Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Thursday, 1 December, 2005

أحقا توجد إشكالية بين الإسلام والعـولمة؟!!!!

فرج أبوالعـشة

جاء الإسلام دعوة عالمية. وبمعنى آخر دعوة لعولمة التوحيد الإلهي: "الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد." في الوقت الذي كانت تهيمن، فيه، على الغرب والشرق، عقيدة التثليث الإلهي المسيحي، بينما كانت العقيدة اليهودية، قومية انعزالية "غيتوية"، منغلقة على أتباعها. فالله، عند اليهود، إله خاص لشعب خاص "مختار". فحسب التلمود، فإن الإله اختار اليهود لأنهم اختاروه.

ومن الجدل الأخلاقي ـ التاريخي بين اليهودية والمسيحية، العهد القديم والعهد الجديد، كان ظهور الإسلام خطابا مائزا. فإذا كانت اليهودية عقيدة غنوصية حلولية. بمعنى حلول: "الإله في الشعب اليهودي فيتأله الشعب ويصبح في منزلة الإله.."، وعقيدة عنصرية، لها تراث هائل من كراهية الأغيار، أي من هو غير يهودي. وإذا كانت المسيحية، عقيدة أخلاقية، تقوم، في الأصل المسيحي الصحيح، على مبدأ:"مملكتي ليست من هذا العالم"، فإن الإسلام قد ظهر دعوة مفتوحة للعالمين جمعيا. وهو دين ودنيا، وإن ليس دينا وسياسة بالضرورة. الإسلام دينا يكسب به المسلم السلام لروحه، بالتسليم لله. ويطهرها ويحميها من الكراهية والبغضاء والفحشاء والكذب والغش... والإسلام دنيا، دين معاملة أساسها إقامة العدل، بمفهومه الشامل.

جاء الإسلام رحمة لكافة الناس:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين." ودعوة للإخاء بين كافة البشر: "يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، ونظاما للعدالة الاجتماعية، بمفهوم دولة الرعاية الاجتماعية اليوم.

جاء الإسلام بمنظومة حقوقية أخلاقية، قائمة على فقه المعاملات، حيث "الدين معاملة" وحيث "إنما الإعمال بالنيات"، وحيث "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"، وحيث: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيدكم.". والمعاملة تكون بقصد النية الصادقة، سواء بين المؤمن وربه، دون وسيط، أو بين المسلم والآخر، أكان مسلما أو غير مسلم، أو حتى بين المسلم والطبيعة (البيئة) بمكوناتها المختلفة. فالإسلام هو فعل الإيمان. أي ممارسة الإيمان في المعاملة، و "كأن الله معك".

إذن كانت رؤية الإسلام رؤية حضارية كونية، أخلاقية اجتماعية سياسية ثقافية، جديدة، متقدمة على عصرها، بمسافات مستقبلية، في عصر انحطاط الحضارة الرومانية والفارسية. ففي اللحظة التاريخية، التي جهر، فيها، النبي محمد بدعوته، كانت الإمبراطورية الرومانية، على وجهيها البيزنطي الشرقي والروماني الغربي، تهيمن على العالم.

كانت الإمبراطورية الرومانية، بالقياس إلى عصرها، أعظم قوة، وأوسع هيمنة، من الإمبراطورية الأمريكية، اليوم. كانت روما تعولم ثقافتها ودينها، وقوانينها وتجارتها وعملتها، حيثما وصلت سيطرتها، الممتدة في أعماق قارات العالم القديم. وكان للروم عملاؤهم من قبائل العرب، وللفرس عملاؤهم من قبائل العرب. وكان عرب روم يقاتلون عرب الفرس، حسب تعليمات أسيادهما، إلى أن ظهر محمد العربي بالإسلام، فوصلت الرسالة إلى هرقل "عظيم الروم"، وكسرى "عظيم الفرس"، والنجاشي "ملك الحبشة"، والمقوقس "عظيم القبط".

