Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 3 يونيو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (19)

ماذا بعد إعدام سِيدي عمر؟! *

فرج بوالعَـشّة

سقط جسد شيخ المجاهدين متدليا في الفراغ مفارقا الحياة، الحياة التي عاشها كما يريد لنفسه أن تستحقها وأراد لها أن تستحقه. الحياة بمفهومها الفلسفي السلس في ثقافة البدوي الحر، سليل بني هلال وبني سليم، الذي يرفض الضيم والحيف. لذلك حارب الأتراك، وهم أخوته في الدين، لجورهم واستبدادهم. وهو سليل ثقافة المسلم البسيط، التي من فروضها الواجبة مجاهدة المعتدين:" فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.".. ثم هو الرمز الوطني الجامع الذي صاره منذ قيادته للحركة الجهادية في برقة، وعمله على توحيد صفوف المقاومة في برقة وطرابلس وفزان. فمنذ البداية قام بوضع مضبطة (وثيقة جهادية وطنية) وطلب التوقيع عليها من كبار مشايخ القبائل وأعيان المدن ووجهائها في أقاليم ليبيا لتكون مرجعية وطنية لوحدة المقاومة ضد المستعمر الإيطالي. ثم أنه، بالمعني الإنساني المشترك، أحد أبرز قادة المقاومة الشعبية العالمية ضد الاستعمار الغربي ومشروعه الامبريالي الكوني في القرن العشرين. فقد أوقف معظم حياته على محاربة الغزاة الأوروبيين. فحارب الفرنسيين في تشاد والسودان وأطراف نجيريا، قبل أن يغزو الطليان بلاده. حيث عاد على وجه السرعة ليحاربهم، صوناً لما يؤمن به: الدين والوطن، أو الوطن والدين. لا فرق في الترتيب لديه. وهو بلا جدال مؤسس استراتيجية حرب العصابات بمفهومها الحديث، من حيث هي حركة منظمة تقود حربا استنزافية طويلة المدي ومتصلة عضويا بشعبها. إذ عندما تبين له عدم جدوى اسلوب المجاهدين في محاربة جيوش المستعمر المتفوقة من طريق الهجوم على شكل حشود، شكّل حركة مقاومة جهادية، مبنية على تكتيك الكر والفر. أي الكر على العدو في نقاط ضعفه، لاستنزاف قدراته، والفر من المجابهة المباشرة لقوته العسكرية المتفوقة. والهدف: حمل المستعمر، على المدى الطويل، على اليأس من جدوى الاستمرار في مشروعه الاستعماري. وبهذا المعنى كان سِيدي عمر كما قال عنه عدوه غراتسياني:" بطلا في إفساد الخطط وسرعة التنقل، بحيث لا يمكن تحديد مواقعه لتسديد الضربات له ولجنوده." وهو ورجاله ما كانوا ليكونوا على ما كانوا عليه، من مقاومة أسطورية حيّة، إلا بقوة الدافعية الإيمانية لفرض الجهاد. وهو ما اعترف به اتيلو تروتسي، والي برقة ما بين 1926 و 1929 ، إذ قال:" قد قيل، أو طاف بالفكر أن العمل العسكري بالمقارنة إلى الفاعلية الضئيلة للثوار كان أغلى نفقات مما كان ينبغي وهذه الملاحظة كما هو واضح هي ثمرة الجهل بمعنى الحرب في مستعمرة وبصفة خاصة ضد المسلمين الذين يضيف إليهم الدين مقاومة أخلاقية معنوية لا تقل بحال عن المقاومة البدنية المتمرسة بكل قوة الحياة البدوية في بلدان محرومة من كافة المصادر." ـ 1 ـ

وكل ذلك متصل بشخصية سِيدي عمر كفرد متميز واستثنائي. لا تناقض لديه بين الظاهر والباطن. أي بين ما يؤمن به ويعمل لأجله. لقد كان قائدا فذا وإنساناً بسيطا، متواضعاً، زاهدا في مغريات الدنيا من جاه وسلطة. كان يعيش كما يعيش رجاله من المجاهدين. يأكل مثلهم. منامه مثل منامهم. لابسه مثل لابسهم. يشارك بنفسه في المعارك التي يقودها. وكذا يغني مثلهم "غناوي العلم".

