Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 4 ديسمبر 2008

المثقف العصري بحسبانه شكاكا!!(*)

فرج بوالعَـشّة

يعتمد إدوارد سعيد في تعَّريفه للمثقف العصري على الصيغة التي قدمها عالم الاجتماع إدوارد شلز،على أساس أن في كل مجتمع:"ثمة أشخاص ما ممن عندهم حساسية غير معتادة تجاه المقدسات،وتبصّر غير مألوف في طبيعة عالمهم،وفي القواعد التي تسوس مجتمعهم.وفي كل مجتمع ثمة أقلية من الأشخاص الذين يفوقون العامَّة من إخوتهم في البشرية من حيث استعلامهم عن،ورغبتهم في،إقامة صلة حميمة معتادة مع رموز أعمّ من الأوضاع المادّية الفورية للحياة اليومية،وذات إشارات بعيدة في الزمان والمجال كليهما.وفي هذه الأقلية ثمة حاجة إلى تجسيد هذا السعي في خطاب شفوي ومدوَّن،وفي تعبير شاعري أو تشكيلي،وفي استذكار للتاريخ أو كتابته،وفي أداء شعائري وأعمال عبادة.وهذه الحاجة الباطنيّة إلى التغلغل في ما وراء ستار التجربة المادية المباشرة،هي التي تميّز وجود المثقفين في كل مجتمع.."..!
نجد في تعَّريف "شلز" مداخلة معرفية عصرية مخالفة لتوصيف "بندا" للمثقفين بـ"الأقلية الإكليريكية"،الذين يرتقون،في نظره،إلى مقام القديسين..فتوصيف "إدوارد شلز" يُنزِل المثقفين منزلة الفاعلين الاجتماعيين الدنيويين،المتمردين على المعايير السائدة،خصوصا،تلك المعايير المرتبطة بقيم الأمة المتسامية،والتي هي "دائما سعيدة بإلحاق الهزائم بالآخرين.."..وفي ذهنه أنموذج الأمة الأمريكية الملفَّقة من أمم مهاجرين..وأسياد بيض وعبيد سود،وهنود مبادون..والكثير من الادعاء الديني البيوريتاني بحسبان أمريكا البيضاء تلك "المدينة المنوَّرة على التل"..بينما هي،في نظر السكان الأصليين للقارة،مدينة قتل وظلام..وهي،في نظر الأفارقة المستعبدين،مدينة أغلال وسياط..!
إن تلك "المدينة المنوَّرة على التل" ليست سوى أسطورة مَوهومة للتغطية على حقيقة أمريكا المؤسَّسة على تلمود الاستئصال والسلب..القتل والتوسع..الذهب والمسدس..جون وين "الفارس النبيل والهندي الأحمر" القاتل الهمجي..وليس فقط استئصال البشر الأصليين ونهب أراضيهم وثرواتهم..وإنما تتويج الكذب حقيقة تاريخية غير قابلة للجدل،ما بالك بالنقض،إلى درجة اصطفاء ما يُسمى بالآباء المؤسسين مصاف الأنبياء التوراتيين..!
وهنا يأتي دور المثقف الحقيقي،الذي،بانحيازه إلى الحقيقة التاريخية،وإلى ضمير العدالة الإنسانية،وإلى الوعي بالحقائق الوثائقية،لا يملك إلا الخروج على"الإجماع والإذعان الوطنيين إلى الارتياب والتفنيد.."..وهو ما يجده إدوارد سعيد في المفكر الأمريكي كيرك باتريك سايل،الذي اعتبر"الرواية كلها عن الاكتشاف البالغ الكمال والفرصة اللامحدودة،اللذين ضمنا الاستثنائية الأمريكية في تأسيس جمهورية جديدة،معيوبة إلى درجة لا يجوز قبولها،لأن أعمال النهب والإبادة الجماعية،التي دمرت الأوضاع السابقة،كانت ثمنا باهظا فوق الحد.."..!