كانت رسائل النبي القصيرة، بما قلّ ودلّ، إلى ملوك الإمبراطوريات العالمية الأربع، المهيمنة على المجال الإستراتيجي للدعوة المحمدية الناشئة، تحمل مضمونا واحدا تقريبا، وهو التبليغ بانبثاق فجر عالم جديد، والدعوة إلى وحدانية الله، ضمن الدعوة إلى عولمة إنسانية جديدة. أما أسلوب الرسائل فكان يختلف، بعض الشيء، بين الرسائل. ففي رسالته إلى النجاشي، كان يخاطب ملكا له صيت طيب عند العرب، وقسم كبير من رعايا مملكته أصولهم عربية خالطتها الزنوجة. وكانت مسيحية المملكة النجاشية قريبة من مفهوم القرآن لها. ولذلك خاطبت الرسالة النجاشي بمودة الناصح، وأوضحت المفهوم القرآني للمسيحية، كما يؤمن به المسلمون: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصخم ملك الحبشة، سلمٌ أنت، فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت به، فخلقه من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده، وأني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فاني رسول الله واني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى. "فاستجاب النجاشي للدعوة، وأعلن إسلامه، وكتب إلى النبي: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصخم بن أبجر، سلام عليك يا نبي الله من الله، ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو، الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد، فقد أتاني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض أن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تغروفاً، وإنه كما قلت، ولقد عرفنا ما بعثت به إلينا، ولقد قربنا ابن عمك وأصحابه وأشهد أنك رسول الله صادقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وبعثت إليك بابني ارمى بن الأصخم، فاني لا أملك إلا نفسي وان شئت أن آتيك يا رسول الله فعلت، فاني أشهد أن ما تقوله حق، والسلام عليك يا رسول الله.". وعندها قال النبي قولته المأثورة: "اتركوا الحبشة ما تركوكم". وهو ما حدث. إذ احتفظت الحبشة بنظام حكمها، وحافظت الإمبراطورية الإسلامية على علاقات سلمية طيبة معها. وبينما كان رد هرقل، وكذلك المقوقس، يعبران عن احترامهما لنبوة الرسول ورسالته، دون الإيمان بها بالضرورة، مزق كسرى الرسالة، وهو يصيح غاضبا: "أيكتبُ لي بهذا، وهو عبدي؟"باعتباره يرى العرب عبيدا في مملكته. ثم أنه طلب من عميله، ملك اليمن، أن يأسر محمدا ويرسله إليه. ولما بلغ النبيَّ خبرُ ما قام به كسرى، قال: "اللهم مزِّق ملكه". وهو ما تم فعلاً، بعد سنوات معدودات، عندما تحطم إيوان كسرى، تحت سنابك خيول المسلمين. واندثرت الإمبراطورية الفارسية. كما أندحرت، بسيف الإسلام، الهيمنة الرومانية على الشرق العربي وشمال أفريقيا الأمازيغي. لتقوم على أنقاض الإمبراطوريتين، إمبراطورية إسلامية، تمددت بسرعة صاعقة، من طشقند إلى طليطلة. وكانت بحق الإمبراطورية الأقل استعمالا للسيف في فتوحاتها، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة جدا. فالشعوب كانت ترحب بالإسلام كمخلِّص لها من طغيان الروم أو الفرس أو القوط الأسبان... وتعود سرعة انتشار الإسلام إلى عالمية رسالته، التي مثلت، كما يقول المستشرق ماسينيون:"القانون المنزل لدولة فوق الأوطان"، محمولا على أخوة التقوى واحترام الأديان الأخرى، وتقديس العمل والعلم، والتمسك بقيم الصدق والتسامح والتراحم والإحسان والتكافل، وعدم الفصل بين الروح والجسد. والنهي عن الفحشاء والبغي. وقد شدد القرآن على العدل والإنصاف والنزاهة والاستقامة، في علاقات المؤمن وتعاملاته مع غيره، ومنها التعامل التجاري، فقدم الإسلام، بذلك، نظاما اقتصاديا تجاريا، حديثا بكل معنى الكلمة، تحصنه قوانين وأخلاقيات، تحرم الربا والغش والسرقة، الأمر الذي أكسب التجار المسلمين سمعة أخلاقية رفيعة، حتى أن انتشار الإسلام في الأعماق الآسيوية يعود إلى التجار المسلمين، بالدرجة الأولى، الذين زاوجوا بين التجارة والدعوة للإسلام. ونتيجة لتشكل فقه معاملات تجاري شرعي، اشتغل العلماء المسلمون على تطوير وابتكار أدوات الميزان والقياس والمحاسبة وأساليب المبادلة (وفق الضوابط الشرعية). فكان الصفر وعلم الحساب والمحاسبة، وعلم الجبر، الذي كان ابتكاره تلبية لحل إشكالية مسائل المواريث الشرعية المركبة. وقادت مصداقية التجار المسلمين إلى تقنية مصرفية متقدمة جدا، بالنسبة إلى عصرهم، في القرن الثالث عشر. اعتمدت إصدار الصكوك وفتح الاعتمادات أيضا. وقد نقل اليهود هذه التقنيات المصرفية، لاحقا، إلى أوروبا لتكون نواة المصارف الحديثة، بعدما أطعموها بالربا، ليتحول إلى نظام الإقراض بالفائدة المركبة، أس الرأسمالية. وكان الدينار الإسلامي هو عملة العالم الرئيسة، وكان له سعر صرف مقابل العملات الأخرى. وكانت بغداد، عاصمة العالم، ومركزه الاقتصادي الأعظم، حيث لم يكن بغير دلالة قول الرشيد، متغزلا في سحابة: "امطري حيث شئت فخراجك عائد لي." دلالة على تسيد الإمبراطورية الإسلامية على منطقة تجارية عالمية شاسعة تشملها دار الإسلام، الذي شكل، بانتصاره عسكريا وثقافيا واقتصاديا، نهاية للتاريخ، بمفهومه الإغريقي ـ الروماني.

