Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 3 November, 2006

عـندما يسود العـقل الإسلامي العـقلاني!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

المسألة أن السائد، في المجتمعات العربية، تحديدا، عقل إسلامي نقلي، مكوَّن ومكوِّن، يتواقع داخل خطابه المغلق. وعلى الهامش عقل إسلامي عقلاني نقدي، مدان ومطارد؟!
وقبل مقاربة هذه المسالة، لابد من التساؤل:ما مفهوم العقل الإسلامي النقلي هذا، في جدليتة المغلقة على معادلة:المكوَّن ـ المكوِّن؟!ثم ما مفهوم العقل الإسلامي العقلاني؟! وقبلهما:ما مفهوم العقل الإسلامي ؟!

العقل في القرآن، وردت أفعاله تسع وأربعين مرة، بحسبانه جوهر الإنسان، وعلامة تميزه عن بقية الكائنات. وإذا كان القرآن قد حدد، مسبقا، للعقل الإيماني حقائق مطلقة في معرفة عالم الغيب، وأحكام شرعية قطعية الثبوت، فإن الحيز الأعظم من النص القرآني، تُرك لإعمال العقل الاجتهادي (= العقلاني) إستقراءً واستدلالا واستنباطاَ.

وفي الشريعة الإسلامية يتجلى المنهج العقلاني الإسلامي في تدبر الحياة وتيسير طرائق عيشها، في ضوء القواعد الفقهية العقلانية، التيسيرية، مثل: لا ضرر ولا ضرار. والشرع لا يلزم قبل العلم. والأصل في الأشياء الإباحة. والمحرم يباح عند الضرورة. وإذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن... . إلى غير ذلك من القواعد العقلانية.

وفي الإجمال تتداول تيارات الفلسفة الإسلامية المتقاطعة مفهوم العقل، بما هو عقل إسلامي إيماني في الجوهر، عدا بعض الفلاسفة الهامشيين أو المهمشين، الذين تناولوا مفهوم العقل كطبيعة بشرية.
لقد انبثق العقل الإسلامي مع انبثاق لحظة الوحي، الذي تمثلت مصادره الأصولية الجوهرية في القرآن. ثم أُضيفت إليه أحاديث الرسول وسنته. ثم تراكمت التفسيرات والشروح، وشروح الشروح.

والحال أن المتطلبات العصرية الحديثة، فكريا وعلميا، مصالح ومقاصد، تفرض تحليلا حديثا لمفهوم العقل الإسلامي، في مقبل الألفية الثالثة، يتجاوز طريقة التفسير الميكانيكي العتيقة، إلى منهجية التحليل المعرفي المفتوح على كافة مناهج العلوم الحديثة؛ التي ليس بينها، في اعتقادي، التفاخر برد اكتشافات الحداثة العلمية الغربية لصالح إشارات قرآنية، عجز المسلمون عن استخلاص قوانينها بأنفسهم، مكتفين بإسقاط تفسيراتهم لها على ما يبتكره الآخر ـ الغربي، من نظريات و تقنيات ومنتجات علمية!

يجب أن نعترف ان المسلمين ـ العرب تحديدا ـ عندما خرجوا من كهف الخرافة، في أواخر القرن التاسع عشر، كان أعظم إنجازاتهم ـ عن حق ـ مجمع اللغة العربية، الذي لا يزال يلهث ، بقواميسه ومعاجمه، وراء ترجمة حضارة الغرب إلى لغة العرب الذين توقفت مواصلاتهم، براً، عند الجمل. وبحرا عند السفينة الخشبية الشراعية. وكانت أفضل محاولات اكتشافهم للطيران قد توقفت عند تجارب عباس بن فرناس!

أتحدث عن عقل إسلامي علمي عقلاني توقف منطقه الفلسفي عند ابن رشد، وفلسفته للتاريخ عند ابن خلدون. ومفهومه للدولة عند معاوية!
أتحدث عن عقل إسلامي ـ عربي، عندما رأى إحدى غرائب الغرب، في صورة معدن يطير في الجو ويحمل خلقا، غطس في لسان العرب ليبحث عما قد يدل عليه. فوجدها في طار يطير:طائرة. !
والغريب أن العقل اللغوي العربي، الذي لم يحر طويلا في ترجمة الطائرة، وقع في حيص بيص امام ترجمة "سندويش" إلى العربية. ـ هل لأن السندويش كان ثلاثي الأبعاد؟!! ـ. ومن هو اللغوي العربي البليد الذي اقترح تسميته شاطر ومشطور وبينهما طازج؟!وكم جلسة غبية استهلكها فقهاء اللغة العربية في الاتفاق على ترجمة "سندويش". ؟!

