Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الثلاثاء 6 يوليو 2010

الشرق المشرقن في المخيال الكولونيالي..!

فرج بوالعَـشّة

يفتتح إدوارد سعيد كتابه "الاستشراق" بفصل "التعرف على الشرق" من خلال تعرف آرثر جيمس بلفور على الشرق، الذي يتمثل عنده في مصر الواقعة تحت الاحتلال البريطاني. كان بلفور ( 1848- 1930) رئيسا لوزراء بريطانيا ما بين 1902 و1905، ووزيرا لخارجيتها ما بين 1916 و1919، حيث أصدر، أثناء توليه منصبه الأخير، وعده المشهور بدعم بريطانيا إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. لكن لا يعنينا وعده في هذا المقال وإنما محاضرته التي ألقاها في مجلس العموم (يوم 13 يونيو 1910) وكان موضوعها: "المشكلات التي ينبغي علينا أن نعالجها في مصر".!

عرض بلفور في محاضرته رؤية جلية عن الاستشراق الكولونيالي، من موقعه كمسؤول رسمي بارز ومفكر سياسي، معبرا عن نظرة العقل الغربي الكولونيالي للشرق{مصر} من منظور المهيمن المتفوق، والعارف بمشكلات الشرق وكيفية معالجتها. إنها رؤية رغبية لشرق مشرقن في تصور امبريالي حديث. تستقى مصادرها من تراث الثقافة الغربية. إنه الشرق المجوهر في شخصية خاصة وتاريخ خاص وأسلوب إنتاج خاص. الشرق كموضوع تفسير وتملك بالنسبة لرجل الدولة البريطاني, وهو هنا بلفور، الذي يدعي، في محاضرته أنه لا يتلبس "موقفا فوقيا" عندما يتحدث عن مشكلات الشرق، التي حسبه: " لا بد أن يعالجها رجل الدولة البريطاني حين يجد نفسه في موقع السيادة على شعوب عظيمة كسكان مصر وبلدان الشرق.." والمعنى أن مصر "بأهلها" لا تعرف نفسها. وبالتالي فإن مهمة بريطانيا التي تعرف عن مصر أكثر مما تعرف عن غيرها هي أن تمتلكها أي تحتلها، لأن أهلها الشرقيين لا اثر عندهم كما يقول: " لحكم الذات على الإطلاق."... ويعتبر احتلال بريطانيا للشرق خيرا لأهلها. فقد عرفوا تحت الاحتلال البريطاني: "حكومة أفضل بمراحل مما عرفوه خلال تاريخ عالمهم الطويل كله، وأنها ليست مصدر نفع لهم فقط بل هي دون شك مصدر نفع للغرب المتحضر بأكمله..... نحن في مصر لسنا من أجل المصريين وحسب، مع أننا فيها من أجلهم، نحن هناك أيضا من أجل أوروبا كلها".... أليس هو جوهر الخطاب الاستشراقي الامبريالي التبريري نفسه في حقبة الإمبراطورية الأمريكية المهيمنة على شرقنا اليوم، وإن بلغة معرصنة، تتحاشى لغة خطاب الاستشراق الكلاسيكي المباشرة كما عند بلفور، الذي يمن على الشعوب التي تحتلها إمبراطوريته وتنهب ثرواتها بأن بريطانيا ترسل إلى مستعمراتها أفضل الموظفين والخبراء الذين يعملون دون أنانية لتسيير شؤون السكان الأصليين وتحضيرهم. ولا ينسى أن ينبه في محاضرته كاستعماري قح، حتى لا نقول "وقح"، إلى وجوب إشعار السكان الأصليين بأن وراء الموظفين والخبراء البريطانيين قوة إمبراطورية تدعهم، وجاهزة لقمع أي تمرد على سلطة الاحتلال. وفي ذهنه دائما أنموذج مصر التي لم تكن مجرد مستعمرة أخرى لبريطانيا: " بل كانت التسويغ الإيجابي للاستعمار الغربي. فقد كانت، حين لحظة ضمها من قبل إنجلترا، مثالا جامعيا تقريبا للتخلف الشرقي، ثم كان لها أن تصبح تجسيدا لانتصار المعرفة والقوة الإنجليزيتين". حسب تحليل إدوارد سعيد الثاقب.
