Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 5 June, 2008


تلاقح الحضارات!(*) (3)

فرج بوالعَـشّة

كثيرة هي القرائن والشواهد والأدلة المادية"اللقى الأثرية"التي تعزز وقائع التلاقح الحضاري المتبادل، في العمق، بين الشرقين، الأوسط والأدنى، نحو الساحل الغربي لآسيا الصغرى وبين بلاد الإغريق القارية (الأوروبية جغرافيا) حين تحايثت وتداخلت الأزمنة الحضارية المتوسطية في حوار ثقافي خلاق، كانت تواريخ حروبه وغزواته تجري بروح فروسية ونبالة الملاحم الشعرية، ما قبل نشوء التصور التاريخي القوموي الشوفيني الذي عمل على مركزة ثقافته، إثنيا ودينيا بتلفيق أصالة حضارية متفوقة على غيرها بحيث تؤثر ولا تتأثر، وهذه النزعة الشوفينية العنصرية مارستها جل أقطاب الدورات الحضارية المتوسطية.

لقد تراكم تراث تاريخي هائل من المعلومات والقراءات والتفسيرات المغلوطة والمغشوشة، ساهم في تعميمها، بوعي أو بدونه، أرهاط من مؤرخين ورجال دين ومفكرين وكتاب، إلى ذلك، عديد من علماء أركيولوجيين من نوع علماء المصريات واليونانيات ومستشرقين ومستغربين، ومنظري أيديولوجيا وساسة، وكذا، فلاسفة!

وعلى هذا النحو من جاري مراكمة الالتباسات، جرى"تلفيق بلاد الإغريق" (1785 ـ 1985) موضوع قراءاتنا في هذا الفصل من المقال، من خلال عرضنا لدراسة مارتن برنال التفكيكية ـ البنائية في مجلدها الأول من مشروع نظري متوال قيد البحث والإصدار، وهي "نظرية"على ما تبدو من مطالعة مجلدها التمهيدي ـ ساعية ـ باجتهاد واقتدار علميين، إلى تحليل تراكمات التلفيق التاريخي هذا إلى عوامله الأولية وتعرية منطقه الأيديولوجي العلموي، وتاليا، صياغة الحضور الحضاري الإغريقي في فضائه (الجيو ـ تاريخي ـ ثقافي) الموضوعي، المتصل، عضويا، بأصوله الحضارية في شرق المتوسط وامتداداته الجيو ـ ثقافية عبر الشرق الأدنى والأوسط وحتى حواشيه القصية (الشرق الأقصى). وهي مغامرة علمية لتخليص وتنقية الحضارة الإغريقية من تلفيقات" النموذج الآري"أو كما أشار إلى أن " الهدف السياسي من أثينا السوداء"هو، بالطبع، التقليل من الغطرسة الثقافية الأوروبية".

ويبقى عمله، بالتأكيد، محاولة ناقصة، لم ترتق إلى مكانة النظرية العلمية المتكاملة، أولا: لكون حقل بحثها تاريخي يندرج في سياق العلوم الإنسانية المشكوك - إلى حد ما - في صحتها، وثانيا، بحسبان مشروعه النظري لا يزال في طور النشر المتوالي، لكن جهده العلمي، يظل مشروعا فريدا ثريا خلاقا، أحدث هزة، أو قل، قطيعة معرفية (ابستمولوجية) سينجم عنها إزاحات مفصلية في تراث القراءات التاريخية ـ الأركيولوجية الكلاسيكية.

فما قبل انبثاق حضارة الثورة العلمية ـ الصناعية التي عبدت العقل ضمنيا (شيّد إبان الثورة الفرنسية معبد لعبادة العقل).

وما قبل ظهور الحضارات الدينية التوحيدية التي تركت عبادة الآلهة المتعددة إلى عبادة إله واحد أحد متعال على المكان مفارقا الزمان!

قبل ذلك... كانت مجتمعات الحضارات الشرقية المتعددة الآلهة (اليونان، هنا، شرقية المخيال) تعبد الخيال، تستقي وتستنبط معنى وجودها في الحياة والموت من تصورات المخيال الكسمولوجي الأسطوري عن الكون، مكانه وزمانه، وما وراءهما!!

كانت الحضارات الابتدائية تتبادل، حوارا مفتوحا، أدواته الأساطير والآلهة والشعائر والاعتقادات واللغات والبداءات الفلسفية من طبيعة مغامرة العقل الأولى. بهذا المعنى يمكن أن نتابع تحولات الأساطير ورموزها من الشرق القديم (بلاد فارس وبلاد وادي الرافدين) عبر مصر الفرعونية إلى بلاد الإغريق فالرومان.