إن العقل الإسلامي، العربي خصوصا، هو بالمحصلة، محصلة عقول تفكر به وله وفيه، وفقا للأصول التي أنتجته والفروع التي أعادت إنتاجه، ضمن شروط غليظة. وهي الشروط التي أقامت حد التكفير على ابن رشد، وقضت بحرق كتبه ونفيه. !

والكارثة أنه بعد حوالي ثمانية قرون لا يزال ابن رشد منفيا، في فكره، من متن العقل الإسلامي النقلي المهيمن، رغم أن فكر ابن رشد، الخارق في عصره لعصره، أصبح، في عصرنا اليوم، إنشاء فلسفيا إبتدائيا بأدوات استدلال عتيقة جدا!

وخلاصة المعنى أن العقل الإسلامي ـ في خصوصيته العربية الرسمية. في التعليم الديني، من مدارس وجامعات، لا يزال نزيل تفسير الإسلام، في عصرنا، بلغة ماضوية، منهجا ورؤية، أنتجتها شروط تاريخية، بمعطيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية خاصة، لم تعد قائمة الآن.

إن العقل الإسلامي، في ألْفية العولمة الثالثة، بمركباتها العلمية والفكرية المعقدة، لم يعد أمامه، إذا أراد أن يكون في صلب أسئلة عصره، وعقلنة مصالحه المرسلة، بالقراءة العلمية المنهجية لمقاصد الشريعة، إلا أن يبني عقلانيته على ما انتهت إليه عقلانية ابن رشد وأبي حيان التوحيدي والفارابي وابن مسكويه، اتصالا بما وصلت إليه عقلانية محمد اركون، وغيره من مفكري العقل الإسلامي العقلاني المعاصر، الذين يجتهدون في سبيل تجاوز العقل الإسلامي التقليدي، نحو عقل إسلامي عقلاني، يستخدم أحدث المناهج العلمية ـ التاريخية، السوسيولوجية، الانثربولوجية، الألسنية... ـ في تحليل التراث الإسلامي والتاريخ الإسلامي. وكذا الواقع الإسلامي القائم، بقضاياه ومشكلاته وإشكالياته!

عندها قد تنبثق الطاقة العقلانية الخّلاقة للعقل الإسلامي الحضاري. طاقة ذلك العقل العلمي العملي التجريبي الإبداعي. عقل ابن هيثم في الرياضيات والفلك والفيزياء. وعقل جابر بن حيان الكيميائي، مؤسس الكيمياء الحديثة. وعقل الجزار الهندسي، مؤسس علم الميكانيكا. وعقل الزهراوي الطبي، مؤسس علم الجراحة الحديثة، ومخترع أدواتها، حيث لا تزال الجراحة الحديثة تستخدم حوالي مائتي أداة من تصميمه. وعقل ابن رشد الفلسفي المنطقي، واضع حجر أساس العقلانية العلمانية للحداثة الغربية. وعقل ابن خلدون السوسيولوجي، مؤسس علم الاجتماع الحديث، وفلسفة التاريخ. وغيرهم من العقول الإسلامية الفذة، التي وضعت مقومات وأسس الحضارة الحديثة:في الرياضيات والجبر والهندسة والعمارة والصيدلية والجغرافيا والبنوك والمستشفيات والتعليم المجاني والضمان الاجتماعي والحدائق والمراحيض والموسيقى والشعر... .

ولكن قد يقول قائل، بعفوية :عندنا اليوم عشرات الألوف أن لم يكن مئات الألوف من العلماء المسلمين، في كل المجالات. أين من كثرتهم وسِعة علومهم أولئك القدامى؟!
وقد يبدو ذلك صحيحا، على وجهه السطحي. أما بالمعنى الحضاري الذي نقصده، فإن وجود مئات ألوف، وحتى ملايين العلماء المسلمين العباقرة لا يعني أنهم نتاج حضارة إسلامية قائمة. فالحضارة منظومة شاملة، فكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا... وينتجها عقل جمعي، وليس عقول فردية، تظل استثناءً معزولا عن سياقه الحضاري الخاص. فمهما كانت عبقرية تلك العقول وكثرتها، تبقى، في المحصلة النهائية، عقولا تفكر وتبدع وتنتج ضمن نظام حضاري غربي. وليس ضمن سياقات نظام حضاري اسلامي عقلاني، له رؤيته الكونية للإنسان والطبيعة والعالم. بما يؤهله لأن يكون شريكا اصيلا في صنع الحضارة العالمية!!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأحد 29 اكتوبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home