إن المثقف العصري هو مثقف نقدي شكاك،يحقق في مسرودات التاريخ والفكر،ويستجوب المسلمات "المقدسة" و"الرموز القومية،والتقاليد المبجَّلة،والأفكار النبيلة المنيعة.."..وغيرها من المعايير الأبوية الذكورية المنظِّمة للمجتمع..مستندا إلى معايير حقوق الإنسان بشموليتها في الدفاع عن حقوق الأقليات الإثنية والجنسيَّة، والسكان الأصليين، والنساء، والأطفال، والفقراء والمعدمين والمقموعين، والواقعين تحت الاحتلال.
إن مهام المثقف العصري هذه تنسحب على كل المجتمعات المعاصرة سواء القائمة على الحداثة أو تلك المداخِلة لها،كما هو حال المجتمعات الإسلامية،حيث:"أن دور المثقف ليس القول ببساطة إن "الإسلام هو الحل"...وإنما يتحتم عليه أن يقدّم،في الدرجة الأولى،تفسيراً للإسلام يشدّد على طبيعته التركيبيّة وغير التقليدية...وعلى المثقف،في المقام الثاني،أن يطالب السلطات الإسلامية بمواجهة تحدّيات التعامل مع الأقليات غير الإسلامية،وحقوق النساء،والعصريّة نفسها،بحرص إنساني وإعادة تقييم صادقة،لا بترانيم رتيبة دوغماتية أو شعبوية.وجوهر هذا الأمر للمثقف في الإسلام هو إحياء الاجتهاد،أو التفسير الشخصي،وليس التنازل كالنعِّاج لمصلحة العلماء،ذووي الطموحات السياسية،أو الدهَّماويِّين الساحرين للجماهير."...! لكن: هل يعني ذلك أن المثقف،على النحو المٌقَارب آنفا،محكوما،أو مشروطا،بالضرورة، أن يكون لا منتميا..أي بلا ولاء لجماعة قومية أو دينية أو عرقية ما؟!
حسب إدوارد سعيد كلُّنا،بلا استثناء،منتمون..إذ أن المثقف بما هو فرد إنساني هو كائن اجتماعي لا يمكن له أن"يعلو فوق الروابط العضوية التي تشدّ المرء إلى العائلة والجماعة،وبالتأكيد الجنسية..".
وذلك ما نجده متمثلا،بوضوح وثقة،في مواقف إدوارد سعيد وأفكاره،حيث ألزم نفسه كمثقف كوني أنسي، ينتمى للشعب الفلسطيني، بالدفاع، بالضرورة،عن شعبه وحقه في المقاومة والتحرر،من منطلق أن:"الشعور بأن شعبك مهدَّد بالانقراض السياسي،لا بل بالانقراض الفعلي أحيانا،يُلزمك بالدفاع عنه،وببذل أقصى طاقتك لحاميته،أو لمقاتلة أعداء الأمة.وهذه،بلا ريب،هي القوميّة الدفاعّية."..!
لكنه يظل هو نفسه ذلك المثقف،الحر-المستقل،الذي يرفض أن يتخلى عن دوره النقدي الاستجوابي لطرائق تفكير مجتمعه التقليدي،وثقافته المضادة أو المعوِّقة للحريات..فحتى وهو في خضم مقاتلة العدو والمحتل،فإن المثقف الحقيقي يظل وفيا لمنهجه النقدي الجوهري، الذي يتجاوز القضايا السياسية المباشرة أو مهام التحرر الوطني،إلى مهام التحرر الإنساني ـ الاجتماعي..أي:"من غير الممكن، وفقا لفانون، أن تقتصر غاية المثقف من أبناء البلد على إبدال شرطي أبيض بنظير له محلي،بل أن تكون ما دعاه،مُقتبسا من أيميه سيزار،خلق أنفس جديدة..".....يتبع.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 4 ديسمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home