Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 5 July, 2007

من مجرم حرب إلى "صانع سلام"!!(*)

فرج بوالعَـشّة

كما لم يعد في "محور الشر" إلا إيران، بعد دمار العراق والتفاوض مع كوريا الشمالية، لم يعد من قادة "محور الخير" إلا بوش، بعد سقوط أزنار الأسباني ثم بيرلوسكوني الطلياني، وأخيرا توني بلير البريطاني! ويبدو أن زيارة السيد بلير الأخيرة إلى السيد بوش، في 8/6/2007، لم تكن لمجرد توديع ساكن البيت الأبيض، وإنما أيضا للبحث عن دور سياسي "دولي" يلعبه بعد تنحيه عن منصبه!

الأخبار الصحفية تقول إن بوش هو من طلب من بلير ان يتولى مهمة المبعوث الخاص للجنة الرباعية الدولية في الشرق الاوسط، لأنه يطمح إلى تحقيق رؤيته لحل الدولتين قبل انتهاء ولايته في آخر العام 2008، رغم أن طبيعة المهمة، كما تحددها الرباعية الدولية، تنحصر في الإشراف على إعادة بناء وتأهيل مؤسسات السلطة الفلسطينية، ولا تتعلق بالتفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين!

لكن بلير ليس مُفوَّضا من "الرباعية" وإنما من بوش، والأثنان يحتاج أحدهما إلى الآخر. بوش يحاول أن يخرج من الرئاسة، بعد عام ونصف، كصانع "سلام أمريكي" يتوافق مع متطلبات "الشلوم الصهيوني"..وإذا لم يتمكن من صنع ذلك، فعلى أقل تقدير، يريد من بلير تهدئة خلق حالة وهم بسلام قادم، يُسهّل عليه مهمته في العراق، وربما احتمال ضرب إيران عسكريا، بالقوة الأمريكية، أو الإسرائيلية!

أما بلير الذي أدرك، بعد مكابرة استعراضية، أن عليه الاستقالة بإرادته حتى لا يقصيه حزبه، نزولا عند رغبة الرأي العام البريطاني، فقد كان مهموما فعلا بمصيره السياسي بعد خروجه من الدواننغ ستريت 10، فمن الصعب أن يركن إلى الظل، سياسي مبهور بصورته، مثل توني بلير، الذي صنع مجده تحت اضواء الكاميرات الساحرة المنعكسة على بياض اسنان ابتسامته التي لا يكف عن بثها بسبب أوبدونه!

كانت الصحافة البريطانية قد تحدثت عن عزم توني بلير العمل كسفير فوق العادة للحوار بين الديانات الثلاث: المسيحية واليهودية والإسلام، وباني جسور تفاهم وسلام بينها.. وقد علق نورمان بيكر، العضو في حزب الليبيراليين الأحرار، على ذلك، قائلا: "قد يكون يرغب في بناء جسور ما بين ديانات العالم ولكنه قام بحرقها فعلا، هذا الرجل ينظر إليه في الشرق الأوسط على أنه منحاز وأنه تابع للرئيس جورج بوش كعبد رقيق ولن تكون له أي مصداقية في العالم الإسلامي، إن هذا الفكرة تثبت على وجه الجزم كم هو "موهوم" هذا الرجل... إن جسره هذا لن يكون في أفضل الأحوال بأكثر من رصيف"!

ويبدو أن "توني" أدرك بنفسه أنه لا يصلح لهكذا مهمة، وهو الموصف بعدائه للإسلام. فاختار، أو اختار له بوش، وظيفة مبعوث اللجنة الرباعية الدولية إلى الشرق الأوسط. حاولت روسيا تعطيل تعيينه، لأسبابها السياسية الخاصة، لكنها ما لبثت أن قبلت، بعد تدخل بوش عند بوتين، واتصال بلير بالأخير، الذي أوعز إلى وزير خارجيته سيرغي لافروف بسحب الاعتراض الروسي!

وهكذا عقدت اللجنة الرباعية لقاءها في القدس، في اليوم نفسه ـ الاربعاء 27 يونيو ـ، الذي قدم فيه بلير استقالته إلى الملكة. ودون أن يكون عاطلا عن العمل سوى ساعات قليلة، بعد استقالته من الوزارة والبرلمان، اعلنت اللجنة الرباعية الدولية تعيينه مبعوثا جديدا لها في الشرق الأوسط!