كما في تحولات عشتارـ عنات ـ إيزيس، إلى مريم العذراء!... وكما في تموز ـ أدونيس، أوزوريس، إلى المسيح.

وهو الأمر عينه في ما يعرضه ويحلله مارتن برنال بشأن تحولات"هرمسيس المثلث العظات" الذي يعد مؤسس الفلسفة الإغريقية، وهو في تحليل برنال"صورة بشرية أو معقلنة من «تحوت» إله الحكمة عند المصريين، بعد أن نسبت إلى هذا الإله مجموعة من النصوص كتبت خلال القرون الأخيرة للديانة المصرية القديمة.. لقد سكنت روح"تحوت"الفرعوني وتصورات خطابه في بنية الهرميسية المحدثة في النص الأفلاطوني الذي طوره أفلوطين في ما بعد. (وتجدر الملاحظة، هنا، أن أفلاطون درس في مصر، في جامعة منف حوالي خمسة عشر عاما، ويرى البعض أن نظريته المعروفة عن "المُثل"متأثرة بالتفكير الفرعوني التجريدي، وكذا أفلا طين الأسيوطي (من أسيوط) وفكرته التجريدية عن الإله الواحد). وبهذه المؤثرات والمقومات الفلسفية سيسري مفعول النصوص الهرميسية المحدثة ومنطق علمها في مناهج علوم القرون الوسطى وبدايات عصر النهضة ولن تنقرض، على ما يقدر برنال، إلا بحلول النصف الثاني من القرن السابع عشر.

ظلت النصوص الهرميسية في ترجمتها اللاتينية، على ما يرى مارتن برنال، ذات"قيمة محورية في صميم حركة إحياء الآداب والعلوم الإنسانية في عصر النهضة". كما كان لها ذات القيمة في "العلم الإسلامي"وكشوفاته الفلكية التي كانت مرجعا أساسيا في انقلاب كوبرنيكوس العلمي الثوري، عندما قلب مفهوم مركزية الكون (المجموعة الشمسية) إذ أقامه على سويته عندما نقل المركز من الأرض إلى الشمس.!

أقام كوبرنيكوس التصور الكسمولوجي الكنسي القروسطي في وضعه العلمي المنطقي بدل من وضعه الخرافي الكهنوتي في التصور الكسمولوجي الكنسي، المحروس بسلطة المعرفة الدينية وارهاب محاكمها التفتيشية.
كان الانقلاب الكوبرنيكوسي كشفا علميا جذريا وإعلانا عن قطيعة معرفية حضارية بانتقال مركزية الحضارة الإنسانية إلى الفضاء الأوروبي. فكان انبثاق ما يعرف اليوم بـ "الحضارة الغربية" التي كانت مع نشوء ثقافتها الإمبريالية وبدء تاريخها الكولونيالي في آواخر القرن الثامن عشر، تتطلع وتبحث عن عراب أو أبوية حضارية لحضارية لعرقها الأبيض "النقي"لا تشوبه شائبة من أعراق أخرى"منحطة"، فظهر عندها"النموذج الآري"، الذي انطلق من تأسيس قراءته التاريخوية المسقطة، أي تغريب وأوْروبة الحضارة الإغريقية، خصوصا، أن، هذه الأخيرة، أصبحت ميراثا للإمبراطورية الرومانية الغربية، في عهديْها الوثني والمسيحي الكاثوليكي ـ الأرثوذكسي. وفق هذه القراءة الأحادية الصوابية في أوْربة الحضارة الإغريقية، كان لابد، بالضرورة، من تبخيس أصول ومصادر ومقوّمات التأثير العضوي لحضارات القسم الشرقي من البحر الأبيض المتوسط في بنية الحضارة الإغريقية. وقد استُخدِمت، بصدد ذلك، أساليب التعتيم (على)، والتشكيك (في) قيمة النصوص الإغريقية ( ما قبل الضم الروماني لليونان) التي تعترف بالأسبقية التاريخية للحضارات الشرقية وتأثيراتها.

ومع انطلاقة عصر التنوير Enlightenment تفجرت ثورة عقلانية أشاعت هوسا عظيما بالعلم التجريبي الاستدلالي، فأخذت أساليب"العلم"السحري في التهدم والانقراض، وبالمثل بدأت الكنيسة بالخجل والانسحاب متخلية شيئا فشيئا عن سلطاتها الدنيوية وسيطرتها الشمولية على الحياة العامة...... يتبع.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 5 يونيو 2008م.



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home