Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 6 April, 2007

الحقبة السعـودية في قمتها!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

انفضت قمة "الرياض"، كسابقاتها من قمم، دون أن تكون في مستوى القمة! أي في مستوى التحديات المصيرية، التي تواجه العرب (الشعوب). والانهيارات المتلاحقة، التي تعصف بهم، والأخطار الماثلة، التي تتهددهم. ولم يكن منتظرا من قمة الأنظمة إياها أن تعبر عن إرادة شعوبها وكرامتها القومية. فالأنظمة العربية، في معظمها، هي سبب البلايا النازلة بالشعوب والأوطان!.

إن العرب(الآن) هم ليسوا أكثر من تركة تاريخ، دون أن يكونوا فعلة فيه. ظلوا لخمسة قرون في عهدة العثمانيين. ثم لما بادت دولة الخلافة المهترئة، نُقلوا إلى ملكية الفرنجة (الإنجليز والفرنسيس والطليان والإسبان)، ومنهم إلى الأمريكان. إنهم موضوع امتهان مزدوج، من طرف المستبد "الوطني"، المرتهن بدوره للمسيطر الأجنبي. و قد كان ولا يزال الطرفان (المستبد "الوطني" والمهيمن الأجنبي) متحالفين ضد إرادة، هذه، "الشعوب" العربية، وحقها في تقرير مصيرها السياسي!.

حاول عبد الناصر أن يرفع رأسها. وأن يخرجها من تبعيتها لعصور الآخرين، وأن يدخلها في عصرها العربي. أي في مشروع قومي نهضوي يستجيب لتحديات العصر والتاريخ. وقد ظهرت سمات المشروع القومي وتوالت مع وضع الأساس لحركة عدم الانحياز في باندونغ 1955، وتأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، ومن ثم مواجهة العدوان الثلاثي وإفشاله، وقيام الوحدة بين مصر وسوريا في 5 فبراير 1958، إسقاط حلف بغداد، بعدها بثلاثة أيام، عن طريق انقلاب عبد الكريم قاسم 8 فبراير 1958، وتسليح ثورة التحرير الجزائرية 1958ـ 1963، وخوض القتال في سبيل ثورة اليمن (1963) التي أخرجته من ظلمات الإمامة، وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في 14 مايو 1964، ثم إطلاق أول رصاصة في مسيرة الكفاح الفلسطيني المسلح في الفاتح من يناير 1964 .

في مسيرة الكفاح الفلسطيني المسلح في الفاتح من يناير 1964. وخلال تلك الحقبة القومية الحيوية، ما بين 1956 ـ 1970، بتحدياتها وانتصاراتها وانتكاساتها، كانت القمم العربية تعكس أجندة المشروع القومي، المؤسس على مفهوم استراتيجي للأمن القومي العربي. وهنا يصح القول أن القمم العربية وقتها كانت في مستوى قامة عبد الناصر، قائد الأمة بلا منازع!.

بعد وفاة عبد الناصر جاءت فرصة ثانية ثمينة لتأسيس حقبة جديدة للمشروع القومي يناسب الانتصار العربي العسكري في حرب أكتوبر 1973. لكن السادات اختار أن يأخذ مصر إلى العصر الصهيوأمريكي. فدخل العرب في الحقبة السعودية تحت الرعاية الأمريكية. وأطلق الأمير فهد مبادرته للسلام العام 1981، بعد مشاورة الأمريكيين. وجاء الرد الإسرائيلي على المبادرة بغزو لبنان واحتلال بيروت 1982، وطرد المقاومة. وكانت تلك علامة على سقوط المشروع القومي التحرري. وقد وجدت أمريكا في ذلك فرصة سانحة لاستثمار النصر الإسرائيلي العسكري بغية تعزيز هيمنتها على المنطقة، وتضيق الخناق على النفوذ السوفيتي. لكن كان عليها أن تتظاهر بالحرص على تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، فأطلق ريغان مبادرته للسلام في 10 سبتمبر 1982، التي نصت إجراء مفاوضات تتناول:"مبادلة الارض بالسلام. وهذه المبادلة مكرسة في قرار مجلس الامن الدولي 242 الذي أُدمج بدوره وبجميع أجزائه في اتفاقتي كامب ديفيد. ". ومع أن مبادرة ريغان تصب في مصلحة إسرائيل، وتلبي مطالبها، إلا أن بيغن رفضها، واعتبرها تجاوزا لاتفاقات كامب ديفيد، التي تمنح للفلسطينيين حكما ذاتيا هزيلا. وقد جاء الإعلان عن مبادرة ريغان في اليوم التالي لتبني "مشروع فهد" في مؤتمر القمة العربية الثاني عشر، الذي عُقد في مدينة فاس المغربية!.

