأسبوع الثقافي"، نسبة إلى مجلة " الأسبوع الثقافي"، الذين حاولوا، بطاقة إبداعية شبابية خلاقة، خلق حالة خصب أدبي وفكري في جماهيرية اليباب. لكن فاشية العسكريتارية البدونفطية، كانت لهم بالمرصاد. فأُعتقلوا العام 1978، وحُكم عليهم بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى المؤبد، بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي. وهي تهمة مُلفقة. فهم كانوا مثقفين مستقلين، بغض النظر عن أفكارهم الآيديولوجية الخاصة، شكلوا حركة إبداعية على هامش المتن الثورجي الغوغائي، ودون يتعرضوا في كتاباتهم للنظام أو الديكتاتور بأي انتقاد مباشر. لكن النظام وقتها كان في ذروة سعاره الدموي حيال من يشتبه في عدم ولائه لآيديولوجيته الدوغمائية. فلفقوا لهم تهمة "التنظيم الشيوعي"، دون أي دليل. فمن يطلع على أوراق القضية رقم 40 / 78 نيابة أمن الثورة، كما يقول إدريس بن الطيب في إحدى مقالاته: " سيكتشف أن التنظيم الشيوعي في ليبيا يمكن الاستدلال على وجوده بأن المتهم الأول مثلاُ الذي هو أنا لديه عكاز مثل عكاز "لينين"وهذه ليست دعابة أو كلام في الهواء فقد قام السيد بشير تامر وكيل النيابة والمدعى العام في القضية آن ذاك والذي طالب بتطبيق عقوبة الإعدام، قام بتقديم صورة فوتوغرافية إلى هيئة المحكمة "لـ فلاديمرلينين" وهو يجلس ممسكا بعكازه وذلك لإثبات التشابه بين العكازين ومن ثم إثبات تهمة التنظيم الشيوعي . كما أتهم "إدريس المسماري" بأن لديه سيارة حمراء، وأن "عمر الككلي" يعتقد أن الكتاب الأخضر "ماركسي" وغير ذلك من الأدلة الدامغة على وجود تنظيم سياسي معادٍ للثورة، بل إن "أحمد إبراهيم" نفسه عندما سئل من قبل الدفاع عن دليله على وجود تنظيم، هل هناك اجتماعات؟ محاضر جلسات؟ منشورات؟ مقر؟ غير ذلك؟ قال أمام القاضي: لو كان عندهم هذا كله، نجيبوهم لكم هني؟ نصفوهم في مكانهم..".. وهكذا قضى هؤلاء المثقفون المبدعون الشرفاء أكثر من عقد من محكوميتهم المؤبدة، إلى أن ظهر عليهم "القائد" في إحدى نوباته التطهرية الزائفة، وهو يهدم جزء من سور السجن بواسطة بلدوزرً ضخم، ويردد بيتاً شعريا :
أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق
من نسج مداحه الشاعر السوداني المنافق محمد الفيتوري، الذي صار بمشيئة العقيد ليبياً من فواتير زليطن.

3

عندما اعتقل أولئك الفتية الرائعون، وغيرهم من مثقفين شرفاء، قبلهم وبعدهم ، طغت جائحة ثقافية مرعبة على البلاد. في تلك السنوات الجدباء فكريا وإبداعيا،ما بين 1978 و 1988، خلت الساحة للكتبة الثوريين، في صحف الأسبوع السياسي والزحف الأخضر والجماهيرية. وحافظ العديد من بقايا كتاب الخمسينات الستينات، على أوضاعهم، بطريقة أو أخرى، أختلط فيها الخوف بالنفاق، والطمع بالانتهازية الرخيصة إلى درجة مخزية، كما هو الحال عند خليفة التليسي وعلى خشيم ومن على شاكلتهما. ومنهم من فضل الصمت والإنزواء، ومنهم من تعرض للاضطهاد والسجن مثل الشاعر الوطني الكبير محمد الشلطامي.

