Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 3 May, 2007

تحية لسيادة العـقيد!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

آخر الأخبار الطيبة من موريتانيا أن الرئيس الجديد، المنتخب ديمقراطيا، سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، خرج عن بروتوكولات الرئاسة، وأدى أول صلاة جمعة له، وهو رئيس، في مسجد وسط العاصمة، بين المصلين في الصف الثاني، دون حراسة.وغادر مختلطا بالمواطنين مواطنا مثلهم.. وذلك فأل طيب على الديمقراطية الوليدة بفضل «ولد فال»!!

لسنوات طويلة، في هذا الزمن العربي المتردي، أردأ فأردأ، راقبنا انزياح رؤساء عرب عن الحكم، بالانقلابات، أو بحكم الموت، وتنصيب خلفاء لهم بحكم بالتخليف والانتخابات الملفقة، مع استثناء لبنان لطبيعة نطامه الطائفي وديمقراطيته التوافقية، أو التجربة الجزائرية، التي وصل فيه بوتفليقة في انتحابات تنافسية نزيهة (إلى حد معقول). وقد كنت ممن استبشر بها خيرا لجهة تضميد جراح الجزائر وإخراجها من سنوات الدم والفوضى إلى السلم الأهلي والتأسيس الديمقراطي!

لكنها المرة الأولى، منذ سنوات طويلة، التي تغمرني فيها، مع ملايين العرب، بهجة الخلاص من الاستبداد، وأنا أتابع «الجزيرة مباشر»، وهي تنقل وقائع حفل تنصيب رئيس جديد لموريتانيا، وفقا لآليات ومراسم ديمقراطية صائبة، لم تلحقها شائبة، من أساليب الخداع والاحتيال والتدليس التي تُعرف بها مسرحيات الانتخابات والاستفتاءات والمبايعات الرئاسية العربية المفضوحة!

لقد أثار اهتمامي، ككاتب، وكناشط سياسي، في الانقلاب العسكري الموريتاني، تعهد العقيد ولد فال، رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، علنا، ومباشرة بعد نجاح الانقلاب، في الثالث اغسطس 2005، بنقل السلطة إلى المدنيين، مع عدم ترشحه شخصيا أو أي من أعضاء المجلس العسكري للانتخابات الرئاسية.

وقد تساءلتُ وقتها: أيعقل أن يتنازل عقيد انقلابي، في مضارب العرب، عن السلطة بهذه السرعة، بل ويحدد خريطة طريق لتسليمها إلى المدنيين؟! أسيفي فعلا بالتعهدات التى قطعها على نفسه؟!

.. وهنا يخطر في البال سوار الذهب، الذي رفض قمع انتفاضة الشعب السوداني عام 1985، وقام بانقلابه العسكري بغرض تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، لكن الحياة السياسية الحزبية الفاسدة أفسدت التجربة، فانقلب عليها العسكر بغرض تملّك السلطة وإدارتها، وذهب سوار الذهب مثالا في الزهد بالسلطة!

وبينما لم يكن انقلاب الفريق سوار الذهب مخططا له، إنما جاء تحصيل حاصل لانتفاضة شعبية، فإن انقلاب العقيد ولد فال جاء عن سبق تخطيط وتعمد، ولكن بقصد تخليص الدولة والمجتمع من الاستبداد والانسداد السياسيين، وليس للاستحواذ على السلطة، كما هو حال عقداء الانقلابات العربية القومجية والاشتراكجية، التي لا تزال بعض مخلفاتها تحكم شعوبنا التعيسة، منذ نحو أربعة عقود!

إذن هي المرة الأولى، في العالم العربي، التي تُستخدم فيها المؤسسة العسكرية كأداة لجلب الديمقراطية، وليس سلبها، أو تبديل استبداد باستبداد!

لقد تتابعت خطوات المسار الديمقراطي الانتقالي، حسب خريطة الطريق المرسومة من المجلس العسكري، وفق جدول زمني ملتزم بمواعيد الخطوات الإجرائية للتهيئة السياسية والدستورية لانتقال الدولة الموريتانية إلى المؤسسات الديمقراطية، فتم في يونيو 2006م إجراء الاستفتاء الشعبي على الدستور، الذي قيّد مدة رئاسة الجمهورية بفترتين لا غير، مدة الواحدة خمس سنوات، وبعدها بأشهر معدودة تم إجراء الانتخابات البلدية والتشريعية، ثم كان مسك الختام انتخابات رئاسية في مارس 2007م، جرت في منتهى النزاهة والشفافية، واسفرت، في الجولة الثانية، عن فوز سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بـ 52,85% بفارق ضئيل عن منافسه أحمد ولد داده الذي حصل على 47,15%، في حالة غير مسبوقة في عصر الفضيحة العربية المدوية بنسبة 99,99%!!