... ثم خسر الإسلام حضوره الحضاري وهيمنته العالمية، عندما انغلق المسلمون على جهالتهم، وتعاملوا مع قيم الإسلام الحضارية العالمية من منظور تقاليدهم وأعرافهم القبلية والعشائرية المحنطة.

وفي العصر الحديث قامت حركة صلاح ديني فاعلة، بالتزامن مع واقع مجتمعاتها الظلامي، في القرن التاسع عشر. مثل الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، التي بلغ انتشارها الهند. والحركة السنوسية في ليبيا، التي انتشرت حتى أدغال أفريقيا السوداء. لكن حركة الإصلاح الديني التنويري، بالمعنى العقلاني الحضاري، تركزت في مصر، على أيدي الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وغيرهم، وكان لها تأثيرها وامتداداتها في سوريا الكبرى والعراق، وكذلك في شمال أفريقيا. لكن هذه الحركة الإصلاحية الواسعة، توقفت عن التجديد والتجدد عند الشيخ عبد الرازق. وما لبث أن جرى الارتداد عنها أو عليها، بظهور حركة الإخوان المسلمين، التي حزبت الإسلام في إيديولوجية شمولية. ثم الأصولية التكفيرية العنيفة، حتى جعلت ظاهرة التكفير تفكيرا عاما. والنتيجة أمة خائرة، وكأنها خير من أُخرج للتخلف والاستبداد والتحجر. والعلة ليست في الإسلام بالطبع، إنما في المسلمين. فالإسلام، في جوهره الروحي الحضاري، خطاب ديناميكي، محمول على قيم أخلاقية إنسانية، فوق قومية، عابرة للتاريخ. أتحدث عن روح الإسلام الحضاري الأخلاقي العقلاني، المفتوح على العقل والعلم والاجتهاد... والجهاد أيضا، ولكن بشروطه القرآنية الواضحة. بمعنى يحق للمسلم قتل الصهيوني المعتدي في فلسطين، أو الأمريكي المعتدي، مع غيره من حلفاء وعملاء، في العراق. لكن ليس من الجهاد في شيء قتل المسلمين في حفل عرس، أو مارة في الشوارع، أو سياح أجانب آمنين، أو مخالفين في الرأي والفكر والعقيدة، أو حتى ملحدين. فالإسلام الإنساني الحضاري هو إسلام: "لكم دينكم ولي دين"، و: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي."... و: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين."

