Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 3 August, 2006

خطاب مفتوح إلى الرئيس بشار الأسد(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

سيادة الرئيس الشاب بشار الأسد

لقد استمعت إلى العديد من خطبك، وبالذات في مؤتمرات ما يُسمى بـ«القمة العربية». وكنتَ، ولا شك، نجمها، اللامع، كلما تحدثت. بحيويتك الشابة، وموقفك القومي الصلب، وتحليك الاستراتيجي الذكي لطبيعة التحديات المفروضة على الأمة، وكيفية مواجهتها.

كنتَ في تلك المؤتمرات شغوفا بفلسفة التحديات التي تواجه الأمة: «لأن التحديات هي التي تحدد ما هي الحلول. . » على حد تعبيرك. وكان معظم زملائك العِتاق، من الطغاة المؤبدين، ينصتون إليك بامتعاض، متحدثين في أنفسهم: إلى متى يستمر هذا "الزميل الغر" في إزعاجنا بالحديث عن:" مآس تكبر وتصغر وتستمر ومخطط بياني، الذُرا فيه تدل على ذروة استهداف العرب والحضيض فيه يدل على الحضيض في الأداء وفي الواقع العربي. . . "

لكن أثر كلامك الجريء سرعان ما يتبخر كما تتبخر الأقوال الخالية من الأفعال. فأنت في نهاية المطاف تحكم دمشق، بطريقة التي كان يحكمها أبوك، رغم الإصلاحات والانفراجات المهمة التي أحدثتها. فالإشكالية الجوهرية لا تزال قائمة على أسئلتها:ألم يكن توريثك ضروريا لحماية الطائفة الحاكمة وليس سوريا الوطن؟! وألم تتحول مهمة حزب البعث التاريخية من بعث النهضة والقوة في الأمة إلى بعث الطائفة والعائلة في حكم الدولة؟!

لقد تفاءلتُ، مع المتفائلين، أن ربيع دمشق سيتفتح في عهدك. فيزول الخوف من نفوس الشعب السوري المقموع منذ عقود طويلة. لكنك، يا للخسارة، سرعان ما تراجعت. إذ استسلمت لمنطق الحرس القديم في التشذيب والتقليم والجز!!!!

لم تكن حركة ربيع دمشق تستهدف سلطتك، بل كانت على استعداد تام للالتفاف حولك ومساندتك في مسيرة الإصلاح والتغيير، نحو دولة الحق والديمقراطية، حيث يُقيم الوطن في المواطنة. وليأتي يوم كما قلت، في تصريح لوفد إعلامي أمريكي، تتخلى فيه عن منصبك عبر صندوق الاقتراع.

تدرك سيادة الرئيس الشاب أن التاريخ قد يحتمل تزويرات كبرى إذا كانت النتيجة صائبة. أعني كان واضحا لكل سوري ـ يا سيادة الرئيس الشاب ـ ولك قبل أي أحد آخر، كيف أن البرلمان، الذي هو ليس سوى مسرح عرائس، خيوطها بيد محركها من وراء الكواليس، قام بتعديل الدستور، في جلسة خاطفة، كي تتناسب مع عمرك. ومع ذلك محضك غالبية السوريين، الشباب بالدرجة الأولى، تأييدهم لبرنامجك الوطني، متجاوزين سالفة التعديل، على أساس أن العبرة بالنتائج. فماذا كانت النتائج؟!

مفهوم أنك لم تكن مرشحاً لهذه المهمة. فقد كان أخوك باسل الوريث المفضل للوالد. لكن القدر عبث بالإطارات. فوجدت نفسك، أردت أو لم ترد، الوريث الضروري للمرحلة!

أنت تدرك سيادة الرئيس الشاب أن الذين كانوا حريصين على امتداد حكم أبيك فيك هم عبدة الفساد. فلا دين لهم إلا الليرة.

لا شك أنك اجتهدت في التعويض، عن شرعيتك المخروقة، بإحداث انفراجات اقتصادية ملموسة، وتنفيسات سياسية طفيفة، وجدت تعبيرها في توسيع، محسوب ومراقب، لهامش حرية الرأي والانتقاد للفساد ومساوي الاستبداد، شرط توقفه عند مستوى الحكومة دون تجاوزها إلى حيز النظام العُلوي (من العلو!!)، حيث الرئيس والجيش والحزب!

