Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الثلاثاء 3 نوفمبر 2009

المشروع الامبريالي واليقظة العربية

فرج بوالعَـشّة

بدأ المشروع الاستعماري الغربي للعالم العربي بالحملة الفرنسية على مصر < 1798 ـ 1801 >، التي زاوجت بين الغزو العسكري والإرسالية الثقافية المُصاحِبة،التي ضمت أكثر من مائة وخمسين عالما وباحثا وخبير من أصحاب التخصصات المختلفة. بل أن أهداف الحملة العسكرية أنحسرت، في النهاية، في مُصاحَبة الحملة الثقافية لأجل تأمين الأمن لها في أداء مهمتها الامبريالية، المتمثلة في إجراء مسح < إثنوجرافي > تضمنه سفر "وصف مصر" في أربعة وعشرين مجلداً، استغرق ترتيب مواضيعه وإعداد مواده للنشر حوالي 20 عاماً. وهي المواد التي صاغها علماء الحملة، وتناولت، بالبحث والدراسة والرسوم التوضيحية،تاريخ مصر وجغرافيتها وآثارها وأحوال أهلها الاجتماعية والثقافية والبيئية.وكانت الغاية من وراء ذلك تملّكها معرفيّا لتسهيل تملكها ماديا < استعماريا >.وبشكل عام ما كانت الامبريالية الاستعمارية لتنجح في تحقيق مآربها لو لم يساندها على ترسيخ استعمارها قسم كبير من السكان الأصليين، شمل شيوخ قبليين وباشاوات وأعيان وإقطاعيين ومجندين ومخبرين وموظفين < أفندية >، تعاونوا جميعهم مع سلطات الاحتلال في إخضاع الأهالي ومحاربة المقاومة، كما في حرب التحرير الجزائرية حيث قاتل حوالي مئتي ألف جزائري إلى جانب الجيش الفرنسي ضد جبهة التحرير الوطنية، وأرتكبوا مجازر رهيبة ضد بني جلدتهم. وعندما أنهزمت فرنسا وخرجت صاغرة من الجزائر، بقواتها العسكرية وقرابة مليون مستوطن، أجلت معها خمسين ألفا فقط من جيش عملائها الجرار، وتركت البقية وراءها، حيث طال الكثير منهم قصاص الموت على أيدي مقاتلي جبهة التحرير، وتغلغل الكثير منهم في دولة الاستقلال..