والخلاصة إذا كان الإمام الغزالي، في عصره، القرن الثاني عشر، الذي انقضى واندثر، أراد "إحياء علوم الدين"، في عصور الانحطاط الأولى، وإذا كان الشيخ الطهطاوي والأفغاني وعبده وعبد الرازق، حاولوا إحياء الإسلام الحضاري، فيما بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بعد قرون طويلة من ظلام، فإن مهمة حركة التنوير الإسلامي، اليوم، في بداية ألفية ثالثة، مهمة عاجلة، على وجه السرعة، من أجل إحياء روح الإسلام العقلاني العلمي. بمعنى إذا كان الإسلام صالحا لكل مكان وزمان، وهو كذلك، حسب روح فقه النوازل والمصالح المرسلة، فلا بد أن يكون صالحا للعولمة، في طورها المتقدم اليوم. وإذا كان الإسلام الحضاري (والأندلس ذروته) قد تسيد العولمة لقرون، فإنه يملك المقومات، الروحية والثقافية والعقلانية، الكافية، لكي يستجيب، إبداعيا، إلى تحديات العولمة، في ألفية ثالثة، دون أن يتنطع بعض مسلميه المتعصبين، وليس مؤمنيه بالتأكيد، بأنهم، وحدهم من يملك الحقيقة، ووحدهم من يحدد مستقبل العالم، ووحدهم من يحدد المؤمن من الكافر، وبالتالي وحدهم من يجب أن يقود العالم. وهم يكفرون استعمال الثلاجة والتلفزيون والسيارة. هؤلاء بالقطع لا علاقة لهم بالإسلام، ما بالك بالعولمة، التي حولوها إلى فوبيا.

والحال أن العولمة ليست شرا بالمطلق ولا خيرا بالمطلق، إنها ما يمكن أن تفعل بها أو تفعل بك. إنها بنية تاريخية، تشكلت، جنينيا، مع تشكل التاريخ البشري، ونمت وتطورت مع نموه وتطوره. وإذا كانت في عصور سابقة تفرضها الإمبراطوريات العالمية المهيمنة بالقوة على الشعوب المغلوبة، فإنها لم تعد تحدث كذلك، في ألفيتنا الثالثة. كما لم يعد من الممكن صدها بحشد الجيوش وتعبئة الشعوب ضدها. يمكن صد الجيوش الغزاة المسلحة ومجاهدتها وطردها، لكن لا يمكن صد معطيات العولمة العلمية والتكنولوجية والثقافية، بالتعصب والانغلاق والنكوص على أفكار جامدة. إن العولمة، بالتعريف العام، حركة تقدم تاريخي حضاري، تتسابق الأمم القوية على البقاء في مقدمتها، وتتصارع على الاستفراد بقيادتها. وقد عرفها التاريخ، بدرجات مختلفة، عبر الحضارات الإغريقية والرومانية والإسلامية، وصولا إلى حضارة الحداثة الغربية، التي انبثقت حركيتها مع تشغيل أول محرك ميكانيكي بخاري العام 1712. وحركية العولمة، اليوم، هي عولمة تكنولوجية، في الأساس: أدوات ووسائل، للاتصالات والمواصلات والمعلومات، تثري الثقافات الكبرى وتعززها طالما كانت (تلك الثقافات والعقائد الكبرى) تحتفظ بطاقتها الروحية الديناميكية في التواصل والتكيف والاستيعاب والتجاوز. والإسلام يملك هذه المقومات الحيوية بشكل قوى.

