Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 3 August, 2007

الرهـان عـلى مسلم المستـقبل!!(*)

فرج بوالعَـشّة

قال الإمام محمد عبده، شيخ الإصلاح الديني النهضوي، في بداية القرن العشرين، بعد عودته من فرنسا، إنه وجد، في الغرب، الإسلام، ولم يجد مسلمين. ووجد في الشرق مسلمين ولم يجد الإسلام!
واليوم في بداية القرن الواحد والعشرين، بعد قرن على قولة إمام النهضة، لا يزال استغرابه دارجا!
إن شيخ التنوير الإسلامي لم يقصد بقوله أنه: وجد، في الغرب، الإسلام، ولم يجد مسلمين، مجرد مخاطبة مشاعر المسلمين، وتحسيسهم بالتحسر والتأسف على ما آل إليه حال الإسلام وحالهم، في العصر الحديث، إنما قصد استفزاز عقولهم «المُعقَّلة والمُعقِّلة». وكشف اغترابهم الحضاري المزدوج، أو قل المركب، عن حقيقة الإسلام، من جهة أنهم مسلمون بدون قيم الإسلام الحضاري. ومن جهة أن قيم المعاملة الإسلامية حاضرة في حياة الغربيين، رغم أنهم من غير المسلمين!

أراد شيخ التنوير الإسلامي، من وراء كشف هذا التناقض المقولاتي، إحداث صدمة معرفية «ابستمولوجية» في تفكير المسلمين العام، المبني على تصورات وتقاليد ومآلف، متخلفة، قرونا، عن اللّحاق بركب الحضارة، وهو ما يمكن أن يرمز له بتخلّف الجمل عن الطائرة، وهو، بالتالي، أراد إيقاظ وعيهم التاريخي الغائب لمواجهة أسئلة الحضارة الحديثة، التي غابوا عن الوعي بها قرونا تنطح قروناً. حتى باتوا غير ذي صلة بالشراكة في صنعها، لأنهم غيّبوا، بقدر كبير، الممارسة الأخلاقية للإسلام بما هو دين المعاملة الحسنة، أليس: «الدين المعاملة»، وهذا ما لمسه الإمام محمد عبده عند أهل الغرب، آنذاك، في علاقاتهم الاجتماعية، من حيث: احترام بعضهم البعض، والتسامح مع الآخرـ غير، المختلف فكريا وعقائديا. ولمس عندهم الصدق والأمانة والاستقامة في التعامل بين بعضهم البعض ـ أليس: «من غش ليس منّا». ولمس عندهم البر والإحسان بالبشر والحيوان، إذ: «كتب الله الإحسان على كل شيء». ولمس عندهم احترام الوقت والدقة في المواعيد. وتقديس العمل ـ أليس: «العمل عبادة»، وإتقانه ملزم، إذ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.. »، ونبذ الاتكال على «لو» التي تفتح عمل الشيطان. وطلب العلم من كل السُبل ـ أليس المسلمون «أمة اقرأ» حيث: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وهكذا.

بهذا المعنى فإن معادلة شيخنا الجليل بشأن عثوره على الإسلام في الغرب دون وجود مسلمين، وعثوره على المسلمين في شرقه دون وجود الإسلام، تشكل معالجة، ثاقبة البعد، لمعنى الإسلام الحضاري، من منظور رؤية النص القرآني..!

وبغض النظر عن تفسيرات العوام العابرين، في البساطة أو التطرف، فإن الرؤية الروحية ـ الحضارية لمعني إقامة المسلم الدائمة في المستقبل، تبدأ من حيث هو صاحب فتوحات الصفر واللوغريتمات في مجاهل العقل الرياضي، وصاحب فتوحات الروح التي تصل في تجلياتها الصوفية النقية إلى منطق الطير، كما تجلى في شعر جلال الدين الرومي.

والشاهد أن المسلم، بما هو ذكر وأنثى، قادر، إذا ما أنشحن بطاقة الإسلام، في قوته الروحية، البريئة من تفسيرات البشر الإيديولوجية، على إحياء الحيوية الإسلامية الحضارية، الضرورية للتعاطي المبدع مع التحولات التاريخية ـ الحضارية. فالمسلم، في علاقته بربه، إمام نفسه. عقده الروحي معقود على شهادته بينه وبين نفسه. فإذا صلى يصلي لنفسه. وإذا صام يصوم لنفسه. وإذا زكى يزكي لنفسه. وإذا حج يحج لنفسه، إن استطاع إلى ذلك سبيلا!

واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، على ورطة وجودي في فصل أستاذ التربية الدينية، الفاشي البغيض، بعصاه الرقيقة القاسية، المقصوفة من شجرة زيتون، يتأكد لي أن الإسلام، الذي انتشر، بالمعاملة الحسنة، في أعماق أفريقيا وآسيا، بواسطة الدعاة؛ التجار المتجولين بحميرهم وبغالهم، والصوفيين البسطاء، يواجه اليوم، في بداية العام السابع من القرن العشرين في الألفية الثانية، وتحديدا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، تحديا حضاريا تاريخيا مفصليا حاسما، على يد مسلميه، فإما أن ينفتحوا على المستقبل بالنزوع إلى أصول الإسلام العقلاني الإنسنيّ، أو ينغلقون على عاداتهم وتقاليدهم ومآلفهم البالية.

