Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 4 يونيو 2010

ما حاجة ليبيا لعودة الملكية؟!

فرج بوالعَـشّة

علت في أوساط المعارضة في السنوات القليلة الماضية بعض الأصوات الداعية إلى عودة الحكم الملكي لليبيا. وقد توافقت مع دعاوى أخرى كثيرة لعودة الملكية في العراق وأفغانستان ومصر وإيران. وجميعها تقريبا تجمع على تصوير الملكية كحل إنقاذي لمشكلات الدول والمجتمعات التي سقطت فيها الأنظمة الملكية بفعل إنقلابات عسكرية أو ثورات شعبية(إيران). وغالبا ما تصور العودة إلى الملكية، من منظور دعاتها، على أنها عودة إلى "الزمن الجميل" بحسبان أن عهدها كان أفضل من عهود الانقلابات عليها. ويحرص دعاة العودة إلى الحكم الملكي على استدعاء محاسن الملكية، التي، حسبهم، أزدهرت فيها الديموقراطية الدستورية والحريات العامة. ولكن هؤلاء الدعاة يتغاضون عما يطال تلك الديموقراطية من قصور ونقص وتزييف وعن خضوع البلاد للسيطرة الأجنبية، حيث كان أولئك الملوك المركَّبون يخشون المندوبين الاستعماريين الساميين ويدينون لهم بالطاعة في كل كبيرة وصغيرة تقريبا. وقد شهدنا فشل محاولة عودة الملكية في أفغانستان بعد سقوط دولة طالبان. وفشل محاولة عودتها لحكم العراق بعد سقوط الدولة البعثية، بل أن الشريف على، المطالب بالعرش الهاشمي، فشل هو بنفسه في أن يكون عضوا في البرلمان العراقي. وباتت عودة ملكية أسرة محمد علي في مصر من المستحيلات كاستحالة عودة المماليك.

إن الذين يدعون إلى عودة الملكية في ليبيا يسترشدون أو يتمثلون أو يستدلون بأمثلة حاضرة على عودة النظام الملكي،كما في أسبانيا. وهؤلاء يتمثلون في تيار سياسي، ضمن المعارضة الليبية. لكنه غير منتظم في تنظيم معروف. هذا إذا استبعدنا "الإتحاد الدستوري" كونه حصر هدفه في العودة إلى الدستور وأوقف مبايعته للملكية على الملك الراحل محمد أدريس السنوسي. بينما قدم السيد محمد رضا السنوسي نفسه بصفته المطالب الشرعي بعرش ليبيا. وقد طرح صيغة جديدة لعودة النظام الملكي السنوسي للحكم. حيث يقول بهذا الخصوص:

"هناك ملكية واحدة هي الملكية الدستورية، وأعتقد أن دستور1951م الذي أنشأ دولة الإستقلال قد أقتبس الكثير من معالمها وضمنها في نصوصه. وأساسيات تقييد سلطة المؤسسة الملكية واضحة وجلية، قد تحتاج الى بيان وتوضيح، وأيضا الى تطوير بما يواكب الوقت، والملكية الدستورية هي كما ذكر احد كتابنا الافاضل الأستاذ محمد امين العيساوي في إحدى مقالاته تمثل عنصر الإستقرار ولذلك أعاد الشعب الأسباني تبنيها بعد وفاة فرانكو، إذ لا ننسى الصراعات العرقية في شبه الجزيرة الاسبانية، فالملكية الدستورية هي عنصر الإستقرار وأداة التوازن بين سلطات ومؤسسات ومكونات الدولة حتى لا تطغى إحداها على الأخرى علاوة على أنها تمثل رمز وحدتها وسيادتها..".

