Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 4 يونيو 2009

في قلب الظلمة الإمبريالية

فرج بوالعَـشّة

1
عنوان المقال تنويع على عنوان رواية: "قلب في الظلام"، التي كتبها جوزيف كونراد، بين عامي 1898 و1899. وتعتبر الرواية الرائدة لرواية القرن العشرين. وأول رواية حديثة تستبصر الخواء الداخلي للأفراد وتؤرخ للقضايا الخاسرة وتكشف الوجه الأقبح للإمبريالية،على رأي أحد النقاد الإنجليز. وحسب ناقد إنجليزي آخر، هو أرنولد كيتل، فإن: "كاتبين هامين فقط نظرا إلى الإمبريالية وجها لوجه.كلبنغ وكونراد وقد أكسبتهما تجربتهما حيوية يفتقر إليها بوضوح كتاب عصرهما. لكن كونراد وحده نظر إلى الإمبريالية بأمانة كافية جعلته فنانا عظيماً.."..!
رواية "قلب في الظلام" القصيرة مكتوبة بلغة إنجليزية مُتقنة. وكاتبها مهاجر بولندي، لجأ إلى الإمبراطورية البريطانية المهيمنة كونيا، بعد إلغاء سيادة بلاده، حيث اتفقت الدول المنتصرة، بعد هزيمة نابليون عام 1815، وهي النمسا، وبروسيا وروسيا، على تقسيم بولندا بينهم. فبات البولنديون شعبا بلا دولة حتى إعلان قيام مملكة بولندا مجدداً عام 1916 أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان ألد جوزيف كونراد شاعرا وطنيا معروفا تعرض للنفي على يد السلطات الروسية القيصرية بسبب موقفه السياسي المناهض للاحتلال الروسي. الأمر الذي كوَّن لدى كونراد، بحسب إدوارد سعيد: "إحساسا مترسِّبا فائق الإلحاح بهامشيته المنفوية الشخصية". وعلى هذه الخلفية عمل كونراد بحارا مما أتاح له التجوال في موانئ المستعمرات الإفريقية، ومعاينة ما يرتكبه المستعمرون البيض من فظائع بحق السكان الأصليين. وقد جاءت معاينته لتلك الفظائع من منظور تجربته الذاتية المؤلمة في وطنه المُلغى، والتي جعلته كما كتب في مذاكرته الشخصية: "متصفا بنظرة حيادية للبشرية بكل درجات روعتها وبؤسها مع تقدير خاص لحقوق المحرومين على الأرض. ليس على أساس غيبي بل على أساس الزمالة البسيطة والتبادل المُشرِّف للخدمات..". وكذا من منظور "الموقف الأخلاقي" الذي ينبغي، حسبه، أن يكون هدف كل قصة. وهو هنا هدف قصة "قلب الظلام". ولكن بلغة روائية فنية عالية، مبنية على تجربة مُعاشة، عندما كان مسؤولا عن قيادة مركب بخاري في نهر الكونغو عام 1889. وقد سجل مشاهداته أثناء رحلته تلك في دفتر خاص، نُشر في أمريكا بعد عقود على وفاته بعنوان: "أيام كونغولية". عبر فيه عن معاناته النفسية إزاء ما شاهده من ممارسات الرجل الأبيض الوحشية تجاه السكان الأفارقة: "أشعر أن حياتي بين هؤلاء ـ البيض ـ لن تكون مريحة وسأحاول أن أتجنب التعرف عليهم بقدر المستطاع.." .. وبعد عشر سنوات على رحلته تلك عاد إلى ما سجله عنها ووظفه في تأليف روايته "قلب في الظلام"، مُدشنا بتأليفها رواية ما بعد الكولونيالية. إذ أن حسب إدوارد سعيد: "ما يميز كونراد عن غيره من الكتّاب الاستعماريين الذين كانوا معاصرين له هو أنه كان واعيا وعيا ذاتيا حادا لما يفعله، لأسباب تعود جزئيا إلى الاستعمار الذي حوّله، وهو المهاجر البولندي، إلى موظّف لدى النظام الامبريالي". ومن هنا كانت رؤيته الروائية منزاحة عن مظان الرواية الأوروبية،الإنجليزية والفرنسية على الخصوص، التي تعاطت "العالم الامبريالي" في سرده الأدبي الجمالي من منظور تبرير الفعل الاستعماري وتمجيد توسعه وهيمنته، بحسبانه فتحا مبينا للحضارة والتقدم. عكس المنظور الروائي الإبداعي الذي توسله كونراد لاكتناه ظلامية "العالم الإمبريالي" والكشف عن وجهه المرعب.