كان الغرض السياسي الحقيقي، من "مشروع فهد"، وكذلك "مبادرة ريغان"، بث أوهام السلام في المنطقة لخلق حال من التهدئة الضرورية كي تتفرغ الأنظمة العربية (السعودية، مصر، الأردن تحديدا) لتركز حماس الشباب الجهادي في اتجاه أفغانستان وليس فلسطين، خدمة للأجندة الأمريكية في صراعها ضد الاتحاد السوفيتي. وفي سبيل"الجهاد"الأمريكي في أفغانستان تم تجنيد أكثر من مائة ألف أفغاني عربي دربتهم وسلحتهم المخابرات الأمريكية، بدعم مالي سعودي بلغ حوالي عشرين مليار دولار، نيابة عن أمريكا، التي تمنع سلطتها التشريعية (الكونجرس) صرف أية أموال دون علمها وموافقتها!.

وبعودة مصر إلى الجامعة العربية في قمة الدار البيضاء، غير العادية. ، مايو1989، التئمت الحقبة السعودية والنهج الساداتي (على الطريقة المباركية). وهنا دخل صدام على خط الانهيارات العربية، بغزو الكويت وتهديد السعودية، لأنهما، في نظره، تآمرا مع الأمريكيين لإسقاط نظامه، من خلال إفلاسه بواسطة المطالبة برد ديون الحرب، وإغراق السوق العالمي بالنفط حتى وصل سعر البرميل إلى ستة دولارات. وفي15 أغسطس 1990 انعقدت قمة القاهرة بطلب من السعودية ودعوة من مصر وبتوجيه أمريكي، لغرض قفل الباب أمام أي حل عربي للأزمة، وتبني قرار عربي يضفي الشرعية على استدعاء قوات أجنبية بدعوى"تحرير الكويت"!.

ولم يكن ينقص الانهيارات العربية إلا انهيار الاتحاد السوفيتي واختفائه تماما من المسرح الدولي، لتستفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على المنطقة، ويتحدث بوش الأب عن ولادة نظام عالمي جديد، هي في الحقيقة ولادة "مشروع القرن الأمريكي"، الذي من أهم أهدافه السيطرة على نفط المنطقة العربية وتأمين استقرارها، وحماية أمن إسرائيل. ولكي يبدو مشروع الهيمنة الأمريكية معبرا عن نظام عالمي جديد خيّر، وإرضاء للأنظمة العربية التي شاركت في الحرب الأمريكية الأولى على العراق، أعلن الرئيس بوش الأب في خطابه أمام الكونجرس في 6 مارس 1991:"لقد حان الوقت لوضع حد للنزاع العربي الإسرائيلي.. ". والمقصود إطلاق عملية سلام مفتوحة في إطار "مؤتمر مدريد للسلام"، الذي لم يسفر إلا عن تعويم القضية الفلسطينية كقضية عربية مركزية، من خلال تفكيك وحدة المسار العربي التفاوضي، إلى مسارات منفردة، كانت نتيجتها معاهدة"وادي عربة"، التي عززت استفراد إسرائيل بالفلسطينيين، واتفاقيات أوسلو، التي أرادها عرفات موطئ قدم لحلم الدولة الفلسطينية على أراضي 4 يونيو 67، واستغلتها إسرائيل لتحويل المسألة الفلسطينية من قضية صراع وجودي على أرض فلسطين التاريخية إلى مجرد نزاع سياسي على مناطق Territories مختلف على تبعيتها!.