لكن السيد محمد الحسن يغفل، من حيث المبدأ، موضوعة جوهرية في المقارنة بين عودة الملكية إلى أسبانيا وأطروحته لعودة الملكية إلى ليبيا،وهي الإختلاف التاريخي العميق بين الملكية الأسبانية والملكية السنوسية..كيف؟! الملكية الأسبانية لها تاريخ متواصل يرجع إلى أكثر من ألف عام. أي أنها ملكية تشكّلت وتأصلت عبر تاريخ الملكيات الأوروبية ، التي أنتجت على مدار السنوات والعقود والقرون تراثها وتقاليدها،الثقافية والدينية والمعمارية، وصنعت أمجاد إمبراطوريتها التاريخية العظيمة. فالملكية الإسبانبة هي التي استولت على الممالك العربية في الاندلس الواحدة تلو الأخرى إلى أن سقطت في أيديهم غرناطة آخر قواعد المسلمين سنة 1492.وهي التي مكّنت أسبانيا من أن تكون أقوى دولة في العالم خلال القرن الخامس عشر. أي أنها عبرت بالأمة الأسبانبة القرون الوسطى إلى عصر النهضة فالحداثة. ولم تغب عن حكم أسبانبا إلا لفترة قصيرة، على إثر قيام الجمهورية الأسبانية العام 1939، حيث تنازل الملك ألفونسو عن العرش ولجأ إلى المنفى. ثم كان انقلاب الجنرال فرانكو على الجمهورية وما ترتب عليه من حرب أهلية طاحنة، انتهت بسيطرة فرانكو الفاشي على نظام الحكم وقمع الحركة الديموقراطية حتى وفاته في 20 نوفمبر 1975. لكنه كان يعتنى بوريث العرش الملكي خوان كارلوس دي بوربون، واعتبره خليفة له بعد وفاته، وذلك ما حدث. فعادت الملكية لتكون صورة رمزية (فلوكلورية) تملك ولا تحكم. وهو عكس الحال التاريخي والديني للشعوب العربية والإسلامية التي لم تعرف الملكية إلا كصيغة ركبها الغرب الاستعماري في العصر الحديث. حتى أن القرآن الكريم ينص على:" إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)النمل:33،34. دون أن يعني ذلك، عندي على الأقل، تحريمها كشكل من أشكال النظم السياسية. ما أقصده بشكل واضح هو أن عمر الملكية في ليبيا كان زمنا قصيرا خاطفا. فالحركة السنوسية لم تكن سوى طريقة دينية إصلاحية. وهو ما يقول به السيد محمد الحسن الرضا السنوسي نفسه في مقابلة أجراها معه موقع المستقبل، عندما تساءل:"من قال ان الحركة السنوسية هى حركة سياسية؟! ففي صفحات التاريخ نقرأ أنها حركة إصلاحية في الفقه والتصوف وهي حركة نهضوية لإصلاح حال الأمة الاسلامية، وساهمت بقدر كبير في نشر الاسلام في أفريقيا، وفي غيرها من الأماكن. الحركة السنوسية في ليبيا التي أحتضنها تاريخها وجه مشرقا دخلت السياسة من باب الجهاد الذي سجله التاريخ وتولت قيادة أدواره، ثم لما أستقلت الدولة لم نشهد للحركة السنوسية أي دور في الحياة السياسية بل كان محظورا على الأسرة السنوسية تولي الوزارة او الدخول في الحياة السياسية عامة، ولست أدري من أين استقيت هذه المعلومة في فصل الحركة السنوسية عن السياسة، ربما صاحبها لم يقرأ التاريخ جيدا."

