Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 2 يوليو 2009

القراءة الطباقية للثقافة الإمبريالية!!

فرج بوالعَـشّة

كما أن للتجربة الإنسانية ذاتيتها الخاصة،كذلك لها تاريخيتها الدنيوية العامة، المطروحة للتحليل والتأويل، حسب إدوارد سعيد، في قراءته التفكيكية ـ التركيبية لبنية العلاقة "المتعالقة" بين الثقافة والإمبريالية. واستخدم لذلك مصطلحا منهجيا مُبتكرا، هو: Contrapuntal، استقاه من المفاهيم الموسيقية. وقد تعسّر كمال أبوديب،مترجم كتاب الثقافة والإمبريالية، في ترجمته للعربية، حتى استقر على ترجمته بـ"الطباق"، بما تعنيه في النقد العربي القديم من علاقة تضاد دلالي، وهو ما يقارب ما يعنيه إدوارد سعيد من المصطلح بمعنى: "القراءة الطباقية كما اسميتها قراءة النص بفهم لما هو مشبوك متَّضمَّن فيه"..!

وكي يستقيم مدلول المصطلح في العربية بطريقة أقل التباسا، ينبغي أن يؤخذ بمعنى "الطباق التضادي"، من منظور المنهج المقارن مثلما طبّقه إدوارد سعيد في قراءته التحليلية والتأويلية لنصوص "سجل المحفوظات الإمبريالي". كما في رواية "كيم" للروائي البريطاني الشهير رديا رد كيبلنغ (1865 ـ 1936)، التي: "تحتل مكانة خاصة جدا في تطور الرواية الإنجليزية وفي المجتمع الفيكتوري في مرحلته المتأخرة، بيد أن الصورة التي تحملها عن الهند ذات علاقة متضادة بعمق مع تطور الحركة الساعية إلى استقلال الهند، فإن تم تمثيل الرواية أو الحركة السياسية أو تأويل إحداهما منفصلة عن الأخرى، فإن هذه أو تلك سيفوتها إدراك التفاوت الحاسم بين الاثنتين الذي أضفته عليهما التجربة الفعلية للإمبراطورية.."..!

أو في تحليله المقارن للرؤيتين الثقافتين المتفارقتين، المتمثلتين في مؤلَّفي "وصف مصر" و"عجائب الآثار". حيث شكل "وصف مصر" سجلا ضخما (20 مجلدا) للحملة الفرنسية (النابليونية( على مصر (1798 ـ 1801)، والذي شارك في تأليفه فريق من العلماء المختصين، جلبهم نابليون معه في حملته الاستعمارية الخاطفة تلك. بينما كان كتب "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" عملا فرديا، من ثلاثة مجلدات، ألفه شيخ أزهري مستنير، هو المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي (1756 - 1825)، الذي كان معارضا لاستبداد المماليك، ومؤرخا لأحداث حكمهم. ثم مؤرخا لأحداث الحملة، التي رأى فيها، في بداية الأمر،خلاصا لمصر والمصريين من طغيان المماليك وجاهلتهم، حتى أنه رضي، في بداية الأمر، أن يكون عضواً في "الديوان الوطني" الذي شكّله الغزاة. وخالط علماء الحملة، معاينا أعمالهم، مبهورا بعلومهم. فجاء سِفره التاريخي تدوينا دقيقا، إلى حد كبير، لأحداث الحملة وحوادثها المتفرقة،حسبما عايشها وشاهدها أو أخذها سماعا من مصادر موثوقة. مُسجلا ملاحظاته وانطباعاتها حولها من منظور ثقافته العربية الإسلامية ورؤيته الأزهرية المستنيرة بالتزامن مع عصره...!

أما رؤية "وصف مصر" فقد تأسست على معطيات الثقافة الحداثية للإمبريالية الفرانكفونية الغازية، المرتبطة بأهداف الحملة الإمبريالية وأيديولوجيته الفكرية. فمصر، في توصيف علماء الحملة الإمبريالية، تحتل موقعا مركزيا بين إفريقيا وآسيا، سهل الاتصال بأوروبا. وهي علاوة على تاريخها الحضاري العريق "تحفظ مآثر لا تحصى". وقد: "رحل كل من هومر، وليكرغيس وسولون وفيثاغورس وأفلاطون، إليها لدراسة العلوم، والدين، والقانون؛ وأسس الإسكندر فيها مدينة عامرة بالثراء والرفاه، مدينة تمتعت، لزمن طويل، بالسيادة التجارية. وشهدتْ بومبي، ويوليوس قيصر، ومارك أنتوني، وأغسطس، يقررون فيما بينهم مصيّر روما ومصير العالم بأسره. ومن هنا يليق بهذا البلد أن يجذب اهتمام الأمراء العظام الذين يتحكمون بمصائر الأمم. ولم يحدث مرّة أن حشدت أمة من الأمم لنفسها قوة ذات شأو، سواء في الغرب أو في آسيا، دون أن تقودها هذه القوة أيضا باتجاه مصر، التي بوجه من الوجوه نصيبها الطبيعي.."..!

وواضح هنا، في النص المذكور، كيف تتعالق الإمبريالية والثقافة في تبرير الهيمنة على عالم الغير، وكأنها انجذاب سحري لا فكاك منها. ويظهر ذلك جليا في طبيعة الحملة الفرنسية على مصر، الجامعة بين المدفع والمطبعة. الأجناد والعلماء. فبعدما قام الأجناد المسلحون بأحدث الأسلحة، في وقتها، بالغزو وقمع المقاومة الوطنية التي واجهتهم والسيطرة على البلاد، جاء العلماء، المصاحبون للغزو Imbedde، لأداء مهامهم ذات الطبيعة الإمبريالية الصريحة، المتمثلة في إجراء "مسح لمصر كما لم تُمسح في تاريخها كله من قبل...". أما الشيخ المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي فقد وصف، بلغة الإخبارين القدامى، غزوة الفرنجة لوطنه وثقافته، من منظور الطرف المهزوم، بأنها: "أول سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور وترادف الأمور، وتوالي المحن واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع، وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال، وفساد التدبير وحصول التدمير، وعموم الخراب وتواتر الأسباب، ثم يلتفت كما يفعل المسلم المؤمن، ليتأمل نفسه وشعبه ويقول القرآن: "وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون.."..!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 2 يوليو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home