ثم كانت قارعة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وغزو العراق 2003 انطلاقا من أراضي عربية. وقد أُصيبت معظم الأنظمة العربية بالصدمة والرعب، خوفا على عروشها. فقامت فورا إلى خيار الانبطاح الاستراتيجي. وهناك من شحن ما قد يشتبه فيه من معدات برنامجه النووي إلى واشنطن وعلى نفقته الخاصة. ولتدخل الانهيارات العربية في طور الكوارث الكبرى، وعلامتها الكارثة العراقية. لكن على وجه آخر من الكارثة تولّدت ظاهرة المقاومة العراقية، التي ارتدت على المشروع الأمريكي بالصدمة والرعب. وهو ما دعى ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، إلى القول إذا كانت الحرب الأولى على العراق 1990 قد أسست للحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط، فإن الحرب الثانية على 2003 تسجل نهاية هذه الحقبة. ومع ذلك يتشبث "الاعتداليون" بالمشروع الأمريكي، ويبذلون ما في وسعهم لأجل إنجاحه في العراق، وفي المنطقة. حتى أن بعضهم أعلنوا معاداتهم الصريحة لحزب الله ومقاومته للإسرائيليين. وباركوا، سياسيا، العدوان الصهيوأمريكي على لبنان. بل وشاركوا في حصار إخوتهم الفلسطينيين لغرض إسقاط حكومة حماس، وإنهاء خيار المقاومة. وتآمروا على سوريا بغرض عزلها عن قيادة الموقف العربي، ومعاقبتها على ممانعتها للمشروع الأمريكي... وها هم ينخرطون في تطويق إيران ومحاصرتها، والدعاية ضدها لتبرير ضربها عسكريا، من جهة أمريكا أو إسرائيل، أو الاثنين معا!

وهكذا بينما تتعمق الروح القومية لدي الشعوب العربية، وتتنامي حالة الرفض الشعبي المعلن لثنائية الاستبداد والتبعية، وتتصاعد حركات المقاومة للمشروع الصهيوأمريكي، تعوذ معظم الأنظمة العربية برضا أمريكا من سخطها، وبمعافاتها من عقوبتها!وتكد في طلب قبول إسرائيل بالسلام معها، وتغريها بتطبيع قبلات الغرام على وجناتها إذا ما قبلت بمبادرة عرب السلام. ولا تجد من الدولة الصهيونية إلا مزيدا من الصد، بل انها تطالبهم بإظهار المزيد من تولّههم بها وتقديم المزيد من التنازلات!

أما إيران فإنها أمة تحترم نفسها. فها هي تنهض بإرادة شعبها قوة إقليمية مرهوبة الجانب. والذين، كما يقول ريشارد هاس:" ظنوا بأن إيران كانت قاب قوسين أو أدنى من التغيير هم خاطئون. إيران التي تتمتع بثروة هائلة ستبقى أكبر القوى الخارجية المؤثرة فى العراق فلديها قدر كبير من تحريك موقف حماس وحزب الله. إيران أيضاً قوة إمبراطورية كلاسيكية لها طموحات لصنع المنطقة على شاكلتها ولها أيضاً إمكانيات لترجمة هذه الأهداف إلى حقيقة. "

إن إيران تستثمر، بذكاء وحنكة، انتصار المقاومة في لبنان، وصمودها في فلسطين، وتمسك الحليف السوري بموقفه العروبي الممانع، وتورِّط المشروع الأمريكي في المستنقع العراقي، لتوفير أسباب المنعة والقوة، حماية لمشروعها الإسلامي في مواجهة المشروع الأمريكي.