ودون الوقوف عند التناقض الواضح في اقواله بين القول بأن الحركة السنوسية "دخلت السياسة من باب الجهاد". ذلك صحيح. ونفيه، في الوقت نفسه، لأي دور للحركة السنوسية في الحياة السياسية للدولة الاستقلال. وتلك مغالطة صارخة. فالسنوسيون كانوا يحكمون البلاد من خلال النظام الملكي، بينما كانت الطريقة السنوسية هي الحامل الديني ـ الآيديولوجي للنظام الملكي. إن الحركة السنوسية التي تأسست على يد الشيخ محمد بن على السنوسي الخطابي الإدريسي قامت كطريقة دينية صوفية إصلاحية أثناء إقامته بمكة المكرمة التي وصل إليها من القاهرة بعدما تعرض فيها لمضايقات السلطة وبعض شيوخ الأزهر. وقد امتازت حياة المؤسس محمد بن علي السنوسي بالترحال الطوعي طلبا للعلم والتعليم أو هروباً من الملاحقة والاضطهاد. وهو لم يكن يخطط للاستقرار في ليبيا. لكنها الظروف هي التي تصنع أقدار التاريخ. إذ ترك السيد محمد بن علي السنوسي الأراضي المقدسة بعدما تعرض لمضايقات السلطة العثمانية والشيوخ الوهابيين بسبب أفكاره الإسلامية الإصلاحية التي يدعو إليه وفقا لطريقته السنوسية على منهج الكتاب والسنة من حيث استخلاص الأحكام الشرعية وفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه فقهاء العقل النقلي المتأخرين. وكذلك دعوته إلى توحيد الطرق الإسلامية في طريقة واحدة، مرجعيتها القرآن والسنة النبوية المؤكدة.علاوة على عداء الوهابيين له كونه قريشي يدعو إلى أن تكون الخلافة وقفا على النسب القريشي. وهكذا، في العام 1840، ترك السيد السنوسي الكبير أرض الحجاز عائدا إلى موطنه الجزائر. لكنه اضطر للمكوث عدة أشهر في واحة سيوة عند حدود ليبيا مع مصر بسبب مرض شديد ألم به. ثم واصل رحلته غربا في اتجاه الجزائر عبوراً بتونس. لكن تبيّن له (عند الحدود الليبية مع تونس) صعوبة مواصلة الرحلة في وجود الاستعمار الفرنسي. فعاد إلى برقة ليستقر في مدينة البيضاء مؤسسا ثاني الزوايا السنوسية والأولى في ليبيا العام 1842 بالقرب من ضريح الصحابي رافع الأنصاري. وفي السنة التالية تزوج من أحد العائلات الليبية المعروفة. وهكذا استقر به وبطريقته السنوسية المقام بين ظهراني الليبيين في برقة. وهناك انبثقت الطريقة السنوسية في ليبيا كمذهب ديني ـ صوفي. ولم يكن من أهدافها حمل السلاح ضد الدولة العثمانية الحاكمة في ليبيا وقتها. فهي كانت طريقة للإلتزام بصحيح الإسلام في طاعة الله ورسوله حسب ما فسرها السنوسي الكبير. وقد أنخرطت بحكم فرض الجهاد في حركة الجهاد المسلح ضد الاحتلال الفرنسي في تشاد وأطراف من السودان دفاعاً عن زواياها المنتشرة هناك. ثم ركزت عملها الجهادي في ليبيا بعد الغزو الإيطالي. ومع تسلم السيد إدريس السنوسي زعامة الطريقة السنوسية (بعد نفي السيد أحمد الشريف إلى اسطنبول) بدأ التوجه السياسي الواضح للزعامة السنوسية من خلال إنتهاج سياسة التفاهم والصلح مع الإنكليز من جهة والإيطاليين من جهة أخرى. فوقع السيد إدريس مع سلطة الاستعمار الإيطالي سلسلة اتفاقيات في مراحل مختلفة: اتفاقية الزويتينة 1916 واتفاقية عكرمة 1917، واتفاقية الرجمة 1920، وصولاً إلى اتفاقية أبو مريم 1922. وكانت نتيجة هذه الاتفاقيات المتوالية،إن توقفت حركة الجهاد في برقة لحوالي ست سنوات. ومعروف أن إيطاليا وفقا لاتفاقية الرجمة أصدرت مرسوماً ملكياً مسجلاً تحت رقم 1755 بتاريخ 25 /10/ 1920، ينص على منح السيد إدريس السنوسي لقب الأمير:..." تقديراً للأعمال التي قام بها السيد إدريس السنوسي أثناء الحرب العالمية والاتفاق مع الحكومة الإيطالية، وتقديراً لهمته في التعاون مع الحكومة الإيطاليّة لتهدئة الخواطر في برقة ورفاهية البلاد وتقدمها، وتقديراً وإثباتاً لفضله، وبالاستناد إلى رأي مجلس الوزراء وبناء على اقتراح وزير المستعمرات، أمرنا بما هو آت :

أولاً: يُمنح السيد محمد إدريس السنوسي لقب أمير بما له من مزايا وإكرام للقب صاحب السمو، وبوصفه رئيسا منتدبا منا ليتولى إدارة أوجلة وجالو والجغبوب والكفرة إدارة ذاتية، كما يرخص له باختيار إجدابيا كمركز رئيسي لإدارته.

