Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 4 سبتمبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

القذافي وطيبة الليبيين الساذجة..!!
(2 من 2)

فرج بوالعَـشّة

استغل القذافي نزوع الليبيين إلى العروبة وتعلقهم بها فأخذ يضرب على هذا الوتر للإستيلاء على وجدانهم،مروجا لشعارات القومية الناصرية الرائجة وقتها كمقدسات.حيث جسّد عبد الناصر هذا البعد المقدّس لدى الجماهير العربية.وقد استقبله طوفان من الناس في مطار بنغازي أحاطوا بموكبه وعزلوه عن بقية الركب.فقطعت سيارته مسافة ثلاثة كيلومترات في ساعتين ونصف.وتمسحاً بمجد عبد الناصر قدم القذافي نفسه لليبيين بحسبانه إبنهم البار الذي جاء ليخلِّصهم من القواعد البريطانية والأمريكية وبقايا المستوطنين الطليان.ومَنْ لا يذكر تقليده لاستقالة عبد الناصر،عندما قدم استقالته لمجلس قيادة الثورة سنة 1973.وما أن أذيع النبأ حتى سُيّرت مسيرات الاجتجاح في الشوراع،تطالب "الأخ معمر" بالعدول عن استقالته.واكتظت المدينة الرياضة بعشرات الألوف.وظهر أب حاملا إبنه الصغير وهو يقسم بأغلظ الإيمانات أنه سيذبحه ما لم يعدل "الأخ معمر" عن استقالته.وكان أن عدل "الأخ معمر" عن الاستقالة.ومضى في تنفيذ أفكاره الثورجية المنمّطة،وأعماله الاستعراضية،بتاثير من عقد نقصه وتستره عليها بإدعاء العظمة،وما تمليه عليه شخصيته السايكوباتية من تشوهات أخلاقية وعدوانية مكشوفة،موجَّهة ضد الشعب الليبي،سيما بعدما أحكم سيطرته المطلقة على السلطة.ليسدر أبعد فأبعد في هذيانه الرسولي،واصفا الليبيين في وجوههم بأنهم "يعيشون حياة دودية".ويزعجونه بطالباتهم المعيشية،وهو المشغول بقضايا أعظم منهم...!

لقد تشكلت لدى الطاغية السايكوباتي قناعة راسخة مفادها أنه بوسعه أن يجرب في الليبيين ما يشاء من ترهاته الآيديولوجية دون أي خطر من خروجهم عليه في حالة رفض شعبي،رغم مقتهم له ولنظامه.استمر في تصفية الحياة السياسية والفكرية التعددية.وتهميش المؤسسة العسكرية وتجريدها من من قوتها،واعدم العسكريين الوطنيين،ليجعل كتائب الأمن وحرسه الثوري ومليشات لجانه الثورية هي القوة الحامية لأمنه وأمن نظامه.وقام على تصفية الحركة الطلابية وشنق الوطنيين في الميادين العامة،وصولا إلى إبادة أكثر من 1200 سجين رأي في مذبحة سجن بو سليم.وفي كل ذلك كان ولا يزال يعتمد في قهره لليبيين وإذلالهم واحتقارهم وزرع الخوف في نفوسهم لشلّ إرادتهم عن الفعل الرفضي والمقاوم،على ثنائية القمع المادي والإفساد الأخلاقي.فقد أشتغل بكل الأساليب والوسائل المتوفرة لديه على سرطنة فساده الأخلاقي والقيمي الممنهج في روح الشخصية الليبية.فعمل على إزاحة القيم والأخلاقيات الايجابية لإحلال القيم والأخلاقيات السلبية كمعايير مقبولة،بل وضرورية، لتدبير الأمور وتصريفها في منظومة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.بحيث باتت الأخلاقيات والسلوكيات الفاسدة والمفسِدة،مثل الغش والتزوير والتحايل والاختلاس والنفاق والتمسح والتذلل والجبن والخسة والصفاقة،،،،،،هي القيم المتداولة في تحصيل المصالح في "المجتمع الجماهيري البديع".وأصبح تطاول القذافي على الليبيين واحتقارهم وشتمهم علنا في خطاباته عادة مُحببة لديه،فيما إعلاميو السلطان وكتابه وشعراؤه وموسيقيوه ومطربوه لا هم عندهم ولا مشغلة إلا الاستغراق في تبجيله وتعظيم شأنه بحسبانه القائد الرسولي < نصفه بشر ونصفه إله > وكتابه الأخضر رسالة نبوية وجماهيريته مدينة فاضلة.أو قل نجع فاضل كما تصوره برامج الشعر الشعبي والغناء الشعبي.إنه نجع القذاذفة الفاضل.القذاذفة الذين يتفاخرون بسطوة قبيلتهم في أشعار على الكيلاني وأوبريتاته وأشعار عبدالله منصور وجلساته وموسيقى وغناء مطرب القبيلة المأجور محمد حسن وخيمته.وما يجلبونه من مطربات تونسيات ومغربيات ومشرقيات،يُلبسن أردية الحرير ويقلدن أثقال الذهب،ويغدق عليهن شيكات البنك نوت الخضراء.وها هم الأبناء يواصلون ممارسة نهج الأب في الحقد على الليبيين وتحقيرهم،وسلب ثرواتهم وتفقيرهم،ممعنين،على طريقة أبيهم،في تفسيخ شخصية الإنسان الليبيي،ومسخها شخصية رخوة ممسوخة،مُجهَّلة،ذليلة،غير متماسكة اجتماعيا،وقد أنهارت منظومة قيمها الوطنية والروحية والأخلاقية الإيجابية المترابطة،ترابط قيمة الحرية برفض المظالم وإقامة العدل ونشر الفضيلة والخير في المجتمع،وإزالة المفاسد.وفي صدارتها إزالة مفسدة الاستبداد،كشرط شارط لاستحقاق قيمة الديموقراطية،الشورى إذا شئت بالمعنى الإسلامي،التي بها وحدها يتمكن الناس من تسيير أمورهم بما يحقق مصالحهم فرادى ومصلحة المجتمع عامة،على أسس من الحق والعدل والكرامة الإنسانية....!