ولو أن الأنظمة العربية تحتكم إلى إرادة شعوبها، التي تملي عليها، بالضرورة، خدمة مصالح الأمة، وحفظ أمنها القومي، لوجدت في قوة إيران الإسلامية قوة للأمة العربية، بدل الانخراط في خدمة المشروع الأمريكي، الصهيوني في مضمونه، الذي يستهدف استبدال الخطر الإسرائيلي العدواني، القائم والواضح، ضد الوجود العربي، بـ"خطر"إيراني "فارسي ـ شيعيmade in usa !

قد يقول قائل أن الأمر اختلف بعد قمة الرياض، التي، حسب كُتّاب ومثقفي الريال السعودي، خرجت بقرارات كبيرة وشجاعة لحماية الأمن القومي العربي، والمصالح العربية الحيوية!.

وفي الحقيقة، الواضحة لي، على الأقل، إن ما خرجت به قمة الرياض ليس سوى مبايعة من النظام العربي الرسمي لسيطرة الحقبة السعودية المطلقة على تشكيل السياسة العربية. أما ما ورد في البيان الختامي من مقررات، قد تبدو نقلة نوعية للعمل العربي المشترك، فهي كالعادة مجرد كلام في كلام. كما هو كلام في كلام، وشعارات في شعارات، ما قاله الملك عبد الله بن عبد العزيز في حديثه الإنشائي العاطفي عن "فلسطين الجريحة" و"العراق الحبيب" وعدم السماح:"لقوى من خارج المنطقة أن ترسم مستقبل المنطقة، ولن يرتفع على أرض العرب سوى علم العروبة.. "، وغير ذلك من مقتضيات الاستهلاك المناسباتي!

إذ أي قمة هذه حتى لا يجد "البيت الأبيض" ما يزعجه منها سوى عبارة واحدة قالها الملك عبد الله في خطابه الافتتاحي، فصارت هي أهم حدث في القمة. إذا تجرأ الملك السعودي، بعد أربع سنوات، على تسمية الوجود الأمريكي في العراق باسمه الحقيقي. أي: احتلال أجنبي غير مشروع. ومع أن الرجل لم يفعل أكثر من أنه سمّى الأسود أسودا، إلا أن الإدارة البوشية ثارت ثائرتها، وطالبت السعودية بتوضيحات عاجلة، رغم أن رؤساء وزعماء دول كثيرة في العالم صرحوا علنا ومرارا بمثل ما صرح به الملك السعودي، دون أن يتعرضوا لما تعرض له من غضب أمريكي!.

إن الموقف الأمريكي هذا يكشف، بشكل مهين، كم هي هذه الأنظمة خانعة، غير مسموح لها الخروج عن النص الأمريكي، وعليها أن تتراجع إذا انحرفت. ومن مساخر الحال العربي أن إعلام الريال السعودي سارع إلى تدبيج المقالات والتعليقات والتحليلات في مديح الملك الذي تحدى أمريكا، وكأنه تحول إلى ناصر أو تشافيز!!

ومع ذلك لا نملك إلا أن نتساءل، في ختام المقال، هل تنوي السعودية حقا، وهي في قمة حقبتها، الالتزام بما قاله الملك عبد الله، أمام القمة، من:"إن أول خطوة في طريق الخلاص هي أن نستعيد الثقة في أنفسنا، وفي بعضنا البعض، فإذا عادت الثقة عادت معها المصداقية، وإذا عادت المصداقية هبت رياح الأمل على الأمة، وعندها لن نسمح لقوى من خارج المنطقة أن ترسم مستقبل المنطقة، ولن يرتفع على أرض العرب سوى علم العروبة.. "؟!

بالنسبة لي أشك في ذلك شكا مزمنا.... ومع ذلك لننتظر ونرى، على رأي الإنجليز!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 5 أبريل 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home