2
بنى جوزيف كونراد نسقه الروائي على أسلوب القص، من خلال بطل روايته مالرو، وهو يروي لمستمعين مستلقين على ظهر مركب يرسو عند ملتقى نهر التايمز اللندني. وهو الملتقى/المنطلق الذي كان يبحر منه مغامرو الإمبراطورية إلى مستعمراتها لمزيد من الاكتشافات والتوسع باسم نشر العلم والتقدم والتبشير بالدين المسيحي...!
تنفتح الرواية على السارد مالرو، الذي هو الروائي: "الجوّاب السابق في الأقاليم المستعمرة، وهو يروي قصته لمجموعة من المستمعين البريطانيين في لحظة زمنية معينة وفي مكان محدد..." .. وكونراد يتوسل بأسلوب القص على مستمعيه، من أصحاب الأعمال البريطانيين المستلقين على ظهر المركب في "التميز" فيما الشمس تغرب، الإبحار إلى العالم الآخر الذي صنعته بريطانيا، عالم الظلمة الإمبريالية...!
ويبدو كما يقول إدوارد سعيد: "لم يكن بوسع كونراد قط أن يستخدم مالرو لتقديم أية رؤية أخرى سوى رؤية العالم الإمبريالي، في ضوء ما كان متاحا لكل من كونراد ومالرو أن يرياه من العالم أو الإنسان غير الأوروبي. فقد كان الاستقلال "الحرية" وقفا على البيض والأوروبيين؛ وكان للشعوب الأدنى أو الخاضعة أن تُحكم فقط." .. دون أن يكون كونراد مُلزما أو قادرا على أن: "يتخيل بديلا متحققا تحققا تاما للإمبريالية. فالسكان الأصليون الذين كُتِبَ عنهم في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كانوا عاجزين عن الاستقلال، ولما كان قد تخيل فيما يبدو أن الوصايا الأوروبية كانت معطى بديهيا، فقد عجز عن التكهّن بما ستؤول إليه الأمور حين تبلغ هذه الوصاية نهايتها."..!
وهكذا عبر سرد روائي رؤوي فذ، محبوك بلغة بلاغية غامضة في بنائية سردية مُركَّبة، مضاءة بمفاتيح مشحونة بالترميزات والإيحاءات والانزياحات الطباقية المتضادة، نكتشف وراء سترة اللغة الروائية الشفافة، حسب إدوارد سعيد، أن: "الدلالة الحقيقية لما يتحدث عنه كورتز السيد الإمبريالي المتألِّه ومالرو بطل الرواية هي في الواقع السيادة الإمبريالية. سيادة الأوروبيين البيض على الأفارقة السود وعاجهم. أي سيادة حضارتهم على القارة البدائية المظلمة.."..!
وبتعبير آخر فإن رواية "قلب الظلام" هي، بمفهوم الانزياح الإبداعي، إضاءة إبداعية باهرة سُلطت على ظلمة الشر البشري. ومن عبقرية اللغة العربية أن الظُلم من الظلام. ومن عبقرية كونراد أنه أدرك، وحسب إدوارد سعيد: "أن الظلام الدائم الوجود قابل لأن يُستعمَر أو يضاء.."، حيث أن: "كورتز ومالرو يعترفان بالظلام. الأول فيما هو يحتضر. والثاني وهو يتأمل استرجاعيا معنى كلمات كورتز الأخيرة". الكلمات التي قالها كورتز وهو يرقد محتضرا كما قال: "هنا في هذا الظلام انتظر الموت".ثم صرخ: "هامسا إلى صورة، إلى طيف. وصاح مرتين صيحة لم تكن أكثر من زفرة: الرعب...الرعب.."...!

3
في قلب الظلمة الإمبريالية يوجد كورتز، الذي أسهمت أوروبا كلها في صنعه على حد تعبير مالرو. فهو كورتز: "خطيب مفوه وكاتب وشاعر وفنان ورجل عظيم ووغد وشيطان ومثير للرعب وإله بلا حدود.."

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 4 مايو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home