Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 6 فبراير 2009

غزة والامبراطور الأسود..!! *

فرج بوالعَـشّة

1

الرئيس الأمريكي الرابع والأربعون، ولّد من أب أسود مسلم كيني الأصل، وأم بيضاء مسيحية أمريكية الأصل.ولّّّّّد باراك مسلما وسمّي باسم إسلامي ذي أصل عربي: "بركة".وظل مسلما عندما كان الأب في العائلة.. ولكن بعد انفصال الأب عن الأم، وكان عمر أوباما سنتين، ثم عيشه في كنف جديه لأمه؛ صار مسيحيا. وتحول اسمه "بركة" العربي الإسلامي، إلى اسم "باراك" المسيحي التوراتي..وفي العام 1995 اعتنق المسيحية البروتستناتية على طريقة كنيسة المسيح المتحدة..!

2

عندما شن الجيش الصهيونازي عدوانه الإجرامي على غزة، لم يكن أحد في العالم ليتساءل عن موقف بوش دبليو. لأن موقف "كليم الرب الصهيوني" معروف ومحفوظ ومكرور على مدى ولايته المشؤومة. فكما هو متوقع حمّل حماس المسؤولية عن محرقة غزة، ودافع بشراسته المعهودة عن إسرائيل وحقها في شن الحرب والتدمير والقتل، باسم الدفاع عن النفس..لكن السؤال الذي طُرح بإلحاح كان موجَّها نحو أوباما :لماذا لا يتكلم الرئيس المنتخب الذي سحر أمريكا والعالم ببلاغته السياسة ذات النزعة الإنسانية الكونية عن الإنصاف والعدالة، وتغليب الدبلوماسية على شن الحروب الاستباقية غير المشروعة، والتزام المعايير الدولية والتعاون الدولي في معالجات الأزمات؟!..ما الذي منعه من التصريح بموقفه الرئاسي حيال محرقة غزة، التى نفذها جيش من القتلة، استعمل أسلحة محرمة دوليا، وارتكب جرائم حرب واضحة وضوح انفجارات الفسفور الأبيض الهاطلة بنيرانها الحارقة على مناطق غزة المكتظة بالسكان؟!.. هل كان خائفا أن يلتصق به وصف جون مكين، الذي اتهمه، أثناء الحملة الانتخابية، بأنه مرشح حماس المفضل، إذ ما طالب بوقف فوري لإطلاق النار؟!

3

قيل في تبرير صمته، كما قال هو نفسه، فيما بعد، أنه ملتزم بمبدأ عدم التدخل في السياسة الخارجية، لأن: "هناك رئيسا واحدا في الوقت الحالي".. لكنه لم يلتزم بالمبدأ نفسه في إدانته لهجمات مومباي ودعمه للهند..فهل كان بصمته يتهرب من تبعات مطالبة إسرائيل وقف حربها والانسحاب من قطاع غزة، مما يهيج ضده، مبكرا، مؤيدي الدولة الصهيونية، الديمقراطيين منهم والجمهوريين؟!.. أم كان يتجنب التصريح بموقفه المؤيد لإسرائيل فيظهر مطابقا لموقف بوش، مما يخل بصورته المرسومة له بحسبانه المنقذ القادم بالتغيير لأمريكا والعالم؟! والحال بما أنه فضّل الصمت، فإن صمته كان علامة رضا، سواء أراد أو لم يرد، عما ارتكبته إسرائيل من جرائم حرب صريحة، منقولة مباشرة على الشاشات الفضائية الكونية، صدمت فظائعها الرأي العام العالمي، رغم انحياز جُلّ الإعلام الغربي اللاأخلاقي الفاضح في تبني المنطق الصهيوغوبلزي القائم على أبلسة الضحية وتبرئة الجلاد..! والأكثر من ذلك عقد فريق أوباما صفقة تحت الطاولة مع الصهيونازيين، مفادها أن يصمت الرئيس المنتخب عما يحدث في غزة، على أن يوقف الإسرائيليون عمليات جيشهم الحربية وينسحبوا من قطاع غزة، قبل 20 يناير كي لا تلطخ دماء أطفال غزة المشهد الكوني البهيج لتتويج الامبراطور الأسود سيدا للبيت الأبيض...!

4

...وجاءت المناسبة لنسمع على عظمة لسان الرئيس الجديد موقف إدارته الرسمي، عندما أعلنت وزيرة الخارجية الجديدة، الست هيلاري كلينتون، في مقر وزارة الخارجية، بحضور الرئيس أوباما، تعيين جورج ميتشل مبعوثا أمريكيا خاصا إلى الشرق الاوسط وريتشارد هولبروك مبعوثا خاصا إلى أفغانستان وباكستان..!

كان جورج ميتشل، في كلمته، حريصا، إلى حد ما، على إبداء حياده حيال طرفي الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.. ثم جاء دور الرئيس الجديد في الكلام.لكنه لم يأت بجديد سياسي حقيقي في الموقف الأمريكي التقليدي. كرر تقريبا موقف بوش اليميني الأصولي المتصهين...!