أما في مصر فقد تم الأمر بما يتناسب مع معطيات ظروفها التاريخية الخاصة. فمصر كانت مركز النهضة العربية، التي بدأت مع مشروع الخديوي محمد علي باشا لتحديث دولته من أجل تمتين حكمه وإدامته لأكثر من أربعين عاما < 1805 ـ 1848 >. كان يريد بالانفتاح على أوروبا الأخذ عنها أسباب القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية، التي تمكّنه من بناء دولة قوية على النسق الأوروبي.لكن ثنائية الاستبداد والفساد أجهضت مشروع التحديث، سيما في عهد الخديوي إسماعيل،الذي أفرط في تقليد الغرب شكليا وإقتراض الديون الأجنبية وإقامة مشاريع استعراضية خدمة لأهوائه وملذاته. فعلى سبيل المثال بنى قرابة ثلاثين قصراً فخما، معظمها لم يسكن فيها، وكثيرا منها وهبها لأنجاله والنافذين في حاشيته. ونتيجة لإفراطه في الإسراف العابث أغرق البلاد في الديون المتوالية، التي أقترضها من بنكوك أوروبا وبيوتاتها المالية بفوائد ربوية مُركَّبة. وهو فتح البلاد للأموال الأجنبية التي اسثمرها أصحابها في تملّك البنوك والشركات والمشاريع التجارية والعقارية الكبيرة والملاهي الليل وملاذات الدعارة. أما بعض الأموال الأجنبية التي أُستثمرت في مشاريع مفيدة للبلاد فقد كانت أرباحها تُحوَّل للخارج. وأفضى وقوع مصر في التبعية الاقتصادية للقوى الأجنبية وقوعها في التبعية السياسية للقوى نفسها، إلى درجة خضوع الخديوي إسماعيل لمطالب الدائنين الأجانب بتوزير أوروبيين في حكومته لمراقبة إيرادات الدولة ومصروفاتها، والإشراف على جباية الضرائب القاسية من الأهالي، وإنشاء محاكم مختلطة < مصرية ـ أوروبية > لإسترداد الديون والرهون العقارية ونزع الملكية من الفلاحين والملاك المصريين. فأشتد بؤس الفاقة وكرباج الاستعباد على الأهالي،وباتت خزينة الدولة فارغة.و أجبر الإنكليز والفرنسيون الخديوي إسماعيل على التنحي عن منصبه وتولية إبنه توفيق العام 1879، الذي باع حصة مصر فى شركة قناة السويس في العام التالي. وبعدها بثلاثة أعوام وقعت مصر تحت الاحتلال الإنكليزي العام 1882،الذي أقام واجهة نظام سياسي محلي تُديره طبقة الخديويين والأعيان والباشاوات،وتسيير إدارته بيروقراطية الأفندية. وعلى هذه الخلفية كانت حركة النهضة العربية تفعل مفاعليها السوسيوثقافية في ظل سيطرة الامبراطورية البريطانية، ومشروعها الليبرالي المتمثل في تحويل نظام الخديويات السياسي إلى نظام ملكي برلماني عميل للمحتل. وكان الوعي الوطني المصري قد باشر نهوضه قبل وقوع الاحتلال الإنكليزي مع هبة عرابي < 1879-1882 > ضد استبداد الخديوي توفيق وفساده وإرتهانه للتدخل الأجنبي. وكانت حركة الإصلاح الإسلامي المناهضة للغرب الاستعماري تتشكل وتتوسع في طابع إسلامي جهادي كما عند الشيخ جمال الدين الإفغاني والشيخ محمد عبده، اللذين ساهما بقوة في قيادة حركة الإصلاح ضد استبداد الخديويين، ثم النضال ضد الاحتلال الإنكليزي. وفيما سوف يغلب على حركة النهضة التحررية مفهوم التحرر الوطني بدلا من مفهوم الجهاد الديني، لا سيما في حرب تحرير الجزائر التي قادتها جبهة التحرير للتخلص التام من الاستعمار الفرنسي ومستوطنيه وعملائه، واستعادة الهوية الوطنية. وهنا نقف مع فرانز فانون < 1925- 1961 > الذي كان طبيباً نفسانيّاً ومثقفاً عضويا، مارتنيكي من أصول أفريقية، أنضم كطبيب إلى جبهة التحرير الجزائرية، وألف كتابه الشهير معذبو الأرض العام 1961، الذي نبه فيه بعمق في إلى حقيقة أنه "ما لم يتم بطريقة ما تحويل الوعي القومي في لحظة انتصاره إلى وعي اجتماعي، فإن المستقبل لن يأتي بالتحرير بل بامتداد للامبريالية." وهو ما لم يتم.إذ تحولت جبهة التحرير الجزائرية، بعد الاستقلال، إلى حزب أوحد وبقائد أوحد في نظام شمولي، أدى استبداده السياسي وتزييفه للوعي الاجتماعي إلى وقوع الجزائر في عشرية دموية رهيبة. وهكذا يبني حزب تحريريّ على أنقاض المشروع الاستعماري المندثر:"بشكل آلي نظاما آخر من الاستغلال، معطياً له هذه المرة وجهاً أسود أو وجهاً عربياً.." على حد تعبير فرانز فانون، المنظِّر الأبرز للعنف الثوري المسلح كضرورة موضوعية وطريقة وحيدة للحصول على الاستقلال. لكنه كان يرى، من منظور وعيه التاريخي التحرري العميق، أن الصراع ينبغي أن يرتقي "إلى مستوى جديد من التنازع، أي إلى تركيبة تتمثل في حرب للتحرير، تتطلب ثقافة ما بعد قومية نظريةً جديدة جدّة كلية"، يضطلع بمهامها الفكرية "المثقف الأصلاني" المتحرر فكريا من سطوة الثقافة الرأسمالية الامبريالية، بحيث يرتقي بالوعي القومي المقاوم للامبريالية،أبعد من مطلب الاستقلال المادي من المستعمر العسكري والمستوطن الأبيض،نحو استحقاق "إنسانية حقيقية"، تنبثق في تصور فانون من النزاع الضدي الثنوي بين الاستعمار والقومية،بفعل حركة التحرير،التي ينبغي أن تتجاوز الوعي القومي الضيق لمفهوم الاستقلال في صيغة التحرر من الاستعمار، إلى وعي سياسي واجتماعي وثقافي، يأصل لفعل التحرر الإنساني، بما هو فعل تحرر الذات من وعيها الزائف بالتاريخ والواقع،ومن تشيئيها وتسليعها وإغترابها عن نتاج عملها، وإنفصام وعيها الذاتي عن الوعي الموضوعي، في مواجهة وعي المستعمِر ـ المستوطن الذي يتمثل وعي الرأسمالي..

إن عنف الأصلاني المستعمَر من أجل تحرره من مستعمِره "قوة مُطهِّرة" لعنف المستعمِر، حيث " إن عنف النظام الاستعماري وعنف الأصلاني المضاد يوازنان أحدهما الآخر ويساجيبان أحدهما للآخر بتجانس متبادل فائق ... إن عمل المستوطن هو أن يجعل أحلام الحرية مستحيلة على الأصلاني. وعمل الأصلاني هو أن يتخيل جميع الطرق الممكنة لتدمير المستوطن. على الصعيد المنطقي، تُنتج ثنوية المستوطن ثنوية لدي الأصلانيين، وعلى نطرية <الشر المطلق في الأصلاني> تقوم بالرد نظرية <الشر المطلق في المستوطن>" . وإن بدات رؤية فانون للتحرير والتحرر طوباوية على ظاهر تصورها، إلا أنها في العمق تشكّل قراءة تاريخية منهجية،عاشها فرانز فانون تجربة حياتية ملموسة، وتمثلها وعيا تاريخيا ثورياً يؤمن بضرورة تحرير الجنس البشري كله من الامبريالية،من حيث هي عملية تحرير تاريخي مستدامة، يشترك فيها على السواء الشعوب المستعمِرة والمستعمِرة < سابقا >. وبالتالي فهو يعارض توقف التحرر القومي عند حدود الاستقلال المادي من التواجد الاستعماري، لأنه يؤدي إلى إعادة نتاج الاستعمار الأجنبي في شكل من الاستعمار المحلي، قائم على الاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما تجلى واضحا في معظم الأنظمة الوطنية التي حكمت بلدانها المستقلة بعد الحقبة الاستعمارية...

فرج بو العَشّة
faragasha@yahoo.com
http://alasha56.maktoobblog.com

________________________________________________

* سبق لي نشر هذا المقال في مدونتي http://alasha56.maktoobblog.com بتاريخ 31 أكتوبر 2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home