Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 2 اكتوبر 2008

المثقف الضميري(*)

فرج بوالعَـشّة

في سياق استقرائه التحليلي لصور المثقف ـ 1 ـ يتوقف إدوار سعيد عند "جوليان بندا" مثالا لصورة المثقف البيوريتاني (الطهراني)،الذي ـ في نظره ـ هو"مخلوق نادر لأنه يساند معايير الحقيقة والعدالة الأبدية، ويقول الحق في أصعب الظروف"..!

جوليان بندا(1867 – 1956) مثقف فرنسي..روائي وفيلسوف..زعيم حركة "نقض الرومانتيكية anti- Romantic" المعروفة في النقد الفرنسي..مدافع مثابر عن المنطق والفكر ضد الحَدْسية البرغسونية الداعية إلى تلقي القيم والواجبات الأخلاقية بالبداهة الحدسية..!تبلورت رؤية بندا الأخلاقية لدور المثقف مع "قضية درايفوس" المتعلقة بمحاكمة الضابط اليهودي الفرنسي "ألفرد درايفوس"، عام 1894، في محكمة عسكرية، بتهمة التجسس لصالح ألمانيا، العدوة التاريخية اللدود لفرنسا..وهي القضية التي تحولت إلى قضية رأي عام مثيرة للجدل، سواء في أوساط النخب السياسية والفكرية، أو في أوساط العامة، حيث تظاهر الكثير من الفرنسيين ضد الضابط "ألفرد درايفوس" واصفيه بـ "اليهودي الخائن"، منادين بالموت لليهود..!وكان أن حكم عليه بالسجن المؤبد والنفي إلى جزيرة الشياطين في غويَّانا الفرنسية عام 1899، بعد محاكمة غير نزيهة..وهنا برز موقف المثقف الأخلاقي ـ الضميري..وهو الموقف الذي مثّله، بإجادة فائقة، الكاتب والروائي الفرنسي الشهير أميل زولا (1840ـ1902)، عندما أشهر فكره، المؤثر في الرأي العام، للدفاع عن براءة الضابط "درايفوس"، متهما المؤسسة العسكرية بتلفيق التهمة للضابط اليهودي، بنية تشويه سمعة يهود فرنسا من منطلق شوفيني عنصري..!تمثلت وسيلة "زولا" الدفاعية في مجموعة مقالات، تحت عنوان: "إنني أتهم"، نشرها في صيغة رسالة مفتوحة، موجهة إلى رئيس الجمهورية الفرنسية..!كانت مقالة "زولا" مرافعة ضميرية استثنائية، من لدن مثقف استثنائي، أدرك ـ سابقا عصره ـ فعالية موقف المثقف الضميري في التأثير على الرأي العام، وتحويله إلى "سلطة أخلاقية" ضاغطة، قادرة على نقض أحكام القضاء المزورة..!لقد صاغ "زولا" مرافعته الدفاعية عن براءة "درايفوس" في عريضة اتهام مضاد للقضاء العسكري، بعنوان: "إنني أتهم"، استند فيها إلى حجج فكرية قوية، تمكن بها من تحويل القضية الجنائية إلى قضية رأي عام، ظلت تتفاعل لسنوات، ما بين 1894 و1906. وقد انقسم حولها الفرنسيون، مثقفين وسياسيين وعوام، بين يسار ويمين. بين سياسيّي اليسار ومثقفيه المدافعين عن براءة درايفوس، مطالبين بإعادة محاكمته، وبين اليمين السياسي والعسكري المتمسك بإدانته وتثبيت الحكم الصادر ضده..وقد نجحت مقالات زولا النارية في انصياع المؤسسة العسكرية، والقبول بإعادة محاكمة درايفوس أمام محكمة مدنية، قامت بتبرئته وإعادة الاعتبار له، بإعادته للخدمة العسكرية، بل ومنحه وسام الشرف..!لقد انطلق زولا في دفاعه عن براءة الضابط الفرنسي اليهودي "ألفرد درايفوس"، ورد الاعتبار له، من التزامه الضميري بدوره كمثقف ملتزم بنزعته الأنسية، وانتمائه الفلسفي للأفكار الاشتراكية. لكنه في الأساس الأخلاقي كان ينطلق من احترامه لقيمة إنسانية الإنسان، دون اعتبار لعرقه أو ديانته أو لون سحنته..وشجاعته الشخصية في الانحياز إلى العدالة والدفاع عن حقوق الإنسان ضد الظلم والتسلط والتزييف، بمختلف وجوهه السياسية والاجتماعية والفكرية..فكما واجه القضاء العسكري الفاشي، هاجم ـ بشراسة ـ الصحافة الفرنسية التي سماها بـ":"البذيئة"، لأنها تحولت إلى بوق غوغائي لتهييج "أوغاد باريس" ضد المتهم "الضحية... ما جعل السفلة ينتصرون بوقاحة على حساب القانون والنزاهة.."..!لقد أسس "زولا" بموقفه الاستثنائي هذا لموقف المثقف الحر المستقل، ودوره المؤثر في العصر الحديث..المثقف الذي لا يخضع سوى لـ"السلطة الأخلاقية"،المؤسِّسة للمرجعية الإنسانية الجامعة، التي توجه رغبته، التي لست لي:"سوى رغبة واحدة أن أرى النور .. باسم الإنسانية التي عانت ولها الحق في السعادة.."..!لم يكن الموقف الذي اتخذه "زولا" في "قضية درايفوس"، في أواخر القرن التاسع العشر، بالموقف السهل الاعتيادي، كما هي الحال التي تجري في أوروبا المتخمة اليوم، في بداية القرن الواحد والعشرين، بفائض الحريات الديمقراطية والحقوق الإنسانية ..!ففي وقت "زولا"، كانت معطيات الديمقراطية المتوافرة، وقتها، أشبه بمعطياتها البائسة المتوافرة لدينا في ديرة العرب اليوم..كان القضاء فسادا فسد منه السياسيون والمعارضون السياسيون، الذين كانوا يُطارَدون ويتعرضون للتصفية الجسدية..!فرغم مكانة زولا الأدبية الرفيعة، في المجتمع الفرنسي، فقد دفع ثمن تجرئه على تبني قضية أُريد لها أن تمر مرور الكرام حسب الغاية منها، فإذا به يقلب الأمور لصالح المتهم..بحيث أصبح القضاة مدانين، ومن أدانوه يحظى بالبراءة ووسام الشرف..!لذلك لم تغفر له قوى السلطة المهيمنة ما اعتبرته جرأة وقحة لمثقف يؤلب سلطة الرأي العام على السلطة الرسمية، إلى حد إجبارها على التراجع عن أحكامها القضائية مقرة بذنبها..!فلفقوا له تهمة سياسية بسبب مقالته الشهيرة..أدت إلى الحكم عليه بسنة سجنا. فلجأ للإقامة في لندن، حيث استقر بها حتى وفاته عام 1902، قبل أن يرى ثمرة موقفه الدفاعي الاستثنائي بتبرئة الضابط درايفوس عام 1906..أي بعد وفاة "زولا" بأربع سنوات.....يتبع

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 2 اكتوبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home