ثانياً: نأمر بأنّ يسجل هذا المرسوم وعليه خاتم الدولة في الجريدة الرسميّة الخاصّة بقوانين ومراسيم مملكة إيطاليا. على كل من يخصه الأمر، تنفيذ هذا المرسوم والعمل به . صدر في روما يوم 25 أكتوبر 1920م، ملك إيطاليا فيتو ديوايمانويلي، رئيس الوزراء جيوليتي، وزير المستعمرات روسما...."

وبذلك أكتسب السيد إدريس السنوسي لقب الأمير الذي عُرف به إلى أن نُصِّب ملكاً فيما بعد. إذن الإمارة السنوسية أخذت شرعيتها من مرسوم ملكي استعماري، جعل إمارة السيد إدريس وراثية لأولاده أو لذوي القربى منه. وصُرف له من الخزانة الإيطالية مبلغ أربعة وستون ألف فرنك وخمسة عشر ألف فرنك إيطالي لوريثه الشرعي أو من يعينه. وعشرة آلاف فرنك لكل عضو من الأسرة السنوسية. وثلاثة آلاف فرنك لكل أم من أمهات الأسرة السنوسية. علاوة على مبلغ مليونان وستمائة ألف فرنك مصروفات عامة للإمارة ومنه مبلغ مخصص لشراء سكوت المعارضين.كما تكفّلت حكومة الاحتلال بتغطية احتياجات القوات الأمنية التابعة للأمير والتي يجب، بحسب الاتفاق، ألا يتجاوز عدد منتسبيها الألف مجند، وظيفتهم حراسة الأمير وحفظ الأمن في الإمارة. وكذا مبلغ لصرفه على أعوانه مع مكاسب شكلية وشخصية لمشايخ القبائل. وذلك كله مقابل الاعتراف بسيطرة القوات الإيطالية على المناطق الساحلية وتعهد الأمير بالعمل على إخماد أي حركة سياسية أو مدنية أو عسكرية يقوم بها المجاهدون الذين يخرجون على سيطرته.

وفي يناير 1923 قرر السيد إدريس السنوسي مغادرة ليبيا والعيش في المهجر بمصر. وفيها تحالف مع بريطانيا وشكل الجيش السنوسي، الذي قام، بحسب تصريح وزير خارجية بريطانيا أنذاك أنتوني إيدن في مجلس العموم، بمساعدات قيمة للجيش البريطاني" أثناء القيام بتلك العمليات الموفقة في الصحراء الغربية في شتاء 1940 – 1941, وهو الأن يقوم بنصيب قيم في الحملة العسكرية الحالية.".. وقد كانت شروط التعاون مع بريطانيا حسب الباحث مفتاح السيّد الشريف :" مقرونة بوثيقة حرّرها السيد إدريس بتاريخ 27 أغسطس من نفس السنة وسلّمها للعقيد بروميلو مساعد الجنرال ويلسون قائد القوّات الحليفة في الشرق الأوسط، إعتمادا على التفويض الممنوح له من زعماء البلاد والذي سبق ذكره. وطالب في الوثيقة بالإستقلال (الدّاخلي) لليبيا تحت حكومة يرأسها أمير وأن تتعهّد بريطانيا بحمايتها ومساعدتها ماليا،إلى أن تصل إلى مستوى إجتماعي وثقافي ومدني أرقى". جاء هذا بعد تصريح الجنرال ويلسون في يوم 9 أغسطس أمام الزعماء والذي قال فيه "إن إشتراككم مع قوّات صاحب الجلالة في سحق العدوّ المشترك هو تحرير لوطنكم واسترداد أملاككم وحريّتكم واستقلالكم".(هامش أنظر نصّ الورقة التي قدّمها الباحث مفتاح السيّد الشريف لمؤتمر "الدستور الليبي" الذي انعقد بمقرّ الكونجرس الأمريكي في الفترة من 23-24 يونيو 2006 وهي متوفرة في شبكة المعلومات ـ إبحث في غوغل ..)

