Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Thursday, 2 February, 2006

هل نقول باي باي فتح !!

فرج أبوالعـشة

نشرت، في سبتمبر 2003، مقالا بعنوان: «باي باي سلطة وطنية»، على وزن مقولة كيسنجر: «باي باي منظمة التحرير الفلسطينية»، التي أطلقها، كصيحة وداع ساخرة، لنهاية المقاومة الفلسطينية، بعد خروج قواتها من بيروت عام 1982 مقولة كيسنجر صحيحة من حيث ضمور فعالية منظمة التحرير كحركة مقاومة مسلحة. لكن لم تكن نهاية للمقاومة أو لمنظمة التحرير. فقد انتقل معظم كوادرها إلى داخل فلسطين، بفضل الانتفاضة الأولى. وتحولت فعاليتها إلى مركب جديد، في شكل «سلطة وطنية». والقول، هنا،: «باي باي سلطة وطنية»، يعني نهاية شكلها الفتحوي، المبني على اتفاقيات أوسلو، التي ماتت بمقتل رابين، وعدم تطبيقها من طرف الحكومات الإسرائيلية المتتالية. ثم جاء تدنيس شارون للأقصى. فرد عليه الفلسطينيون بولادة الانتفاضة الثانية المسلحة، التي مثلت نهاية لكل ما ترتب على الانتفاضة الأولى. فأصبح لا معنى لسلطة وطنية، شعبها يُجزّر ويُحاصر ويُجوّع، وتدمر بيوته ويُشرّد، بينما مسؤولو السلطة يسكنون فيلات الدوبلكس، ويقودون سيارات مرسيدس بنز، ويقيمون الصفقات التجارية الخاصة، والمشاريع المشتركة، مع المحتل!!

فأي معنى وطني لـ«سلطة وطنية» يصرف المحتل لرجالها «السوبر» بطاقات عبور «سوبر»، دون بقية شعبهم، الذي يموت مرضاه وتلد نساؤه على الحواجز. وأي رجال سلطة وطنية، يتقاضون رواتبهم بالدولار. وغير مدرجين في قائمة الاغتيالات الإسرائيلية. ويتجولون في عواصم العالم بحرية، بينما لا يستطيع الفلسطيني العادي الوصول إلى بيت الجيران!!

واليوم، بفوز حماس المدوي، سقط مشروع «السلطة الوطنية»، الذي هو مشروع فتحوي، في جوهره، من جهة قيادته ورجالاته. كانت «السلطة الوطنية» فاسدة، ماليا وسياسيا ونضاليا. وكان الفاسدون فيها يستخدمون عرفات لحماية أنفسهم من المحاسبة. بل أكاد أجزم أن من بينهم من شارك في مؤامرة قتله. وبموت عرفات، سقط الغطاء الساتر للقيادات الفاسدة في «السلطة الوطنية» وحركة فتح. فكان من المنطقي، تاريخيا، أن تسقط فتح بالضربة الديمقراطية. فهل نقول: «باي باي فتح»؟! أو ليس السلطة الوطنية وفتح شيئاً واحداً. أو ليس منظمة التحرير، في الجوهر، غطاء وطنياً فضفاضاً لحزب فتح القائد ـ الحاكم؟!

وهل سقوط فتح، بضربة الديمقراطية القاضية، سيفضي إلى سقوط المضمون القديم لمنظمة التحرير.؟!

لقد قابل فتحويو السلطة المهزومون فوز حماس الساحق بتخويف الفلسطينيين من حكم حماس، والتشكيك في فرص نجاحها، والتحذير من انهيار السلطة الفلسطينية على يدها. وهو خطاب يلتقي، بشكل أو بآخر، مع الحكومة الإسرائيلية، التي شكلت لجنة أمنية استشارية أوصت بأن من مصلحة إسرائيل: عدم انهيار السلطة الفلسطينية قريبا ـ وضرورة ـ تواصل تقديم الخدمات للسكان الفلسطينيين. وهو ما يؤكد أن وجود السلطة الفلسطينية، بالشكل الذي قامت عليه، يخدم إسرائيل، بالدرجة الأولى، إذا كانت تحمّلها مسؤولية فشل عميلة السلام، كسبا للوقت لصالح توسيع حركة الاستيطان، وتهويد القدس. وتحميلها العجز عن وقف الإرهاب، كي تبرر لنفسها، أمام العالم، ممارسة إرهاب الدولة المنظم، على أساس أنه حرب عادلة في سياق الحرب البوشية العالمية على الإرهاب. وبالتالي ستكون إسرائيل منزعجة جداً إذا ما اختفت السلطة الفلسطينية بمضمونها الفتحوي المعهود. وقامت سلطة وطنية حقيقية تستمد شرعيتها من إرادة الشعب الفلسطيني، وليس من اتفاقيات أوسلو، التي تحولت إلى منشفة قذرة بيد الإسرائيليين.

