Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 3 سبتمبر 2010

صورة الشرق الرومانتيكي

فرج بوالعَـشّة

في القرن التاسع عشر، قرن إزدهار الاستشراق والاستعمار، تلازمت القوة العسكرية في تملّك الشرق بمقدراته وثرواته مع الرؤية الذهنية المتخيلية لإمتلاك الشرق بوجوهه المشرقنة،المختلفة المتقاطعة، في حقول التاريخ والسوسيولوجيا والانثربولوجية والسايكولوجيا وأدب الرحلات والشعر والرواية والرسم والتصوير... ومن تلك الوجوه وجه الشرق المشرقن في النزوع الرومانتيكي للكتاب الأوروبيين " بعد عقلانية عصر التنوير ولياقته وتأدّبه.." بعبارة إم. إتش. أبرامز... نزوع رومانتيكي إلى "براءة" الطبيعة، و"براءة" الإنسان الذي يُنشد لمصيره الخلاص في مستقبل متحرر من المادية والآلية. ولذلك كان الشرق، الماقبل مادي، الماقبل آلي، محط ترحال كثير من الشعراء والكتاب والرسامين الرومانتيكيين، من أمثال : لامارتين، شاتوبريان، نرفال، بايرن، شليغل، فلوبير، بيار لوتي، نوفاليس، دلاكروا...(زار الشرق العربي، خلال النصف الأول من القرن لتاسع عشر، أكثر منمائة وخمسين رساما فرنساً). وهناك كتاب أوروبيون لم يزوروا الشرق، لكنه كان محط خيالهم. منهم على سبيل المثال: غوته، شاعر ألمانيا الأكبر، القائل في إحدى قصائده:" فلتهرب إلى الشرق، حيث رياح الصَّبا، تعيد إليك صِباك الذي تولى". والروائي الألماني كارل ماي صاحب الروايات الشعبية الرائجة عن الشرق الذي استمد معرفته به من نصوص الاستشراق... وبعيداً، كانت الثقافة الهندية ودياناتها تتراءى، في تصورات الاستشراق الأوروبي الرومانتيكي، كمصدر روحي خلاصي لإنقاذ الثقافة الأوروبية من إفراطها في العقلانية المادية والآلية. فتستعيد أوروبا:" نضارتها وشبابها على يد آسيا <حيث أن> الحضارة تنتقل من الشرق إلى الغرب ..<وحيث أن> شكلي الإنسانية سيلتحمان أخيراً معا.." بعبارة فلوبير.... وكانت هذه التخيلات الرومانتيكية مُستهامة بعالم الشرق المشرقن في الغريب المدهش، الغامض، الساحر،النبيل المتوحش، الجنسي الشبق.... وبما هو عالم مرغوب في تملّكه كشئ ثمين مُكتشف، يُخشى عليه من الاندثار أمام تقدم المدنية العقلانية ـ الآلية. مما جعل مبدعيّ الاستشراق الرومانتيكي، سيما الرسامين التشكيليين والمصورين الفوتغرافيين، مهووسين بفكرة حفظ صورة الشرق من الاندثار. وفي ذلك قال المصور الفوتغرافي، الفرنسي أدريان بونفيس:" علينا الإسراع بالتقاط الصور عن هذه المناطق الشرقية.. فالتقدم سوف يهدم هذه المناظر، والمدنيّة التي تغزو كل مناحي الحياة سوف تأخذ من هذه البلاد خصوصيتها".

والحال أن لغة الاستشراق الرومانتيكي تدور في عالم مجازي ـ استعاري، يحلق فوق عالم القوة والهيمنة الأوروبية الاستعمارية على الشرق الواقعي. شرق المستعمرات والشركات التجارية المتعددة والأرساليات التنصيرية وأبحاث واستقصاءات المؤرخين والجغرافيين واللغويين والفلاسفة والانثروبولوجيين المرتبطة بالمؤسسة الاستشراقية الوظيفية... وبغض النظر عن الانجازات الاستشراقية الكثيرة في حقول البحث العلمي المتزن، فإن تلازم الاستشراق بالمشروع الكولونيالي ظل وثيق الصلة العلائقية التبادلية. أما الاستشراق الرومانتيكي فإنه كان يعبر، عند معظم ممثليه، عن ذهنية برجوازية مأزومة بتناقضات المجتمع البرجوازي بعد فشل الثورة الفرنسية في تحقيق المبادئ والقيم الاخلاقية ـ الإنسانية التي نادى بها مفكرو عصر الأنوار، واضطراب الأحوال الاجتماعية مع ظهور الطبقة البروليتارية، والحروب الطاحنة بين القوميات الأوروبية، والصراع بينها على مناطق النفوذ الاستعماري في العالم القديم: آسيا وأفريقيا، والعالم الجديد: الأمريكتين... وهكذا ظهر الشرق للرومانتيكيين الأوروبيين موضعاً ملائما لنزوعهم البرجوازي التخيلي المتعالي على واقع الشرق وحقيقته التاريخية. الحقيقة التي قاربها الكاتب والروائي الإنكليزي جورج أورول، عندما كتب:" حين تسير عبر بلدة كهذه (بلدة شرقية)، حين ترى كيف يعيش الناس، وأكثر من ذلك بأية سهولة يموتون، فإنك من الصعب أن تصدق بأنك تسير بين كائنات بشرية. وجميع الإمبراطوريات الاستعمارية في الواقع تؤسس على هذه الحقيقة.. أن للبشر وجوهاً سمراء.. هل هم حقاً من اللحم نفسه الذي هو أنت! هل لهم حتى أسماء!. أم أنهم مجرد مادة سمراء لا متمايزة.. إنهم ينبعون من الأرض، ثم يغوصون عائدين إلى أكوام المقابر، التي لا أسماء لها دون أن يلحظ أحد أنهم ذهبوا.. حتى القبور نفسها سرعان ما تنحل رجوعاً إلى التراب"....

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "الشرق" القطرية ، 26 أغسطس 2010م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home