وهكذا أدّت التحولات السياسية الدولية بليبيا إلى أن تصبح دولة مستقلة ذات نظام ملكي لا جذور تاريخية له في ليبيا. وكان مطلب السيد إدريس في البداية تأسيس أمارة مستقلة في برقة، ببينما كانت "جمعيّة الدفاع الطرابلسي-البرقاوي" بقيادة بشير السعداوي وعمر شنّيب معارضة لهذا التصور الانفصالي وتطالب بنظام حكم وطني اتحادي. وفي تطور سياسي مستحدث بايع زعماء القبائل وكبار الأعيان والوجهاء الأمير إدريس بموجب وثيقة 9 أغسطس 1940، القاضية بإعلان:" الإمارة السنوسيّة والثقة التّامة في الأمير إدريس وإعلان هيئة تمثّل القطرين وتكوّن مجلس شورى للأمة وخوض غمار الحرب مع الحلفاء ضدّ المحور وتعيين حكومة سنوسيّة تدير شئون البلاد في الوقت الحاضر" وفوّضوه "بمراجعة الدولة البريطانيّة لعقد الإتفاقات والمعاهدات السياسيّة والمالية والحربيّة التي توفي هذه الغاية وتضمن للوطن حرّيته واستقلاله." ( أنظر المصدر السابق)

أما في طرابلس فقد تطورت الحركة الوطنية المعارضة لمشروع الأمير إدريس الإنفصالي. حيث عبرت عن نشاطها في هيئة الحزب الوطني والكتلة الوطنيّة والأحرار وغيرها من التنظيمات.لا سيما بعدما أتضح بشكل معلن رغبة الأمير إدريس ورجاله في الانفصال ببرقة. وكان من أبرزهم عضده الدبلوماسي منصور الكيخيا، الذي أرسل في فبراير 1945 رسالة موجّهة إلى ونستون تشرشيل رئيس الوزراء البريطاني يطلب فيها بريطانيا الاعتراف بحكم إدريس السنوسي أميراً على برقة بما هي دولة مستقلة ذات نظام ديموقراطي تمثيلي، ومساعدتها بمستشارين سياسيين وإداريين والإشراف على تشكيل جيشها وتدريبه وتغطية عجز موازنتها المالية، وذلك مقابل تواجد القوات البريطانية في الأراضي البرقاويّة لفترة محدّدة. وعلاوة على المعارضة الوطنية في غرب ليبيا للمشروع السنوسي الانفصالي انبثقت في قلب الشرق بمدينة بنغازي حركة رفض وطني قادتها "جمعيّة عمر المختار" التي تصدّت للإدارة البريطانية الاستعمارية ودعاة المشروع الانفصالي. فاتخذت لنفسها تسمية "الجمعيّة الوطنيّة" لكي تتحرر من مفهوم نشاطها الرائج كنادي اجتماعي ثقافي، وتعطي لنفسها الحق في التعبير عن موقفها الوطني العام بالتظاهرات والإضرابات. ولكن ما أن عاد الأمير إدريس عودته الثانية إلى برقة العام 1947 حتى أمر بحل جمعية عمر المختار وقصّر النشاط السياسي على حزبه السياسي الذي صار اسمه "المؤتمر الوطني البرقاوي".