وإذا كانت حركية العولمة، في عصور التاريخ السابقة، وحتى الحرب العالمية الثانية، تقوم، في الأساس، على الغزو والفتح، والاحتلال المباشر، علاوة على تأثير جانبي للتبادل التجاري السلمي، فإن حركية العولمة التاريخية، في طور الألفية الثالثة، تقوم على التأثير عن بعد، أو قل التحكم عن بعد، ليس بمعنى التوجيه المباشر (الروموت كونترول)، ولكن بمعنى تقنية جهاز الموبايل الذي يستعمله بدوي في مضارب نجد، هي نفسها تقنية موبايل مضارب في بورصة نيويورك. وقد يكون الجراح في كوالالمبور، والمريض في غرفة عمليات في الدوحة. وحتى في عصر الاستعمار الأوروبي الحديث، كانت عولمة الحداثة المحمولة على مدافع الغزو والاحتلال، قد فرضت نفسها، بقوة ضرورة معطياتها العصرية، وبعد خروج قوات المستعمر العسكرية. ولنتذكر حملة نابليون على مصر. التي أعود إليها دائما بحسبانها لحظة تاريخية (إبستيمولوجية) فاصلة وحاسمة في تاريخ العرب الحديث. فهي كانت حملة عولمة خاطفة بامتياز، قبل أن تكون حملة عسكرية. فقد جاور نابليون بين آلة المدفع وآلة الطباعة. بحسبان فرنسا قائدة العولمة الحضارية المحمولة على قيم الحداثة المحفوظة للثورة الفرنسية. ورغم أن حملة نابليون العسكرية الخاطفة جلت عن مصر بعد نحو سنتين، إلا أن تسونامي الحداثة الحضارية الذي أحدثته، استمر يعصف بالعقول، ويفجر الأسئلة، ويحفز على الاستجابة العقلانية لتحديات العصر في العلم والحرية. ثم جاء عصر الاستعمار الغربي الكاسح للعالم العربي والإسلامي، جامعا بين حديه في التدمير والتعمير. تدمير روح وثقافة الرفض والمقاومة، وتعمير ما يخدم إدامة احتلاله العسكري واستثماراته الاقتصادية، ومشروعه السياسي ـ الثقافي الكولونيالي. وعندما جاء عصر تصفية الاستعمار والاستقالات الوطنية، وجلت قوات الاحتلال العسكرية عن العالم العربي، والإسلامي، بطريقة أو أخرى، تركت وراءها فكرة الدولة الحديثة، تتجذر، على نحو أو آخر، بعلمها ونشيدها ونظامها الإداري والتعليمي الحديث. بل إن الاستعمار، البريطاني تحديدا، لم يجل عن مستعمراته إلا بعدما وضع لها قوانين أنظمتها السياسية، ونصب عليها حكاما بمعرفته.

والخلاصة، لم يكن من الممكن، أو ليس من العقلانية التاريخية في شيء، أن ترفض أمة ضعيفة متخلفة محتلة، المعطيات الحضارية لعصرها، المادية والفكرية، لمجرد أن مستعمرها جاء بها، أو فرضها عليها.

إذ بهذا المعنى نرفض المعطيات الحضارية لعصرنا التي شارك الإسلام في الدفع التاريخي بها وإليها. ونتحول إلى "اخوان بريدا". أي نعيش في ماض افتراضي، في الوقت الذي يعيش فيه العالم المتقدم في مستقبل إفتراضي، يتحول بالعمل إلى واقع حقيقي. طبعا سيخرج من يمتلك حجة قوية، من حيث المنطق، تطرح معادلة التوفيق بين ما هو صحيح في الإسلام، وما هو مفيد في العصر. لكن هذه المعادلة لا يمكن أن يحددها أحد مسبقا، فردا أو جماعة. أنها فعل تاريخي متروك لتفاعل المسلمين مع عصرهم في فضاء منفتح حر. فالإسلام أقوى من أن تنصب جماعة نفسها وصية عليه وحامية له.

فالخوف على الإسلام ليس من العولمة، إنما من المسلمين الذين يتلقون العولمة ويتعاملون معها من موقع الجاهل الخائف على قاعدة ما تجهله تخافه وما تخافه تشيطنه.

إن الإسلام، في جوهره الروحي الحضاري، لا يجد غرابة أو اغترابا في الديمقراطية والبرلمان وحرية الرأي والتفكير والتعبير والاعتقاد، وشراكة المرأة، على قدم المساواة، في التعلم والعمل والسياسة والحرب. ولا يجد، الإسلام، بمعناه الروحي الحضاري، غرابة أو اغترابا في استخدام الكمبيوتر إلى حدوده التنكنولوجية القصوى، أو غزو الفضاء، إلى أبعد نقطة ممكنة، وغير ذلك من منافع العلم، ما دامت لا تعتدي على أخلاقية الخلق، هو ما يتفق عليه البابا والعلماءالعلمانيون أيضا. ثم إن الإسلام هو الدين الذي يخشى فيه الله العلماء، فما الإشكالية، إذن، بين الإسلام والعولمة؟!!!

لا إشكالية بين الإسلام والعولمة، كيفما كان عصرها! فالإسلام الروحي الحضاري، محصن بقيم إنسانية أخلاقية قادرة على استيعاب المتغيرات والتكيف معها، والإضافة إليها، وإعادة إبداعها.

وإذا كانت هناك إشكالية، وهناك إشكالية فعلا. فهي بين المسلمين والمسلمين، أنفسهم، من حيث فهمهم لمفهوم الإسلام الروحي الحضاري من جهة، وفهمهم لعصرهم من جهة أخرى... وهذا موضوع لمقال آخر ربما.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home