ولم يكن من غير دلالة مائزة على مكانته العالمية ان تنشر صحيفة التايمز البريطانية الشهيرة مقالاً في عدد اليوم التالي على إعدامه، تحت عنوان "نصر إيطالي"، جاء فيه أن الإيطاليين قد حققوا:" انتصاراً خطيراً ونجاحاً حاسماً في حملتهم على المتمردين السنوسيين في برقة ، فقد أسروا وأعدموا الرجل الرهيب عمر المختار شيخ القبيلة العنيف الضاري..." ثم تقول: " والمختار، الذي لم يقبل أي منحة مالية من إيطاليا وأنفق كل ما عنده في سبيل الجهاد وعاش على ما كان يقدمه له أتباعه واعتبر الاتفاقيات مع الكفار مجرد قصاصات ورق، كان محل إعجاب لحماسته وإخلاصه الديني، كما كان مرموقاً لشجاعته وإقدامه". وكذلك كان رجاله مرموقين لشجاعتهم وإقدامهم في مجاهدة المحتلين الفاشيست حتى بعد استشهاد قائدهم الأسطوري. وهو ما تبينها المراسلات، التي، حسب غراتسياني:" وقعت في أيدي الإيطاليين بعد مقتل المراسل الذي كان يحملها إلى المجاهدين في مصر. وكانت تعني تصميم العصاة (يعني الثوار) على الاستمرار في القتال مهما تكن الظروف حتى يتم النصر أو الفناء. وقد جاءت الأنباء أنه بعد سقوط عمر المختار في الأسر تجمع العصاة (أي الثوار) بين يوم وليلة وأجمعوا على تنصيب السيد (يوسف بورحيل) قائداً لحركة الجهاد الإسلامي ووكيلاً للقيادة العليا للثوار."ـ 2ـ

لقد أستغل غراتسياني إعدام سِيدي عمر لتييس المجاهدين وقادتهم من استمرارهم في المقاومة بعد إعدام زعيمهم. فأصدر بيانا قذفته الطائرات في حمولة عشرات ألوف المنشورات على مناطق الجبل الأخضر، حيث يتواجد من تبقى من المجاهدين، و" أكثر منها وزعت من الدوريات الكشافة على كل بئر وفي كل حقل ومرعى، وكل هذه الاماكن التي يمر بها العصاة (يعني المجاهدون)." ـ3ـ ومما جاء في تلك المنشورات:" إن الرئيس العظيم رئيس الثوار عمر المختار يحارب منذ عشرين سنة كان يقودكم فيها الى الخراب والدمار والتأخر والانحطاط قبضت عليه قواتنا المظفرة قوات ايطاليا الفاشيستية وقد حكمت عليه المحكمة الخاصة بالاعدام وهذا انتقام من الله من اجل المساكين الذين بسببه تركوا اراضيهم ومسقط رأسهم. فيا أهل الدور إن الحكومة الايطالية الفاشيستية القوية والسخية تحذركم مرة اخرى إنه بعد وفاة واختفاء عمر المختار أنها مستعدة بأن تعفو عن كل الذين يخضعون لحكمنا ويسلمون أسلحتهم ومن غير هذا فالحكومة كما قضت على عمر المختار ستقضي على كل الذين يواصلون العصيان أما عاجلاً أو آجلاً. اسمعوا كلامي وسلموا أنفسكم..." ـ4ـ

وفي الوقت نفسه أصدر المارشال بادوليو توجيهاته بمطاردة :" العصاة ـ يقصد المجاهدين ـ أينما وجدوا واقتفاء أثرهم وضربهم بكل شدة دون هوادة أو رحمة إلى آخر واحد منهم وليكن شعارنا لا توقف ولا ارتخاء واصلوا الوحف بكل حماس متجدد ولسوف نقضي على العصاة (يعني المجاهدين) نهائياً." ـ 5 ـ

وكان قادة المجاهدين، الذين فقدوا معظم قوتهم ونال منهم الجوع في مقتل، قد اجتمعوا، بعد استشهاد سِيدي عمر، لاختيار خليفة له، فاتفقوا على اختيار القائد الشيخ يوسف بورحيل المسماري.