إن استحقاق الإنسان الليبي لقيمة الديموقراطية لا يتأتى إلا بالفاعلية الجماعية الضرورية لرفض مفاسد النظام نحو الخلاص منه،بدل الاستسلام للخوف منه المزروع في النفوس،والتوسل السلبي بقيمة الصبر بلا حدود.وهو الأمر الذي جعل القيم النفعية الذاتية الأنانية التي تبيح الرذائل الأخلاقية،من طمع وغش وكسب حرام ونفاق وجبن واحتيال وبصاصة،تتسيد على ما عداها من قيم نبيلة،و بالتالي يُجبر المجتمع على التعامل بها في طرائق عيشه وعلاقات اجتماعه.أما من يصر من الناس على التحلى بالصدق والأمانة والشرف والاستقامة في القول والعمل،فإنه يصبح شخصاً ساذجاً وفاشلاً...!!

هكذا أراد القذافي لليبيين أن يكونوا،في "المجتمع الجماهيري البديع"،كائنات دونية،ممسوخة بطبائع الاستبداد،مهانين في كرامتهم الشخصية والوطنية،وفي عزة النفس ولقمة العيش.يتلقون الإكراهات والإذلالات،دون أن يقدروا على ردها..!!

هكذا أراد لهم الطاغية ونظامه أن يكونوا مواطنين بلا مواطنة حقوقية،وبلا ذاكرة وطنية حقيقية.،بحيث جعل القذافي من أبيه،الذي مات في فراشه العام 1985،بعد نحو سبعين سنة على إصابته <في معركة القرضابية على ما يشيع إبنه > برصاصة في ظاهره من الخلف ،شهيدا استثنائيا.أمر بدفنه بجوار نصب الشهداء وصيّره رمزاً وطنياً،يؤخذ إليه كبار الرؤساء الزائرين لوضع أكاليل الزهور على قبره.ومؤخرا أعلن،دون أن يرف له جفن،! أن جده هو أول شهداء الجهاد في مواجهة الغزاة الطليان..!!!

بالطبع لا شك أن الكثير والكثير من الليبيين يظلون حاملين لقيمهم الشريفة.لكني أتحدث عن إعطاب منظومة القيم الوطنية،التي تجلت في مرحلة جهادها ضد الغزاة الفاشيست وفي مرحلة النضال المدني السياسي من أجل نيل الاستقلال.أتحدث عن القيم المستمدة من ثقافة الاجتماع البدوي الحر التي ترفض الظلم ومفاسده.قيم الشهامة والعزة والنخوة ونصرة المظلوم.وقيم الاستقامة والأمانة ومقت التمسح والتذلل والخسة والبصاصة..وغيرها من الرذائل الأخلاقية التي سيّدها نظام القذافي..!!

ويبقى علينا كمعارضين أن نمارس،بالتحليل والتفسير،تنقيد ذاتنا وبقسوة،حتى نمتلك الإجابة الملمة بما حدث وكيف حدث ولماذا حدث؟!ولكي نستنهض روح الرفض والمقاومة التي كانت ولا تزال حية في الروح الليبية،التي هي من أرواح الآلاف الذين هبوا رفضا للقذافي ونظامه،لا لضرر شخصي خاص لحق بهم أوبمصالحهم المادية الضيقة،إنما منافحة عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.فهم قدموا أرواحهم الغالية رخيصة إنتصارا لهذه القيم النبيلة ونصرة لشعبهم.لكن شعبهم للآسف لم ينصرهم.أكتفى معظمهم بالتآسي الأخرس،فيما كان الطاغية يستفرد بقوى الرفض والمعارضة،أفرادا أو جماعات.يسجن من يسجن،ويشنق من يشنق،ويغتال من يغتال،وينهب ويسلب ويفجر،على مدى أربعة عقود من الاستبداد والفساد والخراب.

faragasha@yahoo.com


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home