Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 6 September, 2007

رمية النرد الأخيرة لبوش الصغير!(*)

فرج بوالعَـشّة

مع اقتراب تقرير سبتمبر، حول العراق، الذي سيقدم السفير الامريكي جانبه السياسي، وقائد القوات الأمريكية، في العراق، جانبه العسكري ـ الأمني، يحاول الرئيس بوش تهيئة الأمريكيين للقبول بنتائج التقرير غير المُطمئنة. وإقناعهم بوجود"مؤشرات مشجعة" على إحراز تقدم أمني وسياسي. لكنه يحتاج إلى بقاء القوات في العراق حتى إنجاز المهمة؛ ولذلك يطالب الشعب الأمريكي بمزيد من الصبر لإعطاء الخطة الوقت اللازم لإنجاز أهدافها!

وفي سياق هذه الحملة الدعائية الاستباقية لـ"تقرير سبتمبر"اختار الرئيس بوش جمعية قدامى المحاربين ليلقى أمام اعضائها خطابا مطولا، صاغه كتبة خطبه، بعناية دعائية «أولترا غوبلزية»، في محاولة لتلبيس أبليس وداعة بابا نويل، المحمَّل بعطايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والازدهار الاقتصادي للشرق الأوسط الكبير!

ظهر بوش في خطابه مهووسا بلعبة المطابقة الميكانيكية، التحريفية، بين الأحداث التاريخية، حيث طابق بين دور أمريكيا باعتبارها "المُنقِذ ـ الخيّر" في القضاء على محور الفاشية والنازية، في الحرب العالمية الثانية، ومن ثم جلب الديمقراطية والازدهار الاقتصادي لدول: «المانيا، إيطاليا، اليابان»، لتصبح بعد ذلك، وحتى هذا الحين، من اشد حلفاء الولايات المتحدة، وبين دور أمريكا، اليوم، في أفغانستان والعراق، الذي يستهدف، أيضا، حسب المطابقة البوشية، القضاء على "الفاشية الإسلامية"، ومن ثم جلب الديمقراطية والاستقرار والازدهار الاقتصادي للشرق الأوسط الكبير!

وعلى وجه آخر يعمد بوش إلى تقديم قراءة سياسية رغبية في محاولة لإقناع الأمريكيين بأن هزيمة فيتنام كانت نتيجة لانسحاب الجيش الأمريكي المبكر، قبل إتمام المهمة، الأمر الذي أدى إلى مشهد هروب موظفي السفارة الأمريكية المرتبك، والمهزوم، من على سطح السفارة في طائرات الهليكوبتر، ابريل 1975، وعبرة بوش، المستخلصة من ذلك، مصممة للبرهنة على صحة موقفه المتمسك بعدم الانسحاب من العراق، لمنع تكرار هزيمة فيتنام!

لقد استفز، ما جاء في خطاب بوش من تحليل تحريفي للتاريخ، محللون خبراء، ومؤرخون عسكريون، وجنرالات سابقون، مختصون في تاريخ التورط الأمريكي في فيتنام. مثل روبرت هاتاواي، المتخصص في شؤون آسيا، الذي بيّن أن ما استخلصه من حرب فيتنام يتناقض مع ما يعتقده بوش. وأحد الدروس التي استخلصها، كما يقول، هي ان:"قوة عسكرية أجنبية اعتبرها العديد من الفيتناميين قوة احتلال، لم تكن كافية لتوفير الظروف السياسية لتشكيل حكومة تحظى بدعم الشعب. ".. وقال الجنرال المتقاعد، جون جونز، الخبير في مكافحة التمرد:"إن ما تعلمته في فيتنام هو ان القوات الأمريكية لم تكن قادرة على شن هجمات على المتمردين. (وعليه) كلما طال بقاؤنا في العراق ازداد الوضع تدهورا".. أما المؤرخ المعروف روبرت دالك، فقد قارن حرب العراق بحرب فيتنام، مستخلصا: "بقينا عشر سنوات في فيتنام وأطلقنا عليها قنابل أكثر مما أطلقناه خلال الحرب العالمية على كافة الجبهات، وقُتل نحو 58 ألفاً و700 أمريكي، ولم نتمكن من فرض إرادتنا.. (..) إن وجودنا في العراق تجاوز تدخلنا في الحرب العالمية الثانية وحرب العراق كارثة لأننا خضناها، وليس لأننا سننسحب منها. . "

ومن الواضح، لي على الأقل، أن خطاب بوش هذا، المتخم بالعبر التاريخية الرغبية، هو آخر ما يمكن أن يقوله، في تحريف الحقائق، كي يبرر استمرار حربه التدميرية في العراق. إنه ضربة نرده الاستباقية الأخيرة، في رهانه اليائس على انصاف التاريخ لقراره شن الحرب على العراق، وتغيير نظامه واحتلاله، بحسبانه قرارا استراتيجيا صائبا لبناء:" عراق موحد، ديمقراطي ومستقل" حسب قوله، بعدما سقطت ذريعة أسلحة الدمار الشامل!

