Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الثلاثاء 4 مايو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

هل انتفت قيمة إسرائيل الاستراتيجية ؟! (2 من 4)

فرج بوالعَـشّة

عندما نزلت بالأمريكيين قارعة 11 سبتمبر 2001 كان لها وَقع "البشارة (السياسية) السارة" عند بوش الصغير/ واجهة المحافظين الجدد والمسيحيين المتصهينين، ومن ورائهم إسرائيل. فمنذ اليوم التالي للقارعة انخرطت الإدارة البوشية في التحضير لغزو أفغانستان والتخطيط لغزو العراق، في خضم تلاطم مفاهيم خطاب المحافظين الجدد: الحرب على الإرهاب، الحرب العالمية الرابعة، عقيدة الحروب الاستباقية، من ليس معنا ضدنا، الفوضى الخلاقة، القضاء على الفاشية الإسلامية.

وكانت البشارة أكثر من سارة عند بني صهيون الذين أدرجوا حربها الإجرامية على الفلسطينيين ضمن مفهوم "الحرب على الإرهاب"، بمباركة بوش الصغير، الذي اعتبر مجرم الحرب شارون رجل سلام، ورفض النظر في الصلة الضمنية بين تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر والقضية الفلسطينية. من حيث إن القضية الفلسطينية شكّلت دافعا جوهرياً لمرتكبي تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، انتقاماً من أمريكا لانحيازها الأعمى لإسرائيل ودعمها المطلق لها.

وأتذكر أنني في ذروة الأيام الأولى، بُعيد تفجيرات 11 سبتمبر، تناقشت مع صديق فلسطيني، وهو الكاتب المعروف بكر عويضة. كان متشائما إلى حد كبير من مستقبل القضية الفلسطينية بعد 11 سبتمبر 2001. بينما كنتُ أرى عكسه أن تفجيرات 11 سبتمبر، دون أن أكون مؤيداً أو مُبرراً لها، تشكّل انقلابا تاريخيا في السياسة الدولية لصالح القضية الفلسطينية في المدى البعيد. لم يوافقني الرأي. فقد كان يرى أن إسرائيل سوف تستغل الأحداث لتتغول أمضى فأمضى في تذبيح الفلسطينيين. وهو ما كان متوقعاً. لكني بقيتُ وما زلتُ عند رأييّ. فالشعوب لا تتحرر دون دماء، ودماء فائضة للأسف. فقد استشهد من أجل تحرير الجزائر أكثر من 45 ألفا، قُتلوا، خلال عدة أيام فقط، في المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال والمستوطنون الأوروبيون ضد تظاهرات الجزائريين المطالبة بالاستقلال، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. والقصد أن القاعدة نجحت، من حيث تقصد أو لا تقصد، في توريط القوة العسكرية الأمريكية الضخمة في حروب فاشلة على أراضي العالمين العربي والإسلامي، كما في أفغانستان والعراق. وجعلت الصدام مباشراً بين العرب والمسلمين وبين عدوهم الأكبر بدلا من مواجهتها في صورة وكيله الإسرائيلي. الأمر الذي خلق حركة "مقاومة جهادية" واسعة النطاق، كبدت "روما الجديدة" دماءً ومالا. والنتيجة أن بوش الصغير الذي ظل يتبجح لسنوات بأن العراق هو الجبهة الأمامية للحرب على الإرهاب سرعان ما صَغُرَ أمام ضربات المقاومة العراقية الشرسة وتوابيت الجنود الأمريكيين القتلى، فلجأ إلى جنرالات جيشه يطلب منهم تدبير خطة استراتيجية للخروج من الجحيم العراقي. وقد أدرك، في الوقت نفسه، حجم الكراهية العميقة لدى العرب والمسلمين للسياسة الأمريكية المعادية لقضاياهم، وفي القلب منها قضية فلسطين، خدمة للمشروع الصهيوني الاستعماري، بتأثير من اللوبي اليهودي المهيمن على القرار السياسي في واشنطن. وذلك ما بينته، بدقة ونزاهة، دراسة "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية" من تأليف "ستيفن والت" عميد كلية جون أوف كيندي للحكومة بجامعة هارفارد الشهيرة و"جون ميرشيمر" أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو. وقد توصلت الدراسة، التي نشرتها مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس The London Review of Books" بتاريخ 23 مارس 2006، إلى نتائج مثيرة، أحدثت جدالا صاخبا في مراكز البحوث والدراسات الأكاديمية والدوائر السياسية. وقد تعرض المؤلفان بسببها إلى موجة هسترية من الاتهامات العدائية من قبل اللوبي اليهودي ومن ورائه مؤيدو إسرائيل من النخب الأمريكية السياسية والفكرية والأكاديمية.