قاد الشيخ يوسف بو رحيل حركة الجهاد على خطى قائده الشهيد، وفي ظروف شديدة القسوة. حيث الأهالي سجناء معتقلات الفاشيست الجماعية وإمدادات الغذاء والذخيرة منقطعة والجوع والأمراض أكثر فتكاً بهم من قوات الغزاة. ومع ذلك رفض من تبقى من المجاهدين فكرة الاستسلام، واستمروا بقيادة الشيخ بو رحيل في القتال المتواصل طوال أربعة أشهر، كانت خسائرهم خلالها تزداد فداحة في مواجهة قوات العدو الهائلة عدة وعتادا، وهم يعدون بالعشرات في وضعية معيشية وتسلحية بائسة، بلا ذخيرة وبلا طعام، وتنهكهم أمراض الجوع. فعقد الشيخ القائد بورحيل، ومعه من تبقى من كبار القادة، اجتماعا بالمجاهدين. إذ ما عاد من جدوى من الاستمرار في إلقاء أنفسهم إلى التهلكة المجانية. ويقال في الأخبار عنه أنه خيّر المجاهدين بين اقتحام الأسلاك الشائكة والعبور إلى مصر للانضمام إلى المهاجرين حيث يمكن إعداد قوة جهادية والعودة إلى مقاتلة العدو في ظروف أفضل، أو الاستسلام للطليان والاستفادة من العفو المعلن. فأختار البعض تسليم نفسه وسلاحه للطليان والدخول في طاعة الحكومة الاستعمارية، كي لا يترك أهله خلفه. أما المجاهدون الآخرون وقادتهم فقد خططوا لإختراق الأسلاك الشائكة. فقسموا أنفسهم إلى أربعة مجموعات: مقدمة وميمنة وميسرة ومؤخرة. هاجمت قوة المقدمة الحراس الإيطاليين وقضت عليهم، فتقدم حملة الأمقاص لفتح ثغرة في الأسلاك الشائكة الكثيفة. وتسلل أولاً كبار السن والجرحى والمرضى كما أُتفق. وعبرت مجموعة ثانية يقودها المجاهد عبد الحميد العبار، وثالثة يقودها المجاهد آدم إبراهيم المنصورى. أما المجموعة التي يقودها القائد الشيخ بورحيل ومعه ثلاثة من رفاقه فقد كشفتهم دورية إيطالية آلية. فأنسحبوا إلى الداخل في اتجاه منطقة طبرق الواقعة على مبعدة 120 كيلومتر من الحدود. لكن القوة الإيطالية حاصرتهم بالقرب من "زاوية أم الركبة". وكان ذلك في يوم 19 ديسمبر 193. فتخلوا عن خيولهم ولجئوا إلى إحدى الكهوف الجبلية كي يوِّمنوا لأنفسهم موقعا أكثر تحصناً للقتال لأطول وقت ممكن. فهم كانوا مدركين ولا شك أنهم مستشهدون لا محالة. فأصبح هدفهم إطالة المناوشة لإطالة الوقت أمام رفاقهم لاجتياز الحدود.

وحسب البيان الإيطالي، الصادر في أول فبراير من عام 1932م، فإنه بعد توقف:" إطلاق النار مع مجموعة من الثوار حاولت اقتحام الحدود المصرية تقدم نحوهم الملازم برنديسي فوجد أربع جثث لم تزل بنادقهم حامية في قبضة أيديهم وكان احدهم يوسف بورحيل وقد اظهر مع رفاقه الثلاثة بسالة حتى أخر دقيقة في حياته." ـ 6 ـ

وعندما أبلغ الضابط الذي قاد الهجوم قيادته في مدينة بنغازي بأمر الواقعة وقال أنه يعتقد أن بين القتلي "قائد العصاة" يوسف بورحيل، طُلب منه أن يتأكد من هويته بواسطة الأهالي هناك، ثم يقطع رأسه ويرسله إلى بنغازي للتأكد من هويته على نحو قاطع. بعد أيام وصل رأس الشهيد المقطوع منقولا في علبة صفيح إلى معتقل بنينه بالقرب من بنغازي. أمر غراتسياني بإحضار محمد الرضا السنوسي، وكيل زعيم الطريقة السنوسية إدريس السنوسي، الذي دخل في طاعة الحكومة الاستعمارية، ومعه بعض المشايخ للتعرف على هوية صاحب الرأس المقطوع. فأقر محمد الرضا كتابيا أنه:" في تاريخه ـ 22 ديسمبر 1931 ـ حضرنا الكوالير (ا فشيالى توليو بيتروش ) ومحمد رضا المهدى السنوسي في السنترال الإيطالي الاستعماري بمدينة بن غازى ، أمام حضرة المتصرف لواء بنغازى الكوالير ( افيشيالى دانيرو إجيدى ) ، الذي أرانا رأس ميت وتحقق لدينا أنها رأس يوسف بورحيل المسماري ، ولأجل صحة ذلك أعطينا هذه الشهادة . محمد رضا المهدي السنوسي." ـ 7 ـ

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 15 أبريل. لكنه لم يُنشر كاملاً
1 ـ برقة الخضراء، اتيليو تروتسي، ترجمة خليفة محمد التليسي، الدار العربية للكتاب، ص 311.
2 ـ برقة الهادئة، مذكرات الجنرال رود لفو غراسياني، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، دار مكتبة الأندلس، بنغازي ـ ليبيا 1974، ص 278
3 ـ المصدر نفسه ص 296
4 ـ المصدر نفسه ص 295
5 ـ المصدر نفسه ص 296
6 ـ أبحث في غوغل: من أعلام حركة الجهاد الليبي، المجاهد : يوسف بورحيل المسمارى (بوخديدة)، دراسة موثقة من تأليف د . سالم فرج عبدالقادر السويدي ـ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر.
7 ـ المصدر نفسه.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home