كرر الكلام نفسه، تقريبا، في التأكيد على العمل من أجل تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط، والالتزام الأمريكي بالدفاع عن إسرائيل ودعمها في مواجهة الأخطار، ومطالبة حماس بوقف إطلاق الصواريخ. والتأكيد على ضرورة إنشاء نظام أمني لمنع تهريب السلاح إلى قطاع غزة... مقابل حث إسرائيل على فتح معابر لمساعدة الفلسطينيين. مع إبداء التعاطف "الإنساني" مع المدنيين الفلسطينيين من حيث حاجتهم الفورية إلى الطعام والمياه النظيفة والعناية الطبية العاجلة، وليس التحرر من الاحتلال، الذي هو سر البلاء الصهيونازي المقيم منذ وعد بلفور المعلون باسم بريطانيا العظمى، التي لا يزال خبثها الكولونيالي العفن ممثلا في المتصهين بلير...!

5

ورغم أنه لم يكن لدي أوهام أو تصورات فنتازية بأن يذهب أوباما بوعوده في التغيير إلى حد الإلتزام بمنطق "العدالة الإنسانية" في إدانة جرائم إسرائيل الصارخة صراخ أطفال غزة المحروقين على الشاشات الفضائية بنار الفسفور الأبيض، إلا أني لم أكن أتوقع أن يكون موقفه بهذا المستوى من التهافت الأخلاقي في التستر على العدوان الإسرائيلي الإجرامي.وعلى هذا القدر من التلاعب السياسي المستخف بالكلمات والمعاني بغرض التنصل من إبداء موقف واضح يتسق مع وعوده بالتغيير...! فهل يصح البحث له عن تبريرات سياسوية، من باب القول أنه ينبغي ألا ننسى أن الرجل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وليس جمعية خيرية.فكل كلمة تخرج على لسانه محسوبة بدقة متوازنة في مسار الضبط الضروري بين البيت الأبيض والكابتول والبنتاغون وشارع المال وشارع المولتي ميديا..وقبل ذلك وفوق ذلك غول اللوبي اليهودي المستشري في البنية المؤسِّسة للنظام الأمريكي:دينا وأساطير ومالا وإعلاما...!

أي، بهذا المعنى، على متوقعيّ الكثير من أوباما، أن يعقلنوا توقعاتهم بألا يتوقعوا من أوباما أن يتحول إلى ثوري من طينة مالكلوم إكس..أو مصلح يحاكي إنسانية لوثر كنج الإنجيلية.. وأن يكتفوا بما يمكن أن يفعله، الرجل الأسود في البيت الأبيض، في حدود التغيير الممكن. بمعنى التوقف عند دلالة اختيار أوباما لجورج ميتشل، مبعوثا خاصا للشرق الأوسط، والأخذ في الاعتبار أن إسرائيل متضايقة جديا من تعينه، ليس فقط لكونه ذي جذور لبنانية لناحية الأم، إنما لأن الإسرائيليين يتذكرونه بصفته رئيسا للجنة تقصي الحقائق التي حققت في أحداث انتفاضة الثانية عام 2000، وأصدرت تقريرا على قدر من المعقولية، دون أن يكون منصفا تماما، ومع ذلك أغضب شارون وحكومته شديد الغضب، لمجرد أنه خلص إلى أن: "وقف أعمال العنف الإسرائيلية الفلسطينية" مشروط بالتجميد الكامل للاستيطان.. وها هو يعود إلى مشهد الصراع، الذي اختبره قبل 8 سنوات، دون أن يعاين مسرح المحرقة الصهيونازية في غزة، ساكتا على جرائم اليهود النازيين، مُطالبا، في فقرة مقتضبة ـ لا معنى سياسيا لها ـ بضرورة فتح المعابر على غزة مقابل وقف إطلاق الصورايخ على إسرائيل، ثم متنقلا في مكوكية دبلوماسية مكرورة بين أطراف معروفين، أما بانحيازهم للدولة الصهيونية أو التشارك معها، بشكل أو آخر، في رغبة الخلاص من حركة حماس ونهج المقاومة...!

6

من الواضح، لي على الأقل، أن السيد أوباما، الأسود على شيء من الأبيض، لن يكون خارقا للتاريخ.وحديثه عن التغيير، القادم به للبيت الأبيض، يندرج في سياق قابلية مؤسَّسة النظام السياسي الأمريكي للتغيير التكتيكي البراغماتي، ضمن مفاهيم "المؤسَّسة" وآلياتها المُحكَمة، وليس تغييرا جوهريا بمعنى التحول الاستراتيجي الثوري..! نعم بوسع أوباما الإيفاء بالتغيرات التي وعد الناخبين بها في الكثير من مناحي السياسة الداخلية، على صعوبتها الفائقة بسبب الأزمة المالية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية بنيوية.. لكن وعوده بالتغيير في السياسة الخارجية لن تتجاوز، في رأيي، إعادة إنتاج الرؤية الكلينتونية في طبعة مُحسَّنة؛على أساس قيادة العالم مع دول العالم وليس السيطرة عليه..!

7

...ومع ذلك لننتظر ونرى..!!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 5 فبراير 2009م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home