بنيت الدراسة المطولة، والتي تحولت إلى كتاب فيما بعد، على معطيات وحقائق موثقة بأرقام وإحصاءات وشهادات، غير مشكوك في صدقيتها. وبرهنت، بعد بحث تحليلي علمي رصين، على أن الانحياز الأمريكي التبعي لإسرائيل عرّض ويعرّض مصالح الولايات المتحدة وأمنها للخطر. وأن مرد هذا الانحياز ليس سببه أن إسرائيل تمثل قيمة استراتيجية بالغة الحيوية بالنسبة للولايات المتحدة، إنما سببه نفوذ اللوبي اليهودي الصهيوني، الأقوى تأثيرا بعد لوبي المتقاعدين.

إن النفوذ اليهودي متأصل في بنية الاقتصاد السياسي المؤسس للنظام الأمريكي. وفي منظومة المولتي ميديا الأمريكية، حيث إن معظم المواد المقروءة والمسموعة والمرئية متطبعة بالرواية الصهيونية ومزاعمها السياسية. إنه نفوذ صاحب الحل والربط في صناعة القرار السياسي الأمريكي بما يتصل بقضايا الشرق الأوسط من منظور المصالح الإسرائيلية. ويصل في تلاعبه بالإدارات الأمريكية إلى درجة الاستخفاف برمزها الرئاسي. أو ليس شارون هو القائل إنه لف بوش الصغير حول اصبعه الصغير؟!

إن السطوة اليهودية جعلت من مؤسسة الكونغرس، من طريق المراباة "الشايلوكية"، محفلاً صهيونيا. والشايلوكية، هنا، ترد بمعنى الارتهان الأمريكي السياسي لتأثير اللوبي اليهودي، بالابتزاز الانتخابي والمالي، وحتى التهديد بالفضح الأخلاقي. والقاعدة الدارجة، عند المرشح في انتخابات الكونغرس أو الرئاسة، تشترط فوزه بضرورة تأييده لإسرائيل وخدمة مصالحها بلا تحفظ حتى وأن كان ذلك يضر بمصالح أمريكا القومية. أو لم يقل أحد أعضاء الكونغرس ما معناه أن المصلحة القومية في نظره هي مصلحته في الفوز في الانتخابات والبقاء الكونغرس حتى التقاعد. وطبعاً لا يعدم هؤلاء الموالون، طوعاً أو اضطرارا، التحججات والتذرعات لتبرير موالاتهم لإسرائيل، من مثل التقول بأن أمريكا وإسرائيل تجمعهما مصالح مشتركة لا يجوز الفصل بينها، وأن أواصر ثقافية ودينية تؤاخي بينهما كمؤاخاة العهد القديم والعهد الجديد في كتاب واحد. وهنا نشير إلى أن التراث التوراتي شكّل مصدر الأساطير المؤسسة لفكرة وجود أمريكا البيضاء بحسبانها "أرض الميعاد الجديدة" و"أورشليم الجديدة". وإلى اليوم توجد في الولايات المتحدة خمس عشرة مدينة تحمل اسم "صهيون" وأربع مدن تحمل اسم "أورشليم" وسبع وعشرون مدينة تحمل اسم "سالم". وفي صلب هذه الأساطير التلمودية يبرز الإيمان الخرافي بأن عودة المسيح من جديد رهن بإقامة دولة إسرائيل، في انتظار وقوع " معركة هارمجدون" وتعني " جبل مجدو" بالعبري، التي سيدور رحاها بين الخير والشر في هضبة "مجيدو" الفلسطينية. وتمثل أمريكا، في التفسير المُحدَث للمسيحية الصهيونية، قوى الخير، بينما يمثل المسلمون قوى الشر. وحسب استطلاعات الرأي فإن نحو تسعين مليون أمريكي يؤمنون بهذه الخرافة. وكذلك بعض الرؤساء الأمريكيين، من توماس جيفرسون وجون أدامز، إلى ريغان الذي قال في مقابلة تلفزيونية: "إننا قد نكون الجيل الذي سيشهد معركة هرمجدون". وصولا إلى بوش الذي يؤمن بها إيمان العجائز في قرارة نفسه وأن لم يصرح بذلك مثل ريغان. والقصد أن نفوذ اليهود تعمق في صميم الحياة الأمريكية: ثقافة واقتصادا وسياسة، عبر وجودهم العضوي في العالم الجديد منذ قرابة مائتي عام مضت.