فما العمل الخارق أو الاستثنائي الذي يمكن أن يصنعه بلير في مهمته الجديدة، وهو المعروف، عند غالبية شعبه، باسم كلب بوش الوفي؟!..فهل يستطيع، حقا، التمرد على تبعيته العمياء لسيده؟! إن ارث بلير الدموي في العراق سيكون عنوانه التاريخي الدائم. فحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "الاتصالات البحثية" المعروفة، لحساب صحيفة ذي إندبندنت، فإن 69% من البريطانيين يعتقدون أن ذكراه وإرثه سيرتبطان بالحرب الإنجلو أمريكية على العراق، التي يعارضها أكثر من ستين بالمائة من البريطانيين. ورغم أن 61% من البريطانيين يرون أنه كان رئيس وزراء جيداً، من حيث الأداء المهني، إلا أن 2% منهم فقط يعتقدون بأن إرثه سيرتبط بانجازاته في تحسين نوعية الخدمات العامة، التي يفاخر بها. و6% فقط سيذكرونه بوصفه السياسي الوحيد، في التاريخ البريطاني، الذي تمكن من وضع حد نهائي للحرب الأهلية في إيرلندا!

وفي البداية والنهاية لا يتوقف حل القضية الفلسطينية على الاختيار بين بلير وغيره، ليكون مبعوثا أو وسيطا. ولا يؤثر في الأمر ما إذا كان بلير يرغب فعليا وعن صدق في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية! إن الحل بيد ساكن البيت الأبيض، بغض النظر عن شخصية المبعوث أو الوسيط، حتى لو كان غاندي. فما دامت المصلحة الإسرائيلية هي المقاسة المعيارية المتحكمة في مواقف سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية بصفة خاصة، وقضايا الشرق الأوسط بشكل عام، فلن يتحقق حلم الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة في حدودها الدنيا عند 4 يونيو 67، بالاعتماد على رؤية بوش التي ليست سوى رؤية شارون في غيبوبته. وخريطة طريقها التي لا تقود إلا إلى السور الصهيوني العظيم!

وحتى بافتراض أن بلير أراد من وظيفته الجديدة، الخروج من التبعية للرؤية البوشية الصهيونية، بعد خروجه من وظيفته الرسمية، فإنه سيكتشف أنه ليس سوى موظف سام يأخد تعليماته من الست رايس. وهو ما ظهر واضحا في تصريح الناطق باسم البيت الأبيض الذي دعا إلى خفض سقف التوقعات من تعيين بلير، واصفا أياه بأنه: "ليس سوبرمان"!

إن المطلوب، أمريكياً، من بلير أن يقوم على تقوية سلطة ابي مازن ضد حماس....فهل يمكن، بعد ذلك، أن نتصور بلير جديداً منقلباً على بلير القديم. أي منقلب على أحابيله الخطابية اللغوية الثعبانية في تعويم الحقائق، وتلفيق الأكاذيب. وملتزم بمبدأ السلام العادل، الذي يُنصف، بالضرورة الضحية الفلسطيني، ويضع حدا لبطش الجلاد الصهيونازي؟!

لا يمكن لي أن أتصور مجرم حرب ترك السلطة وهو مصر على أنه على حق في شن الحرب على العراق، وفي دعمه المطلق للحرب الإسرائيلية على لبنان، ينحرف فجأة 360 درجة، متحولا إلى صانع سلام عادل! إن الحل العادل واضح وجلي. لا يحتاج لرؤية بوشية ضبابية، ولا لـ"خريطة طريق" مُضللة، ولا لـ"رباعية" فاشلة . فليس من حل سوى مواجهة إسرائيل بالحقيقة. حقيقة أنها أخر دولة استعمارية استيطانية على وجه الأرض. وأن عليها الامتثال للعدالة الدولية، والقبول رسميا بمبدأ إنهاء الاحتلال، والانسحاب، وفق جدول زمني محدد، مما تبقى للشعب الفلسطيني من أراض هزيلة، في حدود 4 يونيو 67، كما انسحبت فرنسا من مستعمراتها، وبريطانيا من مستعمراتها، وأمريكا من فيتنام، ومن العراق حتما!!!

دون ذلك فإن لدينا، كما قال روبرت فيسك:"رجلاً سياسياً فشل في كل شيء حاوله في الشرق الأوسط، وها هو يصبح موفدا للسلام بالشرق الأسط!"..ويضيف أنه أُصيب بالدهشة، بل بالصدمة ربما، عندما علم بخبر تعيين بلير:" لقد فحصت تاريخ اليوم، لم يكن الأول من أبريل - يوم الكذب العالمي - ومع ذلك ظللت عاجزا عن الاستيعاب.. هذا الرجل ذو الخيلاء، الغشاش، الكذاب، المحامي المحتال.. هذا الرجل ذو اليدين الملطختين بدماء الآلاف من رجال ونساء وأطفال العرب، يفكر جديا بأن يصبح "موفدنا" إلى الشرق الأوسط"!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 5 يوليو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home