لكن، رغم أحداث11 سبتمبر، أو ما قد يحدث أفظع منها، ويحمّل للإسلام، بسبب قيام مسلمين به، فإن الإسلام، يظل دين حتى لمن لا دين له، على حد تعبير الشاعر الألماني الأكبر يوهان غوته. فبالإسلام تتوافر على صلاة الروح والجسد معا في حضرة الخالق الأعظم. وبالإسلام يحتقر المؤمن أشكال امتهان النفس الإنسانية، من ربا وقمار وزنى ... وبالإسلام يمقت المؤمن الكذب والغش والتحايل، سواء في الوزن بالقسطاس، أو في سوس الناس.

وليس من الإسلام في شيء وجود«غستابو» ديني يجبر الناس على أداء فرائضهم بالقوة، أو وجود «إكليروس»معصوم يُحرِّم ويُحلّل ويُكفِّر، على هواه وهوى أولي السلطة والجاه.. فالقرآن الذي يقر بأنه لا إكراه في الدين، محمول على واحدة من أبلغ بيانات الوحي: لكم دينكم ولي ديني... وهو القرآن، الذي بثه سيد العرب، محمد بن عبد الله، نابذا حدود العشيرة والقبيلة والأمة العرقية، مقبلا بوحيه الإنساني على العالمين كافة: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. »

أن تكون مسلما حضاريا، تكون مقيما في المستقبل دائما. إن مسلم المستقبل، كما اهجس به، هو المسلم في أصوله الأولى الصحيحة، الذي: شهادته، وصلاته، وصيامه، وزكاته، لنفسه، وبينه وبين ربه، غايتها رضا نفسه عن نفسه، وليس تسجيل نقاط للدخول في الجنة.

وهو الذي ينظر إلى الآخر ـ الغير، كونه مختلفا، وليس عدوا، ما لم يعتد عليه. وقد خُلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف! وهو الرجل الذي يرى في امرأته شقيقة روحه. أليس النساء شقائق الرجال. نبيّهم خدم في تجارة زوجه خديجة، سيدة نساء قريش. وعندما تلقى وحيه، في غار حراء، هبط، مسرعا، لائذا بزوجه السيدة خديجة. فتدثره وتزمله، مستمدا منها القوة والثبات.

وهو مسلم العقلانية الفلسفية، والعلمية التجريبية، والعملية الحياتية، التي تعقلن الإيمان والتفكير والتاريخ والواقع والممارسة، بما يحقق التطابق الواعي الفعّال بين الوسائل والأغراض والغايات والنتائج المطلوبة، سواء كانت في المجال العلمي أو الاقتصادي أو السياسي أوالسوسيوثقافي...!

إنه المسلم طالب العلم «ولو في الصين»، بما كان يعني طلب العلم من أبعد أمكنة الأرض. كما طلبه الأسلاف، من أبعد مجاهل العقل، في اكتشاف الصفر. ومعادلات الكيمياء. واللوغريتمات. ودورة الدم... وطالب المعرفة في ذاته، وعند الآخر، كما فعل الأسلاف في تناصهم الفكري الاجتهادي، مع الحضارات الأخرى: اليونان والهند والصين...!

وهو مسلم الإسلام في نزعته الإنسانية الشاملة، المتحررة من المحددات الجغرافية والدينية والعرقية والجنسية واللونية. الإسلام الذي فهمه شاعر الثقافة الجرمانية العظيم، يوهان غوته، القائل: «إذا كان الإسلام معناه التسليم لله، فعلى الإسلام نحيا ونموت جميعاً. »... بمعنى انه دين إنساني: «يحترم الإنسان بحد ذاته ولذاته ويعتبره مركز الكون ومحور القيم. ويقدس الحياة الإنسانية، حيث من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا..... ويقدس حرية الإنسان: »فمتى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحرارا. «.... ويسعى إلى العدالة والسعادة، حيث لا سعادة عامة، أو اجتماعية إن شئت، للناس، خارج شروط المساواة بينهم ـ أليس الناس سواسية كأسنان المشط؛ حتى لو كان ذلك إفراطا في المثالية أو ضربا من الحلم، ألا يستحق الحلم المحاولة؟! أليس نبي الإسلام هو القائل: »لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها... » وما الذي يجعل عهد الخليفة عمر رشيدا لو لم يكن راشدا إلى مغزى العدالة الاجتماعية، وليس منفذا حرفيا للنص العقابي، منزوعا عن شروطه الواقعية الشارطة في إحقاق المساواة بين الناس حتى تستقيم إقامة الحدود، حيث أبطل الخليفة عمر، بكل راحة ضمير، عمل الحدود، عندما لم تتوافر شروط العدالة الاجتماعية.. إن مسلم المستقبل، هو محب الجمال؛ لأن الله جميل ويحب الجمال. وتفسير ذلك، حتى عند السلفيين المتزمتين، يعني محبة الجمال بطريق العموم من كل شيء. وأساسها محبة النفس الطيبة لذاتها، لذات الآخر بالضرورة. الطيبة التي تتصل بطيبة الله، كونه طيب لا يقبل إلا طيبا. والجمال لا يكتمل إلا بتطابق تنعم النفس بظاهره الخارجي مع امتنانها الباطني على تنعمها به. ومكامن الجمال متعددة. في الأفعال والأقوال. في الطبيعة والمعرفة والسلوك. في الهيئات والحركات. في الأخلاق والفن والآداب....

من هنا يمكن أن نقرأ، تلك، المقولة التي تعتبر ان الإسلام صالح لكل زمان ومكان؛ دون أن نقع في التسطيح والاستسهال.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 2 أغسطس 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home