وأتوقف هنا عند تهكم الشارع العربي من خلال كتابات المدونين وتعليقات المتصفحين في زواريب الإنترنت، الحرة بلا حدود.حيث اعتبر كثيرون، وهم محقون، العقيد ولد فال نجم القمة العربية. فهو محبوب من شعبه بنسبة 99,99% عن حق، لأنه احترم شعبه، عندما أوفى بوعده، مُتنزّها عن مغريات السلطة الفاتنة وبريق صولجانها الجذّاب، وهناك من تخيل أن الرئيس ولد فال خاطب الحكام العرب في قمة الرياض، قائلا: «لقد لاحظت أنكم غير مرتاحين لوجودي بينكم اليوم، وألتمس لكم العذر في ذلك، فربما كان ذلك خوفا منكم من العدوى.. أو شفقة منكم على عسكرييكم من رؤيتي حتى لا يفكروا فيما حدث في بلدي ذات صباح، فيتخذوني قدوة أو مثلا أعلى (....) إنه ليسعدني أن أضع تحت تصرفكم خبرتي في دخول الفترات الانتقالية والتخلي عن السلطة طواعية وضمان الانتخابات النزيهة والشفافة.. فمن منكم لديه الرغبة في ذلك فليرفع أصبعه! وسيكون شعبه شاكرا له كما شكر لي شعبي، كما سيذكره التاريخ الذي طوى صفحة أسلافكم وسلفي دون أن يُبقي لهم أي أثر.. وأشكركم»!!

وعلق متصفح مصري ظريف متخيلا لسان حال الشعب المصرى يقول للشعب الموريتاني: يا بختك.. يارب أوعدنا بـ «ولد فال» بدلا من «ولد مبارك»!!

وصاغ متصفح متهكم، خبرا افتراضيا، مفاده أن الجامعة العربية تدرس مشروع قرار بطرد موريتانيا من الجامعة، لأنها:

أولا: أجرت انتخابات (ديمقراطية) وفاز بالرئاسة فيها سيدي ولد شيخ عبدالله بحصوله على 52.85% من الأصوات مقابل 47.15% لمنافسه احمد ولد دادة

ثانيا: أن السبب في طرح هذا المشروع أن الرئيس الفائز لم يحقق نسبة النجاح الرئاسية العربية المعتادة 99.99% مما يعني أن موريتانيا (بلد المليون شاعر) لم تستطع أن تفرز رئيس عربي ملهم لديها، وهذا بالتالي يعني انخفاض في معيار ايزو الرئاسة العربية (المنتخبة وغير المنتخبة) وتسجيل فضيحة لنا بين الأمم، يا شماتة القوى الديمقراطية والمحبة للسلام فينا.

ثالثا: لتعود دولة موريتانيا إلى رشدها وإقرارها بأن الاعتراف بالخطأ فضيلة!!!

وإذ انتهى الحفل البهيج لتنصيب الرئيس الموريتاني الجديد، وتوديع العقيد النبيل (وقد زاده نبلا أنه تعهد بعدم ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية التالية، المقرر إجراؤها حسب الدستور عام 2012)، وجدت نفسي أؤدي التحية لسيادة العقيد، الذي شكل علامة إيجابية فارقة في سجل العسكرتارية العربية، الحافل بالقمع والقهر، حالماً بصباح بلا عقداء انقلابيين أو رؤساء مزمنين، ولشعبي التعيس بهجة العيد بالخلاص من الاستبداد، ومتعة المشاهدة، عبر «الجزيرة مباشر»، لمراسم نهاية الاستبداد وتنصيب أول رئيس منتخب بإرادة شعبية حقيقية، لا لبس فيها ولا تزوير أو تدليس، رئيس بلا ألقاب عظمة فشفاشة (=الإفراط في الكذب)، وإنما مجرد موظف عند الشعب، في منصب كبير موظفي الدولة، ولمدة مقيدة بفترة زمنية لا تتعدى العشر السنوات، حفاظا على السلامة العقلية لـ«سيادة الرئيس».. هل هذا حلم بعيد المنال؟! إنه منوط برغبة الشعوب في الخلاص من الاستبداد بإرادتها، وليس الاتكال على خلاص يأتي دون أن يكون لها فيه يد.. كأن يجودها يانصيب الزمان بـ«ولد فال» أو «أولاد فالات»جدد!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 3 مايو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home