Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الجمعة 4 يوليو 2008

الانقلاب الكسمولوجي (*)

فرج بوالعَـشّة

كان استرداد الأندلس بقوة سيف المسيحية الأسبانية الناهضة قوميا وإمبراطوريا نحو اكتشاف العالم الجديد (في العام الذي سقطت فيه غرناطة العام 1492 ) يمثل، في دلالته التاريخية،ذروة سقوط العقلانية الإبداعية في الخطاب الحضاري العربي الإسلامي بعدما حُرِّمت الفلسفة بمرسوم سلطاني وهيمن منهج التلقين والتحفيظ بالفلقة وقد أطبقت على العرب قروسطية ظلامية في قبضة إنكشارية عثمانية في الوقت الذي خرجت فيه أوروبا من كهفها الكنسي القروسطي تفرك رؤيتها وتقدح عقلها مضيئة دروبها إلى المستقبل ومخلِّفة تراث الخرافات وذهنية التحريم وتقاليد التخلف تبلى وتُباد...

إن حرب الاسترداد الحقيقية هي حرب استرداد الوعي التاريخي والحضاري، استرداد الذات السوية والعقلانية المبدعة ورد الاعتبار لمنطق السبب والنتيجة وتحرير التاريخ من الميتافيزيقا ورده إلى زمنه الأرضي،إلى الإنسان مالكه وصانعه...

كانت عودة الوعي التاريخي الحضاري لأوروبا تنشط وتنتج معطياتها نظرا وعملا، حروبا وفتوحات وكشوفات... تُسيِّر حملات صليبية إلى الشرق وتفك ثغورها من قبضة المسلمين في أسبانيا وصقليّة... تأخذ عن العرب ما يفيد نهضتها من معارف وعلوم تدغمها في مناهج مدارسها وجامعاتها الناشئة وبالتزامن مع كشوفاتها الجغرافية الانقلابية المذهلة كاكتشاف رأس الرجاء الصالح وقارات وجزر العالم الجديد، وهي الكشوفات التي عوضت طرق التجارة التي كانت في حوزة العالم الإسلامي وأبطلت حيويتها الدولية.

كانت الاكتشافات الجغرافية والعلمية تتعاظم بتعاظم حركات الإصلاح الديني، وعلى الخصوص حركة الإصلاح البروتستانتي الكبرى التي "قدست"العمل والوقت والربح... وهكذا دخل الغرب زمن الحداثة متسارعة الوتائر (فكراً وعملاً) فتراكمت وتنوعت الاكتشافات والابتكارات والأفكار والثروات مكوِّنة ثورة حداثة فكرية علمية صناعية كبرى تُعوْلِم اليوم الوجود البشري من القطب إلى القطب طارحة تحدياتها المستقبلية على ثقافات العالم المتعددة: إما القبول بمداخلتها وإثبات حضور الذات على أرضيتها والمشاركة الخلاقة في صنع المستقبل الكوني المشترك، وإما البقاء خارجها،خارج التاريخ، في حال من النكوص الماضوي الغارق في خطاب الجهل والعنف أسير التصور الاتباعي بعدما أُقصي التصور الكسمولوجي الإسلامي الحضاري...

إن لكل حضارة مفهوم كسمولوجي يفسر الكون الفلكي والكون الروحي والتاريخي، وهذا التصور يظل مصدرا لحيوية التجدّد والتفتّح والإبداع ما ظل مفتوحا على الأسئلة الحضارية المطروحة على الإنسان والكون والمستقبل،وما أن يتحول إلى إجابات سابقة التجهيز حتى يصير وصفة للجمود والتخلف...

لقد قدمت الموجة الحضارية الأولى (الزراعية) التصور الكسمولوجي الاسطوري المتعدّد الآلهة في الحضارات الشرقية التي اخترقتها، فيما بعد، النزعة الإخناتونية (من إخناتون) التوحيدية أعقبها ظهور الديانات التوحيدية الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام...

ثم جاء الكسموس اليوناني ـ الروماني (الأسطوري التعددي) ثم التصور المسيحي التثليثي المستمد من النصوص الهرمسية ـ الإفلاطونية المحدثة... مع القرن السابع عشر أخذت الموجة الحضارية الزراعية (الإقطاعية) في الضمور والاندثار، وطفقت علامات سيمياء الموجة الحضارية الثانية في البروز،أي موجة الحضارة العلمية الصناعية وثورتها البرجوازية الرأسمالية بمفاهيم اقتصادها السياسي ونظامها الدولي الجديد (وقتها)...

ظهرت علامات ثورة الحداثة العلمية الفارقة المؤسسة لزمن حضاري جديد وبالتالي تصور كسمولوجي جديد افتتحه كوبرنيكوس ـ نيوتن ـ غاليليو.. حيث بطل التصور الديني ـ الميتافيزيقي عن الطبيعة، فغدت موضوعا خاضعا للاستقراء والاستدلال والتجربة...

بدأ الانقلاب الكسمولوجي الجذري في عصر الحداثة العلمية ـ الصناعية عندما نقل كوبرنيكوس مركز الكون (العالم) من الأرض إلى الشمس كونها الموضع الطبيعي، أي قلب الرحى في مجموعتها الفلكية... وناظرَ الانقلاب الكسمولوجي (الفلكي) انقلاب فلسفي علمي يُمركز الإنسان في التاريخ والعقل في الطبيعة متمنهِّجا في سؤال الشك الوجودي الذي جاء به ديكارت في صيغة مبني منطقي مثالي مُلخَّا في معادلة الكوجيتو الشهير: " (أنا) أفكر إذن (أنا) موجود"...

لقد فتح مبدأ الشك النقدي الباب لفلسفة أخلاق ثورية ذهبت بعيدا في بحثها عن معنى الوجود إلى ما بعد الخير والشر كما هو الحال عند نيتشه الذي كان ما بعد حداثوي في زمن طغيان الحداثة وقد غاص في جنونه المعرفي، جائلا بلا أثر... أي بلا تأويل نهائي.. يتبع...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 3 يوليو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home