لم أكُ مندهشا لفوز حماس الساحق، لأني كنت مبهورا بعبقرية الشعب الفلسطيني وهو ينسج يوما ديموقراطيا من زغاريد أمهات الشهداء. يوما انتخابيا هادئا كاستراحة المحارب في ظل زيتونة، بعمر دخول عمر بن الخطاب إلى القدس على ظهر حمار!!

ومن دواعي عبقرية الشعب الفلسطيني أنه يدرك أن اختياره حركة حماس قائدة للسلطة كما هي قائدة للمقاومة، خيار عقلاني واعٍ بالتحديات وحجمها، ويراهن على أن تكون حماس على مستوى هذا التحديات الصعبة، في زمن دولى متصهين، وزمن عربي ذليل.

والسؤال: إذا كانت حركة حماس قد أصبحت خيار الغالبية الفلسطينية الناخبة، فكيف ستترجم، عمليا، ثقة الأغلبية فيها، حسب برنامجها الانتخابي، من حيث: مقاومة الاحتلال، من جهة. وتأمين المتطلبات الحياتية الأساسية للشعب، من جهة أخرى؟!

عشية الانتخابات، يوم الثلاثاء 24 يناير 2006، أعلن محمود الزهار، القيادي البارز في حركة حماس، أن الحركة قد تجري مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسيط ثالث إذا فازت في الانتخابات. إن الزهار لابد وأنه يدرك أن الفلسطينيين، وضمنهم أتباع حماس، ليس لديهم مشكلة أو حساسية من الالتقاء وجها لوجه بالإسرائيليين والتفاوض معهم. المشكلة كانت في أسس التفاوض أصلا، عندما أغرق مفاوضو بني صهيون مفاوضي السلطة الوطنية= فتح، في تفاصيل التفاصيل، حتى وجدوا أنفسهم، بعد سنوات طويلة من المفاوضات في ظل سقيفة أوسلو، يفاوضون موفاز حول فتح المعابر مابين شارعين في الضفة والقطاع.

وجملة الأمر أن سقوط سلطة فتح، المتحجرة في السلطة الوطنية، يعتبر نصرا كبيرا لمقاومة الشعب الفلسطيني. لكن السؤال المفصلي الذي يفرض نفسه بقوة: ليس ماذا تريد حماس للشعب الفلسطيني؟! إنما كيف تستطيع حماس تحقيق ما يريده الشعب الفلسطيني منها، وليس فقط الذين انتخبوها؟!

الشعب الفلسطيني ذكي سياسيا بما يكفي حتى لا يطالب حماس، المنتخبة لأربع سنوات، أن تكون سوبرمان إعجازياً، يوفر الحاجات الحياتية، وتحرير أرض فلسطين. الشعب الفلسطيني يطالب حماس بأن تكون حركة سياسية، وليست جماعة إيديولوجية أصولية، تستهلك مشروعها في التدخل في حريات الناس الشخصية. وهو ما أظن أن قادة حماس يدركونه جيدا. فقد صرح خالد مشعل بأن:حماس تعرف المرحلة وتؤمن بالتدرج والوسطية والتسامح ولا إكراه لديها ولا تفرض فكرها على احد.

ثم على حماس أن تقبل بمبدأ التفاوض، ولكن بروح التحدي نفسها التي بها تقاوم. أي كما فرضت شروطها في المقاومة تفرضها في المفاوضة. ليست المفاوضة المائعة على طريقة فتحوييّ السلطة الوطنية. إنما على أساس منهج جديد تماما، يرفض التفاوض مع المفاوض الصهيوني، بضغط من المتحيز الأمريكي، في إطار خريطة الطريق، التي هي طريق شارون للإجهاز على الحقوق الفلسطينية. وأن تقابل حماس الشروط الإسرائيلية بشروط فلسطينية، بلغة واضحة صارمة تربط اعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل باعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة في حدود أراضي الرابع من يونيو ـ حزيران 1967، وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم. على أن تعقد مفاوضات سلام نهائية، لإقرار الحقوق الفلسطينية، خلال فترة زمنية محددة، في مؤتمر دولي، بحضور أطراف دولية ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد السوفييتي والصين. أما إذا رفضت دولة إسرائيل هذه المبادرة الواضحة المحددة، فإنه ليس أمام الفلسطينيين سوى الاستمرار في المقاومة، بكل السبل الممكنة. إن حماس لا بد وأنها تدرك أن السر وراء استمرار السلطة الوطنية الفتحوية في تقديم التنازلات لإسرائيل نزولا على الضغوطات الأمريكية والأوروبية، يكمن في اعتمادها على المساعدات المالية الغربية، في تغذية الاختلاس وشراء الذمم. علاوة على دفع رواتب الموظفين المتبقرطين وسواقي سيارات المرسيدس بنز الفاخرة، وقوات الأمن القامعة، بعقدائها ولواءاتها!!

