Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 3 أبريل 2009

خطابان متناقضان لروح الإمبريالية..!! *

فرج بوالعَـشّة

1
يتغلل إدوارد سعيد عميقا في تفكيكه النقدي لبنية المعادلة المتعالقة بين الثقافة والإمبريالية،من منظور العالم المتخصص، والمثقف الكوني الأنسني، على خلفية تجربته الإنسانية الشخصية، من حيث هو عربي ـ فلسطيني، مسته إحدى الإمبرطوريات الإمبريالية الكبرى: بريطانيا العظمى، في صميم وجوده، عندما ألقت به "خارج المكان والزمان" حسب عنوان سيرته الذاتية. مسته الإمبريالية كما مست غالبية شعوب الأرض. بحيث لا يوجد على حد تعبيره: "حيّ، اليوم، من أميركا الشمالية، أو أفريقيا، أو أوروبا، أو أميركا اللاتينية، أو الهند، أو الكاريبي، أو أوستراليا ـ والقائمة طويلة جداَ ـ لم تمسسه امبراطوريات الماضي"....!

2
رغم حقبة تصفية الاستعمار، على نطاق عالمي واسع، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتفكك "البنيات الإمبريالية الكبرى"، بقيت بنية الخطاب الإمبريالي بمنأي عن ظروف اندثار عصر الاستعمار المباشر، ومعطيات انحطاط إمبراطورياته الكلاسيكية. إذ انبثق، بعد الحرب العالمية الثانية، خطابان إمبرياليان، يتمثلان في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بمضمونين متناقضين، أيديولوجيا وسياسياً واقتصادياً وجيوبوليتكياً، متواجهين في حالة حرب باردة، في نطاق مجالهما الجغرافي الحيوي: القارة الأوروبية والقارة الأمريكية. بينما كانت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مسرحا لحروب إقليمية وأهلية ساخنة، وانفلابات عسكرية متواترة، تعكس، بشكل أو آخر، طبيعة الصراع بين الإمبرياليتين العظميين على مناطق التفوذ العالمية....!

3
ورغم التباين في مضمون الخطاب الإمبريالية، لكل من الولايات المتحدة وروسيا، إلا أنهما يتطابقان في المضمون المركزي لمعنى الإمبريالية، بما هي، حسب مايكل دويل: "ببساطة العملية أو السياسة اللتان بهما يتمّ تأسيس الإمبراطورية أو إدامتها والحفاظ عليها"، حتى وإن أصر خطاب الفكر السياسي الأمريكي على: "فرادة الولايات المتحدة، وتميّزها الخاص، وغيريّتها، وما تخلقه من فرص، بالغ التأثير إلى درجة أن "الإمبريالية" ككلمة أو أيديولوجيا لا ترد إلا في النادر النادر، وفي كتابات حديثة العهد: في المسارد المتعلقة بثقافة الولايات المتحدة وسياساتها وتاريخها. بيد أن الترابط بين السياسيات الإمبريالية والثقافة مباشر إلى درجة مدهشة. وقد ظلّت المواقف الأمريكية من الـ"عظمة" الأمريكية، ومن تراتبيات الفرق، ومن أخطار الثورات الأخرى {إذ إن الثورة الأمريكية تُعتبر فذة وغير قابلة للتكرار في أي مكان أخر من العالم} ثابتة. وظلّت تُملي، وتعمّي، حقائق الإمبراطورية، فيما مضى المسوِّغون المدافعون عن المصالح الأمريكية ما وراء البحار في إلحاحهم على براءة أميركا، وفعلها للخير، وكفاحها من أجل الحرية..."...
أما روسيا فقد تباينت إمبريالتها السوفياتية المندثرة، عن خصيمتها الأمريكية، وأصولها الأوروبية، من حيث كونها: "اكتسبت أصقاعها الإمبريالية بصورة حصرية تقريبا عن طريق المتاخمة.." في نطاق أوروبا الشرقية، داخل ما سُمي بالستار الحديدي، الأيديولوجي في واقع الأمر، عكس النموذج الإمبريالي الأوروبي {الغربي}، المبني على التوسع المنتشر آلاف الأميال بعيدا عن المركز الأوروبي. وذلك، كما يقول سعيد: "هو محرق اهتمامي هنا، جزئيا، لأنني معنيّ باكتناه طقم الأشكال الثقافية والبنى الشعورية التي تولّدها، وجزئيا لأن السيطرة على ما وراء البحار هي العالم الذي ترعرعت فيه وما أزال فيه أعيش..."....!

4
إن الأنموذج الأمثل لتفكيك معادلة الثقافة والإمبريالية ماثل في تراث الإمبرطوريات الكبرى، التي هيمنت في القرن التاسع عشر. وفي الصدارة الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية، بمعية الشقيقات الصغريات: أسبانيا، البرتغال، هولندا،بلجيكا. ففي عام 1800 نجد أن الإمبريالية الغربية قد تملكت خمسة وثلاثين في المائة من أراضي الكرة الأرضية" وبحلول 1878 ارتفع نصيبها إلى 67 % وهي نسبة ازدياد تربو على 83000 ميل مربع في السنة. ومع حلول 1914 كانت النسبة المئوية للازدياد قد بلغت حدّاً مذهلاً: 240000 ميل مربع، وقبضت أوروبا على زمام مجموع إجمالي بلغ حوالي 85 % من الكرة الأرضية كمستعمرات، ومحميات، وتابعيات، وأقطار خاضعة، وكومنولثات..."..!
وإذا كان التاريخ السياسي، والوثائق الرسمية، والشهادات، والأرقام والإحصاءات، تنبئت بالمواقف والأحداث السياسية، والمعطيات الاقتصادية والعسكرية، والوقائع الحربية، عما مارسته الإمبريالية الكلاسيكية ضد شعوب مستعمراتها ومحمياتها ومناطق النفوذ التابعة لها، فإن الثقافة هي الموثِّق الإبداعي للخيال الإمبريالي. فقد لعبت، حسب سعيد، كل من :"الهند البريطانية وشمال أفريقيا الفرنسية وحدهما أدوارا لا تثمن في الخيال، والاقتصاد، والحياة السياسية، وفي النسيج الاجتماعي للمجتمعين البريطاني والفرنسي. ونحن إذا ذكرنا أسماء مثل دولاكروا، أدموند بيرك، رسكن، كاريل، جيمس وجون ستيوارت مل، كبلنغ، بلزاك، نرفال، فلوبير، أو كونراد، فسنكون قد رسمنا خريطة لزاوية صغيرة من حقيقة هي أعظم حجما بكثير حتى مما تغطيه مواهبهم الهائلة مجتمعة. لقد كان ثمّة دارسون، وإداريون، ورحّالة، ووباعة، ونوّاب برلمانيون، وتجار، وروائيون، ومنظِّرون، ومضاربون، ومغامرون، ورؤيويون، وشعراء، وشتى أنواع المنبوذين والشذّاذ في الممتلكات النائية لهاتين القوتين الإمبرياليتين.."..!!...يتبع...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 2 أبريل 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home