والحال أن السطوة اليهودية ليست تصوراً مؤمراتيا لقوى غامضة. إنها حقيقة ملموسة لقوة نفوذ ضاربة، جعلت من الولايات المتحدة خادمة مطيعة للمشروع الصهيوني. فمنذ ما قبل قيام إسرائيل والحركة الصهيونية تعتمد على تأثير المنظمات اليهودية الأمريكية، مثل المؤتمر اليهودي الأمريكي الذي تأسس العام 1943 من اتحاد 46 منظمة يهودية، تضم مليـــونا ونصف المليون يهودي أمريكي. وعمل بفاعلية مؤثرة في سبيل قيام الدولة الصهيونية، وواصل بعد قيامها تأثيره الفعال في جعل الولايات المتحدة ملتزمة بدعم إسرائيل ماديا وسياسياً " كي تقوى على البقاء" على حد مطالبة بن غوريون صراحة من أعضاء المؤتمر اليهودي الأمريكي غداة قيام الدولة الصهيونية.

وبالعودة إلى دراسة "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية" لستيفن والت وجون ميرشيمر، فإن إسرائيل: "ربما شكلت منفعة إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الباردة بتقديمها خدمات الوكيل عن الولايات المتحدة بعد حرب الأيام الستة في حزيران 1967م. فإسرائيل ساعدت في احتواء تمدد الاتحاد السوفيتي في المنطقة، وسددت ضربة قاسية وهزيمة مخزية لحلفاء الاتحاد السوفييتي في المنطقة مثل مصر وسوريا. كما حافظت إسرائيل على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة مثل أردن الملك حسين". ولكن دون مغالاة في قيمتها هذه. إذ سرعان ما سقطت صورتها العسكرية الخارقة في حرب أكتوبر 1973، حيث:" تسببت (أي إسرائيل) في تفجير حظر النفط الذي أثّر سلباً في اقتصاد العالم الغربي. وعلاوة على ذلك فإن إسرائيل لم تستطع حماية المصالح الأمريكية في المنطقة، ومثال على ذلك فإن الولايات المتحدة لم تعتمد على أو تستفيد من إسرائيل عند قيام الثورة الإيرانية عام 1979م وتهديد أمن الخليج الفارسي ومن ثم تأمين تدفق النفط من تلك المنطقة بأمان. مما دعا الولايات المتحدة الأمريكية إلى تشكيل قوات التدخل السريع الخاصة بها بدلاً من الاعتماد على إسرائيل (و) حتى وإن كانت إسرائيل تمثل منفعة إستراتيجية في المنطقة خلال الحرب الباردة فإن حرب الخليج عام 1990م أثبتت أن إسرائيل أصبحت تمثل عبئا على الولايات المتحدة.

بل وصارت بعد هجمات (سبتمبر) 2001 ، تمثل "تهمة لأمريكا" ومشكلة عويصة لاستراتيجيتها فيما تسميه "الحرب على الإرهاب"، المرتبطة بتواجدها العسكري الحربي الكبير في العراق وأفغانستان وتحالفها مع العديد من الأنظمة العربية المحرجة أمام شعوبها بمشاعرها المعادية لأمريكا..

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 29 ابريل 2010م .


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home