وكنت، شخصيا، قد بدأت الكتابة،في أواخر السبيعنات، والنشر بتوسع مع بداية الثمانينات، بمعية الشاعريين البيضاويين < من البيضاء > فرج العربي ومفتاح العماري. ولستُ هنا في معرض تقييم مكانة إبداعية لأي منّا في تلك المرحلة. لكني لإلقاء نظرة على المشهد الثقافي العام وقتها أقتطف من أحمد الفيتوري وهو أحد أهم النقاد البارزين ما كتبه في شأن ثلاثتنا،وبصراحة واضحة:" ثلاثة طلعوا من الجبل الأخضر بالشعر؛ فرج العشة، مفتاح العمارى، فرج العربي. لم يكن لهذا الجبل غير فحوله الشعراء الشعبيين وأساطيره، كان السرد شعرية المكان: أوشاز وكهوف وأسرار، والزمن حكايات تتناسل والرواة أجداد قدماء يتناسخون .في الثمانينات طلع هذا الثالوث وكأنه القرد الصيني ... كانوا وكأنهم محملين بلعنة ما مضى لهذا كانوا ينظرون إلى الخلف بغضب، متشيعين لأنفسهم ولزمرة الغاضبين على كل شيء وعلى لاشيء؛ غاضبين على المؤسسة وهم أبنائها والعاملين فيها بمثابرة وبالمجان. كانوا العاملين في صحف الدولة، واصلوا سخطهم على أسلاف من خلق مخيلتهم الصحراوية وجملة من أوهام تم إسقاطها على هؤلاء الأسلاف. كان ومازال شعارهم الإبداعي: القطيعة وإخصاء الأب ـ رددوا معا آخر ما تناقلته مجلات المغرب ونقادها من ترجمة ركيكة لأخر الموضات الباريسية ـ التي تحولت إلى شعارات و أيدلوجيا حداثوية، شعارات لا يجمع بينها إلا التناقض!" إنتهى كلام الفيتوري، وليس في مخططي،هنا، أن أغطى على أو أتملص أو أخجل من كل ما كتبته في تلك الفترة من مقالات أو نصوص إبداعية، كما لست في معرض الدفاع عن نفسي بأي طريقة كانت. فما كتبته مطبوع ومتاح لكل باحث على ما أظن. لكن ما أود أن أقوله في تقييم مختزل أن ما كتبته من مقالات داخل ليبيا كان نتاج قناعات وعي مشوش في فترة أولى، ثم ممالئة منافِقة لا تخلو من الانتهازية، إلى أن قررت أن لا خيار أمامي إذا أردت أن أتحرر تفكيراً وتعبيراً سوى الخروج نهائيا من جغرافيا القمع وما تفرضه من اغتراب عن الذات ومن تزييف للواقع ومسخ للإنسان وقيمه. غادرتُ ليبيا العام 1994، معلناً خروجي على نظام القذافي، تعبيراً عن رفضي الاستمرار في مسايرة النظام والصمت على استبداده وفساده، وسعياً وراء مكانة المثقف الحر، الذي يعبر عما يفكر فيه دون خوف، بفضل ما توفره جغرافيا المنفي الغربي من حرية آمنة، لا تتوفر للمثقفين الليبيين في الداخل. وأقصد الشرفاء منهم، الذين نُكّل بهم سجنا وتعذيبا وقتلا، والذين يتعرضون للتهديد والوعيد والتضيق عليهم في النشر والنشاط الثقافي المستقل، لأنهم يرفضون الانخراط في جوقة النفاق، المسبحة بحمد الأب والإبن والروح "الإصلاح".

4

إن المقصودين بالانتقاد في هذا المقال هم تلك النوعية من المثقفين الليبيين، المستمرين في منافقة النظام والسكوت على مظالمه ومفاسده. وإذا كان المثقفون الليبيون الوطنيون في الداخل، وما أكثرهم، لا يمتلكون الحرية الكافية لمواجهة هؤلاء المنافقين الانتهازيين بما ينبغي من الصراحة، فإن المثقفين الليبيين في الخارج يملكون الحرية الكافية لانتقاد هؤلاء على مواقفهم المُهينة في حق أنفسهم، قبل أن تكون مهينة في حق شعبهم، مسلوب الإرادة. إن الكتاب والمبدعين الحقيقيين ينبغي أن يتساوق أبداعهم مع مواقفهم. فمن المخزي أن يكون المثقفون <شعراء، روائيين، مفكرين، رسامين،ألخ> منافحين عن الجمال والسمو الإنساني والحق والعدالة، في إبداعاتهم، ويكونون، في مواقفهم من النظام، خانعين، مدجنين، يتسترون على استبداده ويبرورن أعمال القذافي وتصرفاته، بل ويزنون طغيانه عدلا وجهله علما، إذ يُظهِرونه وهو المستبد الفاسد على صورة "نبي"، ويدبّجون المقالات في مديح أفكاره الخرقاء وهرائه الهذياني، على أنه إعجاز عبقري غير مسبوق ولا ملحوق، ويعظّمون كتاباته "الأدبية" الركيكة على أنها إبداع أدبي إنساني عالمي عز مثيله.. وسوف أتناول في الجزء الثاني من هذا المقال، أثنين من كبار مبدعي ليبيا في القص والرواية، وهما أحمد إبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني، من حيث أنهما مثالان على معادلة التوازي المتناقض بين مسايرة النظام والسكوت عن مساوئه من جهة، والاستقلال عن آيديولوجيته في الكتابة الإبداعية.

فرج بو العَشّة
faragasha@yahoo.com
http://alasha56.maktoobblog.com

________________________________________________

* سبق لي نشر هذا المقال في مدونتي http://alasha56.maktoobblog.com بتاريخ 3 نوفمبر 2009


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home