وهو، في الحقيقة، غير معني لا بالديمقراطية، ولا بمستقبل العراق. ولعله غير معني حتى بقصة إنصاف التاريخ له. فما عاد يعنيه سوى تفويت ما تبقى في فترته الرئاسية، وهو متمسك ببقاء القوات الأمريكية في العراق. وهذا ما ما يراه عضو الكونغرس الديمقراطي البارز جوزيف بايدن، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ومرشح الرئاسة، الذي هاجم سياسة بوش في العراق، واعتبرها مصممة، عن عمد، لتأخير النهاية الفوضوية للحرب، إلى ما بعد تركه منصبه. فسياسة بوش، حسب بايدن:" تدفعنا نحو 'سايغون' أخرى، بمروحيات تحلق فوق مبنى سفارتنا،وهو ما يقول إنه يحاول تجنب حدوثه. "

إن السيد الرئيس، في نظر بايدن، مصاب بـ"عقدة كاترينا"، و:" وعقدة كاترينا هي : تجاهل كل التحذيرات والسماح بحدوث أشياء سيئة، والاستمرار في اتباع نفس السوء، واتباع نفس السياسة الفاشلة ومع ذلك فلا تزال الأشياء تصبح أسوأ وأسوأ، وهذا هو بالضبط ما تفعله تلك السياسة فينا"!.

والحال، حتى لو اضطر الرئيس بوش إلى سحب بعض القوات، فإنه سيستمر في الترويج لحربه الفاشلة، باعتبارها حربا عالمية، طويلة المدى، ضد "إرهاب الفاشية الإسلامية"، واعتبار العراق "الجبهة المركزية". وسيستمر في الإلحاح الهوسي على أن نجاح المشروع الأمريكي، في العراق، أمرا:"حيويا لكسب الحرب العقائدية الأوسع نطاقا. . "، كما يسميها. و"الحرب العقائدية" هنا ترجمة ملطفة لمعنى الحرب الصليبية. فالتعبيرات الصليبية القديمة مضمرة في تعبيرات حديثة، من لدن كتبة خطب السيد الرئيس، الذين يحرصون، شكليا، على إظهار أن:"القتلة وقاطعو الرؤوس ليسوا الوجه الحقيقي للإسلام؛ إنما هم وجه الشر. إنهم يسعون إلى استغلال الدين كطريق إلى السلطة ووسيلة للسيطرة على الشرق الأوسط.. "كما جاء في الخطاب المشار إليه. لكن الواقع، على الأرض، الآن وهنا، يبيّن أن عشرات ألوف القتلى، في الحرب البوشية التدميرية، هم مسلمون مدنيون ابرياء، ربما لم يسمعوا حتى بالقاعدة. وإن المستهدف من "الحرب العقائدية"، "في المدى الطويل"، تصميم إسلام "أمريكي" مهذب، لمسلمين وديعين ينحنون وهم الذين لا ينحنون إلا في صلاتهم لمعبودهم! على الطريقة اليابانية، شاكرين لـ"المُخلِّص" الأمريكي حروبه المتطايرة!

إذن المطلوب، أمريكيا، في المدى الطويل، جعل العرب والمسلمين يحبون أمريكا حبا جما، ومعها إسرائيل بالضرورة. إنها الضرورة، التي يعبر عنها بوش، في خطابه، راسما لأمريكا دورا رسوليا مُخلِّصا، برسم:"شرق أوسط من الدول الديمقراطية الآمنة، التي هي في سلام مع بعضها البعض، وتشترك في الأسواق العالمية، وشريكة في هذا الكفاح ضد التطرف والراديكالية. ونحن نسعى إلى تجفيف مجرى التطوع للقاعدة، والمتطرفين الآخرين، بمساعدتنا الدول على أن تقدم لشعوبها سبيلا نحو مستقبل أكثر مدعاة للأمل. ونحن نسعى لأن تكون هناك إيران تحاسب حكومتها، من قبل شعبها، بدلا من أن تحاسب من قبل قادة، يروجون الإرهاب، ويسعون وراء تكنولوجيا، يمكن أن تستعمل لتطوير أسلحة نووية. ونسعى إلى الدفع قدما بحل يقوم على أساس دولتين، لإسرائيل والفلسطينيين، لكي يعيشوا جنبا إلى جنب، في سلام وأمن. ونحن ننشد العدالة والكرامة وحقوق الإنسان لجميع شعوب الشرق الأوسط.."!.

وطبعا هذا التصور البوشي الدعائي هو ابعد ما يكون عن نشدان العدالة والكرامة وحقوق الإنسان. فوعد الدولة الفلسطينية، الذي يُشير إليه، في بعض خطبه، وكأنه هبة ربانية، ليس سوى وعد مخادع، وإليه "اجتماع السلام" الخريفي، المُراد منه، أمريكيا وإسرائيليا، تمييع "المبادرة العربية، وبث أوهام وردية توحي بوجود عملية سلام جارية، تتيح لعملاء الروم الجدد التظاهر أمام شعوبهم، بأنهم ساعون من أجل حل القضية الفلسطينية، مما يُسهِّل عليهم الانخراط، على المكشوف، في المخطط الأمريكي الرامي إلى تحشيد حلف عربي طائفي للتضييق على إيران، وربما المشاركة الفعلية، ولو لوجستيا، في ضربها عسكريا، إذا ما وسّع عظيم الروم الجدد حربه الصليبية في اتجاه بلاد فارس!! ـ وهذا ما سنتطرق إليه في المقال القادم.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 6 سبتمبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home