Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 4 May, 2006

تحية لسمو الشيخة موزة(*)

فرج أبوالعـشة

رغم تسويق "تحرر" المرأة في صورة مذيعات الفضائيات، وجواري أغاني الفيديو كليب، إلا أن لرواد حركة تحرر المرأة العربية، أمثال الشيخ الجنتلمان رفاعة الطهطاوي والأفندي الأرستقراطي قاسم أمين، والشيخ المستنير محمد عبده، والهانم هدى شعراوي، والليدي مي زيادة، أن يفتخروا بأن نضالهم الاجتماعي الإصلاحي قد أثمر. فبعد قرون من الحجر على حرية المرأة العربية وإدامة تجهيلها، ووأد كينونتها الإنسانية، وتأبيدها في صورة الحرمة - الحريم، نجدها، اليوم، في بداية القرن الواحد والعشرين، قياسا على واقعها، في أواخر القرن التاسع عشر، قد قطعت مسارات متقدمة في سياق تحرير عقلها من أسر العقل الأعوج، وإثبات ذاتها المستقلة، المشاركة - الفاعلة، في بناء مجتمعها. دون أن نغفل أن الطريق لا يزال طويلا نحو استحقاق المرأة العربية حقها في تقرير مصيرها الإنساني بإرادتها الذاتية. لأنه مشروط باستحقاق الدولة العربية الديمقراطية، الجديرة بعصرها، حيث تحرير المرأة من تحرير الإنسان، رجلا وامرأة، من الاستبداد السياسي، والتخلف السوسيوثقافي.

اليوم لم تعد حركة تحرر المرأة العربية، وقفا على جهود رواد ورائدات قلة، كما كان الحال في عصر التنوير والنهضة. لقد تحولت إلى حراك نسوي اجتماعي، نتيجة لارتفاع نسبة الحضور النسائي في العملية التعليمية وسوق العمل. وبالتالي انعكس حضورها هذا في بنية المجتمع العربي المدني، الذي، رغم قصوره عن تمثّل المفهوم الملموس للمجتمع المدني الحديث، أتاح لحركة تحرر المرأة العربية قوة دفع جماعية فاعلة في نضالها من أجل حقوقها في المساواة الاجتماعية والقانونية. ففي عديد المجتمعات العربية، مثل المغرب، الجزائر، تونس، لبنان، سوريا، الكويت، تتسع دوائر الحراك الحقوقي النسوي، عبر الانخراط في مؤسسات ومنظمات وجمعيات وروابط مدنية حقوقية، إضافة إلى الحضور الفكري والإبداعي والإعلامي المتزايد للنساء العربيات:آلاف الباحثات والمفكرات والشاعرات والروائيات والفنانات والمذيعات والصحفيات.

وعلى خلفية هذه المقدمة المختزلة برزت، بشكل إعلامي فاقع، موضة سيدات أولي السلطة، للعب دور "قيادي"، لا يخلو من نزعة الوصاية على قضية المرأة. ولا اعتراض، من حيث المبدأ، إذا ما كان نشاط هؤلاء السيدات الأُول من أجل إحداث تغييرات وإصلاحات اجتماعية فعلية لصالح النساء والمجتمع، وليس مجرد مناشط إعلامية تستعرض فيها السيدات الأُول وحاشياتهن، أحدث الأزياء وابرق المجوهرات، مثلما حدث في مؤتمر "قمة المرأة العربية"، حيث معظم السيدات الأُول هن، في الواقع، زوجات حكام مستبدين، معادين للديمقراطية، طال قمعهم الرجال والنساء، على السواء. وبالتالي فإن معظم "سيدات العرب الأُول" فاقدات للمصداقية. ولا يخرج الأمر عن تقليد ركيك للمفهوم "السيدة الأولى" كما يعرفه الغرب. وكانت جيهان السادات أول من روج لموضة السيدة الأولى في العالم العربي، ومارستها بصورة استعراضية. أما ظاهرة زوجات أولي السلطة في دول الخليج، فإنها تكتسب طبيعة خاصة. فهن، في معظمهن، مؤطرات في صورة حرمه المصون. والسيدة الوحيدة التي خرجت عن الإطار، هي الشيخة موزة، التي ظهرت من قطر بشكل استثنائي كما "الجزيرة". ولكن كما ظهرت الجزيرة بمضمون استثنائي، وليس مجرد فقاعة إعلامية، كذلك كان ظهور الشيخة موزة، مبنيا على تجربة تحول ديمقراطي يتأصل باطراد. وإلى ذلك حضور إنساني لشخصية مثقفة ذكية، تستمد عزيمتها من إيمانها بذاتها وبدورها الاجتماعي في دولتها الصغيرة ـ الكبيرة، بمحيطها العربي امتدادا، وعالم الإسلامي اتصالا، وبفضاء الكون الإنساني انفتاحا.. انظروا إلى سنغافورة الأقل مساحة وسكانا من قطر.

لا شك أن أمير قطر هو الحاكم الخليجي الاستثنائي في التعاطي مع تحديات العولمة. ليس في جانبها الاقتصادي فحسب، وإنما في التعامل مع مفاعيلها الإعلامية والمعلوماتية، ومحاولة تأصيل مكاسبها في دولته الصغيرة، في اتجاه خلق سنغافورة خليجية، والخروج من طور البداوة المنفوطة وميكافيلية شيخ النجع. ولقد اتاحت ليبرالته الجريئة، المجال واسعا أمام الشيخة موزة للعمل على تحقيق مشاريعها، المرتبطة عضويا بالمشروع الحداثي للقطر، الدولة التي كسرت مفهوم الحيز الجغرافي وشروطه الجيوبولتكية الشارطة. بحيث توسعت مساحة شبه الجزيرة الرملية الصغيرة، بفضل الاستخدام الذكي لثرواتها، بمساحة البث الفضائي لقناة الجزيرة، التي يشاهدها أكثر من 50 مليون عربي، وستضاف إليه الجزيرة العالمية. وبمساحة تداول الأسهم الخارقة للحدود، وباتساع فضاء الملتقيات الحوارية الدولية على أرضها، التي أصبحت ملتقى للعلماء العرب القادمين من جنبات العالم، من أجل توطين العلم في عالمهم العربي، انطلاقا من الدوحة. وهنا تكتسب مشاريع الشيخة موزة احترامها من جديتها واستراتيجيتها.

ويبقى القول إن ما قد يبدو مديحا في سيدة قطر الأولى، وهو استحقاق عن جدارة، وتعبير عن تقدير حقيقي لسيدة عربية أولى، بمعنى الكلمة، تقوم على تأسيس مشروع حضاري بصفتها كائنا إنسانيا خلاقا وليس مجرد "فرست ليدي". كذلك هو تقدير خاص لسموها، لأن بها جزءاً من بلدي. فقد عاشت مع عائلتها، في ستينيات القرن الفائت، في رعاية مليك بلادي، جلالة الملك الراحل محمد إدريس السنوسي، عندما كانت ليبيا ليبيا، نموذجا متقدما للديمقراطية والاستقرار والأمن في المنطقة.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في موقع جريدة "الشرق" القطرية، الخميس 4 مايو 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home