إن حماس، وهي تقود دفة السلطة، مُطالبة بالنزاهة والطهارة والشفافية، إلى أبعد مدى. فهذا سر نجاحها في معركة القضاء على الفساد والفاسدين. وهي مُطالبة بابتكار طرق وأساليب شعبية فعّالة في توفير حاجات الشعب الفلسطيني الأساسية، مبنية على اقتصاد المقاومة.

وعلى حماس أن تخلّص الأجهزة الأمنية من الهيمنة الحزبية لحركة فتح، وتُطهّرها من العملاء والفاسدين، وهم كثر. وتوحّدها في جهاز أمني وطني واحد، وظيفته خدمة الشعب، وحماية المقاومة، وليس مطاردتها وقمعها. وأمام حماس مشروع وطني كبير، أشار إليه خالد مشعل، وهو توحيد السلاح الفلسطيني في جيش وطني واحد يدافع عن الشعب ويسعى لاسترداد الحق الفلسطيني.

ولكن من أين لحماس بالمال لتنفيذ برامجها؟! قيادات السلطة الوطنية، التي هي فتح، أخذوا يتحدون حماس، بشيء من الشماتة المسبقة، في أن تحصل على الدعم المالي من الغرب على إثر التهديدات الأمريكية والإسرائيلية والدولية بقطع الدعم والمساعدات عن الشعب الفلسطيني. وقالوا إنها ستضطر إلى تقليد فتح في الاعتراف بإسرائيل، وتلبية الشروط الدولية، لكي تضمن تدفق المساعدات الأجنبية.

إن انقلاب حماس الحقيقي ليس في فوزها في الانتخابات إنما بما ستقوم به من تحولات حقيقية في حياة الفلسطينيين في عيشهم ومقاومتهم. وذلك يجعلها تتطلع إلى ترجمة تمثيلها في المجلس التشريعي في منظمة التحرير، التي تمثل المرجعية، السياسية والنضالية، العليا للشعب الفلسطيني(في الداخل والخارج) وللسلطة الفلسطينية.

والحال أن مهمة الحماس، في قيادة السلطة الفلسطينية، عسيرة، من حيث توفير الدعم المالي اللازم للاستحقاقات الحياتية للشعب الفلسطيني. وحسب تصريحات قادة حماس، فإنهم سيعتمدون على الموارد الفلسطينية الذاتية، وعلى العمق العربي والإسلامي، لتنفيذ خطة التنمية الاقتصادية المستهدفة.

والسؤال: هل يمكن الاعتماد حقا على العمق العربي والإسلامي لدعم الشعب الفلسطيني؟!

بضع دول عربية تبرعت لأمريكا بما مجموعه مليارين دولار، دون أن تكون الأخيرة في حاجة لها. ومضت سنوات على تبرع مجموع الدول العربية، للشعب الفلسطيني، بمليارين دولار. ولم يدفع كامل المبلغ بعد. فيما قام المحكومون العرب بحملات تبرع لفترة قصيرة ثم عادوا إلى سباتهم، وكفى الله المؤمنين شر القتال!!

واليوم، والفلسطينيون قد اختاروا بإرادتهم الحرة، المحرومة منها معظم الشعوب العربية، حركة حماس لقيادتهم، على طريق المقاومة، في اتجاه نيل حقوقهم، هم أحوج، من أي وقت مضى، إلى دعم العرب والمسلمين لهم. ودعم الشعوب العربية، بالدرجة الأولى. فلا ثقة في الأنظمة. فمعظمها لا يريد لحماس النجاح في مشروعها الوطني. لأنها تخاف أن تصبح نموذجا للشعوب العربية في طلب الديمقراطية والمقاومة. لذلك فإن الشعوب العربية أمام اختبار تاريخي حاسم. فإما أن تنتصر للشعب الفلسطيني وقضيته، بقيادة حماس، على أساس أنه انتصار لها ولقضيتها في تحرير إرادتها وتحررها من وضعية القطيع المخجلة. إن مصير ديموقراطية المقاومة في فلسطين يعتمد على تجنيد الشعوب العربية لنفسها في حملات دعم ومساندة مستمرة، للضغط على الأنظمة المتخاذلة، وجمع التبرعات بطرق منظمة ومتنوعة، تشارك فيها كل القطاعات الشعبية.

إن انبثاق الثورة الديمقراطية الكبرى للشعوب العربية المضطهدة، يشترط المقاومة على جبهتين، في آن واحد. في جبهة التحرر من الاحتلال، في فلسطين وسوريا والعراق، وجبهة التحرر من أنظمة الاستبداد والتبعية. وبالتالي فإن الشعوب العربية معنية، بشكل مصيري، بنجاح نموذج ديمقراطية المقاومة الذي خلقه الشعب الفلسطيني، بالدم والألم والأمل، مقابل النموذج البوشي لـديمقراطية العملاء في العراق.

فهل ستتقاعس الشعوب العربية، وتتواطأ الأنظمة العربية، مع بني اليانكي وبني صهيون، لإجهاض مشروع: ديموقراطية المقاومة.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home