وأستمرت محاولات تثبيت المشروع البرقاوي الانفصالي التي قادها باصرار منصور الكيخيا حتى العام 1949. وأسفر عن إعلان الأمير إدريس، في 1 يونيو 1949، استقلال برقة من شرفة قصر المنار، وإلى جانبة المندوب السامي البريطاني دي كاندول، الذي أعلن بدوره إعتراف الحكومة البريطانية بالسيد إدريس السنوسي أميرا على برقة المستقلّة ذاتياً. ودون الاستغراق في تفاصيل الصراعات السياسية الداخلة بين توجهات الأمير إدريس الانفصالية وحركة معارضيه الوطنية الوحدوية، فإن مصير استقلال ليبيا لم يكن بيد تشرشل كما اعتقد الأمير إدريس وعضده الدبلوماسي الباشا منصور الكيخيا. وإنما كان مرهوناً بقرار دولي تتناور على صياغته مصالح دول مجلس الأمن الأربعة. وفي النهاية لم يكن من حل سوى تسليم القوى العظمى بمنح ليبيا استقلالها وقد وافقت أمريكا وبريطانيا باعتبار ضمان نفوذهما العسكري. ولأن أمريكا وبريطانيا أرادتا ليبيا دولة واحدة تحول مشروع الأمير إدريس إلى فكرة نظام سياسي ملكي اتحادي. ومن هنا ابتكر الدستور، الذي أشرف عليه أدريان بلت ، مندوب الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، نظام حكم يليق بصفة السيد إدريس السنوسي كأمير. أي أن النظام الملكي لم يكن أبداً مطلباً ليبياً شعبياً. كما أن السيد إدريس السنوسي لم يكن يوما أميراً سليل ملوك. ولم يحظ بلقب أمير إلا بمرسوم ملكي من لدن ملك إيطاليا الاستعمارية. ومع ذلك بايعه معظم الليبيين ومحظوه الولاء لدواعي تعلقهم الديني بالسنوسيين كسلاسلة أشراف.

وحتى لا يستغرقنا التاريخ لننظر إلى أجيال الليبيين اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود من حكم نظام القذافي الثورجي البغيض،وأول انطباع يواجهنا هو أن تلك الأجيال لا تعرف شيئاً عن العهد الملكي الذي ارتبطت هيبته بهيبة مليكه الراحل منذ قرابة ثلاثة عقود. وما عاد للطريقة السنوسية أي شعبية ذات وزن سياسي أو اعتبار اجتماعي في المجتمع الليبي. ولم تتأصل كمذهب فقهي جامع لليبيين. وفقدت حضورها حتى كطريقة صوفية بسبب تعرضها للمنع والملاحقة والإزدراء من قبل النظام الفاشي القائم. وبالتالي لا أرى أي مستقبل موضوعي لعودة الملكية لحكم ليبيا. فهل الليبيون في حاجة موضوعية ملحة،إذا ما زال حكم مملكة القذاذفة القحوص، إلى نظام حكم ملكي آخر تمسحاً بخلافة "سيدي إدريس"؟! ولماذا يضطر الليبيون إلى رصد ميزانية بمئات الملايين لتغطية مصاريف الشؤون الملكية، من احتفالات وأعياد، ورواتب موظفي الديوان الملكي ومخصصات الحاشية من أمراء وأميرات وقصور وأراض وبستاين ومصائف خاصة،على جاري الممالك العربية السائدة....؟! من أجل ماذا؟!

لقد قبل الليبيون حكم نظام " سيدي إدريس" الملكي نظراً لمعطيات تاريخية استثنائية، سياسيا وثقافيا واجتماعيا. وفي الأساس منها ارتباط النظام الملكي بشخصية "سيدي إدريس" ذات الهيبة الدينية المؤثرة وبعلاقاته الوثيقة مع القوى العظمى (بريطانيا وأمريكا). وهي معطيات غير متوافرة اليوم لدعاة عودة الملكية. وحتى لو جاء نظام وطني، بعد زوال نظام القذافي، وأتاح للطريقة السنوسية أن تعيد وجودها في إحياء زواياها فلن يتبعها إلا القليل القليل. فالمعطيات تغيرت والعالم تغيّر. ومن المعروف أن الملك إدريس السنوسي حاول جديا قبل حوالي نصف قرن التخلي عن السطة وتحويلها إلى نظام جمهوري.