سيادة الرئيس الشاب، لا شك في وطنيتك وقوميتك. فالمشكلة ليست فيك. المشكلة انك لم ترث حكم أبيك وإنما السلطة التي حكم بها ومن خلالها. فالسلطة ليست تجريدا لغويا. فكما تعرف إذا ترك الأسد الفريسة، تسيطر بنات آوى والضباع والغربان على الرمم.

ورغم الدستور المخروق فقد قابلك غالبية الشعب السوري، لا سيما الجيل الشبيبي، بمساحة واسعة من التفاؤل، ارتباطا بالإجراءات الانفتاحية البائنة التي اتخذتها وظهرت مفاعليها في الحراك الاقتصادي، وارتفاع منسوب حرية الرأي والتعبير، ودلالة ذلك ـ عندي ـ سلسلة "نقطة ضوء" التي ما كانت لترى النور في عهد الأب.

لكن كل مظاهر الانفتاح والإصلاح تنحرف عن مقاصدها، عندما تحرص ـ سيادة الرئيس الشاب ـ على الاحتفاظ بحزب البعث الشمولي، بخطابه المحنط ولغته الخشبية، متسلطا على الحياة السياسية.

ولأنك راهنت على منطق الحرس القديم، في الحزب والجيش، انفجرت وراء ظهرك لبنان. ولم يكن انفجار موكب رفيق الحريري إلا القشة التي قصمت ظهر الوجود السوري في لبنان. كان عليك سحب جيشك منذ لحظة وصولك إلى السلطة، دون أن تفقد سوريا مكانتها في لبنان، بل كانت لتزداد قوة. وما كانت أفاعي الإقطاع السياسي الطائفي الحقود لتخرج من جحورها. وتنفث سمومها، متظللة بالقرار 1559، مراهنة على أن 99 في المئة من الأوراق بيد أمريكا وتابعها فرنسا.

لقد حاول ما يسمى مرة بجماعة 8 فبراير، وأخرى 14 مارس، بكل قوة، أن يجعلوا من خروج القوات السورية مشهدا مذلا. يُتيح لهم ممارسة العهر السياسي الفاحش، في كيل أقذع الشتائم لسوريا. لكنهم فشلوا. فهم لم يكونوا سوى أكثرية وهمية. فالأكثرية الحقيقية كانت وظلت في صف المقاومة، التي تقوت بموقف الجنرال عون، الذي انحاز لفكرة الوطن، نابذا تحالف الإقطاع السياسي الطائفي، ومؤيدا، بشكل واضح، موقف حزب الله في مواجهته المفتوحة للعدوان الصهيو ـ أمريكي.

سيادة الرئيس الشاب، حزب الله اليوم هو حزب الأمة. ونصر الله هو قائد الأمة. وإسرائيل مرشحة أن تُهزم مرتين على يده. وسر قوة حزب الله الوجودية كامن في بحره الشعبي، الممتزج بقيادته الشعبية النزيهة امتزاج الماء بالملح.

ولأنك يا سيادة الرئيس الشاب، تعرف جيدا، أكثر من أي أحد آخر، أن سوريا قد تكون الهدف التالي للعدوان الصهيو ـ أمريكي، فليس أمامك، إذا أردت العزة لسوريا والعرب، إلا أن تحول ـ فوراً !! ـ إلى نصر الله آخر. بأن يتبنى جيشك النظامي العقيدة الجهادية لحزب الله. أي أن يكون جيش الشعب، بالمعنى الحقيقي للمفهوم، وليس بالمعنى الشعاراتي الأجوف، المُلاك في إعلام أنظمة القائد الأوحد والحزب الأوحد والرأي الأوحد!

ولكي تكون نصر الله آخر، ما عليك إلا أن تذوب في شعبك ذوبان حبة الملح في البحر. ليس بالشعارات الديمقراطية. الديمقراطية كما يريدها الشعب لنفسه وليس كما تريدها له. وعند ذاك ستدرك إسرائيل ومعها أمريكا أنهما يواجهان شعبا حرا وليس نظاما معزولا يمكن الضغط عليه أو تحطيمه... فهلا فعلت؟!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 3 أغسطس 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home