إن مصر (القرن الثامن عشر) لم تكن، في تصور الاستشراق الامبريالي، شيئا في التاريخ قبل الاحتلال البريطاني. بل إن بلفور يختزل الفضل في جعلها شيئا في عمل شخص واحد، وهو المندوب السامي اللورد كرومر، الذي اعتبره بلفور قد صنع مصر من لا شيء. إذ إنه: "في كل ما مسه نجح ... وقد ارتقت خدمات لورد كرومر بمصر خلال ربع القرن الماضي من أدنى درجات المهانة الاجتماعية والاقتصادية إلى حيث تقف الآن بين الأمم الشرقية فريدة، في اعتقادي، دون منازع في ثرائها، ماليا وأخلاقيا".... ولم يكن من المتوقع أن يتوقف بلفور في محاضرته عند الحقائق التاريخية الصارخة التي تكشف أن مصر تعرف نفسها بأهلها دون حاجة إلى موظفي إنجلترا وخبرائها. وأنها كانت دولة منتجة في التاريخ قبل الاحتلال الإنجليزي العام 1882. ففي ذلك العام كان قد مر أكثر من نصف قرن على نهضة الدولة المصرية الحديثة في عهد محمد علي، الذي أسس لبنية تعليمية عصرية واقتصاد قوي على قاعدة صناعية ناهضة كصناعة الورق والنسيج والمدافع والبنادق والذخائر والبواخر، علاوة على مواردها الزراعية الفائضة للتصدير وفي طليعتها القطن والحبوب... لكن المستعمر المسيطر، قوة ومعرفة، يعتبر نفسه هو من يصنع التاريخ وبالتالي يكتبه ليسوغ مشروعه الكولونيالي إيجابيا وينزله منزلة المهمة الكونية الخيرة. ويعطي لنفسه وظيفة معلم الحضارة الحديثة للشعوب الشرقية المتخلفة. وعلى هذا فإن الامبرياليين الأوروبيين "المتحضرين"، الذي يمتلكون القوة والمعرفة، يمتلكون أيضا "الحق" في السيطرة على الشرقيين "المتخلفين" وإدارة شؤونهم والتصرف في ثرواتهم. فالمعرفة، حسب كرومر، تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيدا من المعرفة. ومن هنا استغراق كرومر في تحليل الشخصية الشرقية واستخلاص نتائج نمطية ترضي تصوراته الامبريالية وأحكامه العرقية العنصرية. فالعقل الشرقي، عند كرومر، غير منطقي ويفتقر إلى الدقة، بينما الأوروبي ذو محاكمة عقلية دقيقة. وهو مطبوع على المنطق" رغم أنه قد لا يكون درس المنطق. وهو بطبعه شاك ويتطلب البرهان قبل أن يستطيع قبول حقيقة أي مقولة. ويعمل ذكاؤه المدرب مثل آلة ميكانيكية".... وبالمقابل يصور العقل الشرقي عاجزا "عن استخراج أكثر الاستنتاجات وضوحا من أبسط المقدمات"... وعلى هذا المنوال التضادي تمضي المقارنة العرقية الأخلاقوية بين ما يمتاز الأوروبي الإنكلو ـ ساكسوني به من فضائل العقلانية والشفافية والنبالة والمصداقية ....إلخ. وبين ما يختص الشرقي به من رذائل اللاعقلانية والكسل والكذب والنفاق.... إلخ. وهكذا فإن معرفة الشرق وليدة القوة، حسب إدوارد سعيد. فهي " تخلق، بمعنى من المعاني، الشرق، والشرقي وعالمه. وفي لغة كرومر وبلفور يقدم الشرقي في صورة شيء يحاكمه المرء (كما في محكمة العدل)، شيء يدرسه المرء ويصوره (كما في خطة دراسية)، شيء يؤدبه المرء (كما في مدرسة أو سجن)، وشيء يوضحه المرء ويمثل عليه (كما في دليل وجيز في علم الحيوان). والنقطة المثارة هنا هي أن الشرقي، في كل هذه الحالات، يحْتوى، ويمثل بأطر طاغية..".

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home