والحال أن من حق كل من يطالب بعودة الملكية أن يصيغ خياره في شكل سياسي يعبّر عن مطلبه ومن حق السيد محمد الحسن أن يطرح نفسه كمطالب بالعرش وأن يلتف حوله كل من يؤيد هذا المطلب وإن كان معظمهم في حقيقة الأمر مشوَّشين وموشوِّشين في الوقت ذاته وبعضهم محسوبون على المعارضة الوطنية إلاّ أنه من غير المفهوم تلبيس المعارضة الوطنية رداء الدعوة إلى عودة الملكية وحصر مفهوم المطالبة بعودة الشرعية الدستورية في العودة إلى دستور 1951 وإتخاذ السيد محمد الرضا السنوسي رمزاً للمعارضة الليبية، التي في معظمها ترفض عودة الملكية. التي يعدها السواد الأعظم في المعارضة الوطنية،وأنا منهم،نظام حكم عتيق حتى في أشكاله المعروفة بالملكية الدستورية. وهي في الغرب، كما في بريطانيا وهولندا والدنمارك وأسبانيا، ليست سوى ناستالوجيا ثقافية حيث يفضل الناس بقاءها لأنها جزء من تاريخهم البعيد المليء بالأمجاد العظيمة. أي أن الملكية المطلقة ثم الدستورية هي نتاج تاريخ الغرب وثقافته الخاصة. أما في ليبيا كما أشرت سابقا لم تعمر الملكية سوى ثمانية عشر عاما. وليس هناك أي ضرورة تاريخية أو سياسية لعودتها. بينما يتطلع الليبيون، في رأي،إلى نظام حكم ديموقراطي بسيط وسلس دون زوائد لا لزوم لها. وهو ما يوفره نظام الحكم البرلماني، حيث رئيس الوزراء هو كبير موظفي الدولة، يجري ترشيحه من حزبه، أو من تحالف أغلبية برلمانية، نتيجة لمناقشات ومنافسات وتسويات برلمانية. ولا يتم تعينه، في منصبه، إلا بعد موافقة البرلمان(أعلى سلطة في الدولة)على شخصه وحكومته، وبرنامجها السياسي. وبهذا فإن منصب "دولة رئيس الوزراء" أو"الوزير الأول"، حسبما يسمى في بعض الدول، عبارة عن موقع وظيفي تنفيذي. ووزراء حكومته ليسوا، كما في نظام الرئاسي العربي القائم، مجرد إمعات رئيس الوزراء الذي بدوره إمَّعة السيد الرئيس ـ القائد. فالوزراء، في النظام البرلماني، شخصيات قوية ومسؤولة، لها اعتبارها السياسي البارز. يعملون مع رئيس الوزراء كفريق واحد. فهم يملكون حق مناقشة ما يطرحه رئيس الوزراء أو أحد الوزراء، من اقتراحات أو قرارات، والتصويت عليها بالقبول أو الرفض، حسب نظام التصويت. وجميعهم مسؤولون أمام البرلمان. فهم محكومون ببرنامج حكومي، عرضة لحسابات النجاح والفشل، حسب مؤشرات ثقة البرلمان فيه، ورضا غالبية الرأي العام عنه. فرئيس الوزراء عرضة للعزل أو الإطاحة بحكومته بعد سحب البرلمان الثقة منه أو منها. كما أن رئيس والوزراء والوزراء، وغيرهم من كبار رجال الدولة، ليسوا فوق القانون. فهم، في الأصل، مواطنون عاديون، تُرفع عنهم الحصانة الاعتبارية، بسهولة، إذا ما ارتكبوا جنحة أو جناية !

أما رئيس الجمهورية، في النظام البرلماني، فهو رئيس لا يرأس. ومنصبه عبارة عن مقام شرفي تتقلده شخصية وطنية مشهود له بالعلم والفكر والاستقامة. ويتم اختيار رئيس الجمهورية من البرلمان بأغلبية الثلثين. وينحصر دوره، كممثل فخري لسلطة الدولة العليا(البرلمان)، في إصدار المراسيم الرمزية. مثل تكليف حزب الأغلبية، أو تحالف الأغلبية، بتشكيل الحكومة. ويقوم على التمثيل الوطني الفخري للضمير الدستوري. ورعاية أنشطة المجتمع الفكرية والعلمية والفنية.. فلا ملك بجلالته وحاشيته ولا قائد بجنون عظمته..


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home